على كثرة كلمات قواميسنا العربية, وما تزخر به لغتنا الجميلة من صيغ الافعال, يحتل فعل الامر (اقرأ) القمة, بدلالاته وقيمته, وما تحيط به من هالة قدسية اكتسبها من كونه اول كلمة تلقاها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من ملك الوحي جبريل, مفتتحا بها رحلته القدسية لنقل كلمات الخالق الى الرسول, والتي شكلت كتاب الاسلام المنزل (القرآن الكريم) . فمن الأمر بالقراءة تشكلت المعرفة التي قامت على اسسها الواعية الدعوة الاسلامية , وقامت الحضارة وانبلج فجر الاسلام لتسطع انواره مبددة ظلمات الجاهلية في وطننا وفي عالم لا حدود له. ومن القراءة تستمد الروح والعقل غذاء يتجدد وتتسع الرؤية, وتنكشف للانسان مساحات, وتتاح له الاستفادة من تجارب لم يعشها, وعانى منها آخرون ربما تفصله عنهم آلاف الاميال ومئات السنين. وبالقراءة تتداوى جراح الروح والجسد, ويتواصل اولئك الشاكين من شعور قاتل بالوحدة مع اصدقاء غير مرئيين من الادباء والكتاب والمفكرين, ويصبحون اصدقاءهم على الورق, وكأنهم حاضرون يقدمون لهم خلاصة تجاربهم دون تحفظ او بخل او من, ودون انتظار جزاء, او حتى مبادلتهم الصداقة, ويكفيهم استيعاب ما خطوه بأيديهم. وعلى كثرة ما تجلبه القراءة من متع وفوائد للعقل, وللخيال والأفق من سعة واتساع للرؤى, كثيرا ما تؤدي الى مضار لا حصر لها, فهي اسرع وسيلة لنقل فيروس الانحراف الاخلاقي والفكري, واثارة الشكوك وزعزعة الثقة بثوابت القيم والاخلاق. على ان اخطر المضار من القراءات المشبوهة ما يتعرض له اطفالنا, الذين يتصفحون ما تطاله اياديهم ببراءة, قبل ان يتسلحوا بنزعة نقدية, تكسبهم المناعة المطلوبة, والتي تتيح لهم القدرة على التمييز بين الصحيح والخاطىء. ولعل هذا هو السبب في الاهتمام الذي توليه الدولة لأدب الاطفال وثقافتهم بكل صورها, سواء المكتوب او المسموع والمرئي, فمن خلال القصص المحببة تنغرس في نفوس النشء قيم المجتمع وشخصيته, او العكس, عندما يتغلب الانتاج الوافد على الوطن. ومؤخرا, بدأت الشواهد على حملة منظمة تتم بنعومة شديدة تستهدف النشء العربي, من الاطفال والمراهقين, ففي مصر نشرت موسوعة مترجمة تتضمن تحريفا وتزييفا لتاريخ فلسطين وتعلي من شأن اسرائيل, وتنزع عنها وجهها القبيح, وتقدم محله وجها جميلا محببا. ألا يستدعي ذلك منا الانتباه قبل فوات الأوان.