المشكلة مع النظام العراقي أكبر من أن تحلها المبادرات الإنسانية, والمشكلة باختصار ان هذا النظام يغتال كل المحاولات الرامية لخلاصه من حالة الحصار والتجويع والتهديد و ... إلخ. ففي كل مرة يثبت العرب مجتمعين رغبتهم في اعادة مجرى العلاقات مع العراق, يبادر نظام العراق بفتح النار على هذه الدولة العربية أو تلك ما ينسف كل جهود ومحاولات ترتيب البيت العربي الذي أصبح بيتا من ورق. والأوراق في العراق تقول ان النظام العراقي يبتدع كل يوم طريقة لاغتيال الناس خاصة من يجرؤ على اعلان المعارضة, ولذلك فالعراق يعيش أقسى وأقصى حالات القمع السياسي ضد المواطن الذي يدفع كل يوم ثمن حماقات النظام ولكنه لا يستطيع أن يطالب بالثمن الخاص به هو كإنسان من حقه أن يعيش بشكل طبيعي دون خوف أو تهديد أو احساس بأن عنقه سيقطع أو لسانه سينتزع أو بيته سيهدم أو أبناءه سيزج بهم في السجون وبأنه سيجوع العمر كله حتى يموت. الوضع في العراق لا يحتمل, ولا أحسد العراقيين على قوة ارادتهم ومنجم الصبر الذي يحملونه في قلوبهم, فوضعهم لا يستحق الحسد أبدا, لكن سؤالا مريرا يراود الخاطر دائما: إلى متى يا عراق؟ إلى متى؟ لا نريد أن تتحول تظاهرة الطائرتين الروسية والفرنسية اللتين اخترقتا الحظر الجوي بعد عشر سنوات إلى اصبع اتهام بحجم الفضيحة يجيد النظام العراقي وبعض من لا يزال يصدق خرافاته توجيهه لنا كعرب, وكأننا مسئولون عما آل إليه حال العراق, وان كنت أعلم ان العراق كشعب وأرض وامكانيات قد تعرض لمؤامرة اجهاض مشروع نهضوي رائع وقوي على المستوى العلمي والعسكري والاقتصادي. لكن النظام هناك ساهم في تحويل المؤامرة إلى واقع مأساوي لا يريد الخروج منه ولا يسمح لأحد باخراجه منه. تمنيت أن تكون الطائرة التي تخترق الحظر الجوي عربية, وتمنيت قبلها أن يتبنى قضية مريم الطفلة المريضة نائب في أحد البرلمانات العربية بدل النائب الانجليزي, فنحن أولى بصيانة دمائنا وأعراضنا, لكن العراق يذهب بعيدا في العناد ويمنح أرباب المؤامرة مزيدا من فرص انجاحها واستمرارها وبالمجان. ولن ندخل في قضية المزايدات والدعاية مع الغرب فنحن نعلم النوايا جيدا!! ولا تعنيني قضية المعارضة العراقية, ولا من أي فئات الطيف السياسي والاثني والثقافي خرجت, ولا مدى علاقتها بالنظم الغربية والولايات المتحدة تمويلا واحتضانا, لكنه يعنيني كإنسان عربي ألا يستمر النظام العراقي في المزايدة على مأساة الشعب العراقي, ومقايضتهم كسلعة في الرهانات العالمية. صدام يعلم يقينا ان رفضه لكل الحلول, وامتناعه عن استقبال المفتشين الدوليين أو اللجان الراغبة في تطوير برنامج النفط مقابل الغذاء أو الرضوخ لقرارات الشرعية الدولية, سوف يزيد من معاناة شعبه لكنه يراهن على ان ازدياد هذه المعاناة سوف يخلق رأيا عالميا متعاطفا معه يضغط على الدول والحكومات ليصل هو إلى ما يريد, دون أن يقدم أدنى تنازل. هكذا يقرأ النظام العراقي خريطة التفكير العالمي, وللأسف فهو يقرأها بشكل خاطئ جدا.