يبدو ان الكمبيوتر لن يترك مجالا إنسانيا إلا وسيقتحمه, فبعد تدخله المباشر في تفاصيل حياتنا اليومية بحلوها ومرها, ها هو يدخل ميدانا آخر, فقد أصبح هذا الجهاز الأصم, الناطق في الوقت نفسه, أصبح قاضيا وحكما وطبيبا نفسيا وخاطبة أيضا, والأدهى من هذا وذاك انه تحول إلى دنجوان يحب ويعشق, يتأوه ويسهر الليالي, بل ويدفع الزوجات إلى معاملته كضرة, بعد أن أدمن الكثير من الرجال عشقه وأهملوا زوجاتهم من أجل عينيه! في السابق وقبل أن يقتحم جهاز الكمبيوتر البيوت العامرة, كان الكثير من الزوجات لا يحبذن الزوج الذي يهملهن من أجل الصحيفة أو الكتاب, واليوم أصبح الكتاب وصارت الصحيفة عادة قديمة لا تحرك الزوجة, بعد أن تحول المزاج العام لكثير من الرجال فأصبحوا يفضلون قضاء أوقات طويلة مع الكمبيوتر مبحرين معه على حساب مسائل حياتية أخرى كالزوجة والبيت والأطفال. وأعود من حيث بدأت فقد أخذ الكمبيوتر يتقمص شخصية الخاطبة ولكن بشكل عصري, فالخاطبة قديما وخاصة في مجتمعاتنا الخليجية كانت عبارة عن امرأة مكتشفة وباحثة تعرف مكامن الجمال وتفاصيله بحكم الخبرة والممارسة, فهي تقوم وبشكل متواصل بالبحث عن المرأة الجميلة, ذات المنبت الطيب والبيت الكريم, وبذلك تجدها تبحث هنا وهناك متقمصة في بحثها ورحلتها الاكتشافية أدوارا عدة, فتارة تدخل إلى أحد البيوت باحثة عن بقرة شاردة, وأحيانا أخرى عن منزل لشخص ما كان يسكن في تلك المنطقة وهكذا, وفي كل مرة تعطي لعيونها الراصدة حرية الحركة وتسجيل الوضع الاقتصادي للأسرة التي زارتها بالاضافة إلى شكل الفتاة ومواصفاتها. وتعكف الخاطبة على اختيار أوقات بعينها للزيارة, وغالبا ما تكون في وقت مبكر من الصباح, حتى تستطيع اكتشاف الأسرار الغائبة للجمال, ففي الصباح الباكر تظهر المرأة على طبيعتها, فالجميلة تظل هكذا دون تهيئة أو اضافة مساحيق تجميلية, ومن هنا تتكرر دائما مقولة شعبية تشير إلى هذا الجانب هي (الزين زين لو صحا من النوم, والشين شين لو غسّل عيونه) . واليوم بعد أن دخل الكمبيوتر مقتحما هذا المجال كيف سيتعامل مع الأسرار الخفية للجمال والذوق والفن والأخلاق, وكيف سيتعرف على المكامن الخافية على الكثيرين في هذه الصناعة التي تعتمد قواعد ومقاييس معينة؟ سنحاول أن نتجه شرقا وغربا لنلتقط بعض الحكايات التي أفرزها دخول الكمبيوتر كطرف في هذه اللعبة, فالحب على الطريقة الالكترونية هو أحدث صيحة ناجمة عن التطور المذهل في عالم الاتصالات في اليابان, وعلى ما يبدو ان دور الخاطبة التقليدية قد اندثر أو كاد ليفتح المجال واسعا أمام الخاطبة الآلية التي تتولى التوفيق بين راغبي الزواج. الفكرة أتاحتها شركة تدعى كيوسورو وهي أن يتصل المشترك رجلا كان أم امرأة عبر هاتف فيديو نقال خاص تبيعه الشركة لهم ببنك معلومات يقرأ فيه فتى أو فتاة الأحلام قبل أن يرى صورة الشخص, ثم يحصل المشترك على كل التفاصيل المهمة عن اللقاء الأول على شاشة التليفون, وبعد التحاور مع الشخص المطلوب يمكن للمشترك آنذاك أن يرفض الاستمرار في الاتصال أو المواصلة, وإذا سار كل شيء على ما يرام يلتقي الشخصان وجهاً لوجه. ومثل هذه الفكرة ليست مسبوقة فدول كثيرة دخلت في خضم تجربة الخاطبة الآلية, بعد أن شهدت ارتفاعا ملحوظا في سن الزواج نتيجة تحولات اقتصادية واجتماعية, وقد أفرز هذا الوضع الجديد أنواعا من السلوكيات لم تكن موجودة من قبل, ومن ثم خرجت أصوات خاصة في الدول العربية تنادي بضرورة التوصل إلى حلول لانقاذ الشباب والفتيات عن طريق الزواج, وفي مصر مثلا أصبح الكمبيوتر (يوفق الرؤوس في الحلال) وتظهر العروس على الشاشة لتكون فتاة أحلام الشاب الراغب في الزواج. وقد وجدت تلك الطريقة اقبالا متناميا من الراغبين في الزواج, خاصة وان العملية تتم عن طريق جمعية الرباط المقدس. وفي الوقت الذي يعتقد فيه الكثيرون ان الكمبيوتر أصبح نعمة نستطيع التعامل معه كصديق كتوم للأسرار أخذ الأمريكيون التعامل معه بحذر بعد أن أدى التوسع الكبير في استخدام شبكة الانترنت في الولايات المتحدة إلى تزويد المحامين بأسلحة جديدة غير تقليدية يشهرونها بقاعات المحاكم في القضايا المتعلقة بحقوق حضانة الأبناء وقضايا الطلاق المتنوعة حيث شاع في الآونة الأخيرة وبشكل متزايد استخدام مستنسخات البريد الالكتروني كأدلة لاقناع القضاة بثبوت وقائع الخيانة الزوجية أو بعدم أهلية أحد الزوجين لرعاية الأبناء. وبينما يعكف البعض على البحث عن شريك حياته بواسطة الخاطبة الآلية أو بالطريقة التقليدية يحاول الأمريكي ميتش مادوكس البالغ من العمر ستة وعشرين عاما أن يتخلص من كائن اسمه المرأة ويبرهن على انه قادر على العيش بعيدا عنها وتدبير كل شئون حياته في محاولة منه للبرهنة على ان العالم أصبح الآن يعمل بالانترنت, وسوف يستعين بالانترنت فيما يتعلق بغذائه ولباسه وكل احتياجاته المنزلية. في الختام أهمس في أذنك عزيزي القارئ .. العيون تراقبك والخاطبة الآلية في انتظارك فاحذر أن تنبث شفاهك بكلمة تحسب عليك.