دائما يقع الضعفاء والمساكين ضحية لعبة الكبار, واحداث التاريخ خير شاهد على ذلك, فلقد وقعت كوارث عظيمة في العالم كان سببها رجالا ظنوا في انفسهم شيئا ليس موجودا في الاخرين, فالحرب العالمية الثانية ليست سوى نتيجة لقرار طائش اتخذه الزعيم النازي ادولف هتلر, ذلك الرجل الذي تبنى نظرية التفوق العرقي, التي ترى ان ثمة اعراقا في البشر افضل من غيرها. لكن ماذا كانت نتائج هذه الحرب المجنونة التي لم يسلم من شرها اي جزء من العالم, وكان اعظم الدمار في اوروبا واليابان, تلك التي وقعت بها افظع كارثة بشرية, عندما ضربت فيها مدينتان بقنابل ذرية, وفي بعض الاحيان يكون الصراع بين البشر لاسباب جدية كالدفاع عن الارض ضد المحتل, الا ان هذا الصراع في اغلب الاحيان يكون لاسباب تافهة لا تستحق اراقة الدماء. ولكن طالما ان النفس البشرية تحمل في طبيعتها بذور العدوانية للآخر, فسيستمر العنف الى ابد الدهر. والان تتفجر احداث عنف طائفي في غير مكان من هذا العالم كإحدى علامات انحطاط النفس البشرية ورعونتها, فما يجري في نيجيريا من قتل بين مسلم ومسيحي, لا تفسير له الا في ذلك التعصب الكامن في عدوانية النفس البشرية, هذا التعصب الذي يمنع الانسان ان يرى الجمال في غير ذاته. فالمسلمون في هذا البلد يريدون في بعض الولايات تطبيق احكام الشريعة الاسلامية, الا ان هذه الولايات ليست مسلمة صرفا, بل ثمة جماعة مسيحية موجودة بها, وتطبيق احكام الشريعة الاسلامية يعني خضوع هذه الجماعة لقانون لا تعترف به. من هنا نشأت هذه المشكلة التي اعتقد اعتقادا جازما, ان دوافعها سياسية لتدمير هذا البلد المستقر الغني بثرواته, والضحية دائما هم البسطاء من الناس, فهؤلاء يدفعون ثمنا غاليا نتيجة اخطاء الكبار, لقد حصدت موجات العنف ما يزيد على الف شخص حتى يوم الاربعاء اول مارس الماضي, والازمة لم تزل قائمة في هذا البلد وتزداد سعارا, الا انه وعلى ما يبدو, فقد شعر حكام ثلاث ولايات في شمال نيجيريا بخطورة ما يجري فقرروا التراجع عن تطبيق احكام الشريعة الاسلامية. الا ان مسئولا في الكنيسة الكاثوليكية في نيجيريا اعلن انه على حكام الولايات الثلاث في نيجيريا التي وافقت على العودة عن قرار تطبيق الشريعة الاسلامية ان يصرحوا علنا عن موافقتهم. ان السباق المحموم لاعلان الذات ينذر بعنف في اماكن اخرى من العالم, فمأساة الشيشان ليس من سبب لها سوى الرغبة في اعلان الذات, يجب علينا نحن البشر ان نحترم الاخر, لأننا لا نستطيع الحياة دون التواصل مع الاخر. لقد خلق الله الاخر لنتكامل معه, بالحب وحده يمكن تحقيق هذه المعادلة الصعبة, لأن الحب لا يعرف هوية ما, ولا وطنا ما, وبه وحده تبنى اقوى المجتمعات. واما ان نكره الاخر لمجرد انه ينتمي بحكم الولادة لطائفة ما ولا ذنب له في ذلك. بل القدر لعب دوره فكان ابنا لهذه الطائفة, فهذا امر لا يقره عقل سليم, ولكن ما يجب قوله هو انه اذا بقي هذا الاخر اسيرا لطائفته وظل يعتبرها دائرة معارفه وتخوم حياته, فهنا المشكلة الكبرى التي ربما هي الاخطر على اي مجتمع متعدد الطوائف.