يتذكر هيكل صورته صغيراً فيقول: (اجلس في مندرة بيت جدي لأمي في حي الحسين بين الاشقاء والشقيقات وأطفال العائلة نتلقى دروس تحفيظ القرآن من الشيخ قاسم, وكان الشيخ موظفاً مستديماً لدى جدي, وكان من يحفظ جزءاً كاملاً من القرآن يجازى من الجد جزاء حسنا, فإذا ما ختم المصحف فنصيبه جنيه ذهبي, كان يحضر معنا احياناً دروس القرآن بعض أطفال بيوت جيراننا ومنهم بيت الرافعي وبيت الرزاز) . (1) وبتقدم العمر ترك جد هيكل لأمه ادارة تجارته لابنه سلام وراح يتردد اكثر على مقصورة (سيدنا الحسين) وكان يصحب معه احد اطفال العائلة, وكثيراً ما كانت هذه الزيارة من نصيب هيكل, وهناك كان الصبي الصغير يجلس بالقرب من الجد بين مشاهير قراء القرآن, مثل الشيخ طه الفشني والشيخ محمد رفعت والشيخ علي محمود والشيخ علي حزين والشيخ عبدالفتاح الشعشاعي. ان البيئة الجغرافية والعائلية التي سجلت في ذاكرة هيكل القوية مثل هذه المشاهد جعلته يدرك مبكراً أهمية وخطورة الدين في حياة المصريين, وانه عنصر اساسي من المكونات الحضارية للمصريين, لكنه ليس العنصر الوحيد. دين ودنيا لقد سئل هيكل بطريقة اخرى: (كيف تنظر الى الله من خلال الاكتشافات العلمية الكثيرة؟) . وكانت اجابته: (اعتبر الله في قلبي وفي عقلي, وكثيراً ما تكلمت عن الفكرة المادية والانسانية والعقلانية وان الافكار الثلاث تترابط مع بعضها لان الانسان لديه احتياجات مادية ولكن لديه عقلانية الحياة تفقد كل قيمتها اذا تكلم المرء فقط عن المادة, ولا يعود هناك معنى للحياة, ضرورة الحياة ان يبقى عندك البعد العقلي والبعد الانساني والبعد الايماني لأن الانسان في النهاية كائن واحد) . على ان تصور هيكل للدين هو تصور في حاجة لأن نعرفه, وقد قال لي في حوار ذات مرة: (اذا كان هدف المجتمعات هو الاستقرار والترقي والتقدم فإن الدين كفل هذا مباشرة في عصور معينة, لكن جاءت عصور اخرى في الاجتهاد الانساني اضافت الى تعاليم الدين الكثير من الثراء. ان ذلك لم يحدث عندنا فقط وانما حدث في الدنيا كلها, ونحن شأن غيرنا سرنا في هذا التطور. الدين موجود ركيزة, لكن التجربة الانسانية اضافت وبنت حوله الكثير) .(2) ويعبر هيكل لي عن اندهاشه من اثارة قضية الأصالة والمعاصرة ويقول: (ليس هناك شيء اسمه اصالة ولا آخر اسمه المعاصرة. انا انسان, اذن انا حي, ومن ثم فالموروث فاعل والمكتسب ايضاً فاعل, وكلاهما يتسق في داخلي) .(3) ويؤمن هيكل, كما قال لي, بأن الدين فيه سياسة حتى في غير المجتمعات الاسلامية. ويدلل على ذلك بأن رئيس الدولة في انجلترا هو في الوقت نفسه رأس الكنيسة, لكن (اذا قلت انك تريد ان تفصل الدين عن السياسة فيجب ان يتقبل المجتمع ذلك, وفي هذه الحالة يكون الدين قضية متعلقة بالتاريخ ووعاء ثقافيا. اما اذا لم يتقبل المجتمع هذا الفصل فلا بد ان تدرك ان الدين سياسة, وانه فاعل سياسي بالدرجة الاولى) . (المشكلة انك لا تستطيع ان تكون انتقائياً, اذا اردت ان تسير في طريق فعليك ان تقطعه حتى النهاية, ولا تستطيع ان تقول انك هنا علماني, وهنا اسلامي, المجتمعات لا بد ان تتسق مع نفسها. انت اخترت. انا لا اناقش اختيارك, ولكن امض في اختيارك حتى النهاية, لا ترجع من منتصف الطريق, ومن ثم لا يجوز تضييع الوقت في بلادنا بأن الدين سياسة ام لا؟ فهو سياسة, وقد حدث ذلك باختيارنا, وبكل مواثيقنا التي عملناها, فدستور 1923 دمج في مادة متأخرة اللغة العربية بالاسلام, وهو النص الذي اعتمده جمال عبدالناصر في دستور 1956. لكن بعد صفقة السادات مع الاخوان المسلمين جاء دستور 1971 لينص في مادة متقدمة منه على الشريعة الاسلامية) .(4) ولا ينسى هيكل ان الدولة المصرية في العهود كافة كانت تمارس الدين في السياسة, فقد انحاز القصر الملكي في عهد فاروق للاخوان المسلمين لمواجهة أغلبية الوفد, ودعاوى الرجوع للقرارات الاشتراكية في عهد عبدالناصر كانت بفتاوى شرعية وكذلك كانت دعاوى الرجوع عنها في عهد السادات, وقد وجد النظام السياسي في مرحلة ما من شيوخ الازهر من يفتي باعداد ما نستطيع من قوة لمحاربة اسرائيل.. ثم وجد النظام السياسي في مرحلة اخرى من شيوخ الازهر من يفتي بالجنوح الى السلم. مع الشيخ البنا يعتبر هيكل ان حسن البنا ـ مؤسس جماعة الاخوان ـ هو رجل اقترب بالاجتهاد الديني من الفعل العام (في ظل ملابسات سياسية محلية واقليمية لم يكن معزولاً عنها) . ويكشف لي هيكل انه قابل حسن البنا في مكتبه في (اخبار اليوم) في عام 1946. كان في مكتبه ينتظر عبدالرحمن عمار وكيل وزارة الداخلية كي يعطيه احد منشورات جماعة الاخوان وقد عرض البنا على هيكل سكرتارية تحرير جريدة (الاخوان المسلمون) ولكن هيكل اعتذر, وكانوا قد عهدوا بالجريدة الى عبدالحليم الغمراوي المحرر بـ (الاهرام) , و(لسبب او لآخر قال الغمراوي للبنا: اننا في حاجة الى شبان صحافيين للجريدة, وكان يبدو وقتها انني يمكن ان اكون صحافياً واعداً, فرشحوني, وذهبت الى البنا في مقره العام في حي الحلمية بعد ان اخذت موعداً بعد صلاة الجمعة, ودخلت المسجد في وقت كان البنا فيه يخطب خطبته الشهيرة التي وصف فيها الاخوان برهبان الليل وفرسان النهار. وبعد ان انهى البنا خطبته فتحنا موضوع الجريدة, واتذكر انني سألته سؤالاً مهنياً عن قارئ الجريدة.. من يكون؟ وكيف نصل اليه؟ فقال: (اذا كنت تسأل عن التوزيع فلا تقلق من هذه الناحية) انا كنت اتساءل عن محتوى الجريدة ونوعية قارئها, وهو سؤال سهل وصعب في الوقت نفسه.. لكنه قال: ان مصر بها 4 آلاف قرية, كل قرية منها فيها مكتب دعوة يضم 12 فرداً .. ولو اشترى الجريدة هؤلاء فقط لكان التوزيع 48 ألف نسخة قبل النزول الى باعة الصحف, كنت اتكلم عن صحيفة وكان هو يتحدث عن نشرة, لذلك قلت له ان هذا غير ممكن. واضفت: انني اخشى ان اقول ان في دعاوى الدين والوطنية والدعاوى الكبرى لا بد ان نفرق بينها وبين سلعة تباع وتشترى, لأن القارئ عندما يدفع قرشاً في صحيفة فهو يختار ما يرضي مزاجه, فلا تقيده بما تتحدث عنه, ابعد عنه موضوعات الدعوة والوطنية, دعه يختار السلعة التي يعتقد انها أنفع له, ولا تضيع وقتك معه, وكان متوقعاً ان نختلف, وهو ما حدث, ثم بعد ذلك سافرت حتى لا يتكرر العرض) .(5). ولا يقبل هيكل بفكرة (الحكومة الاسلامية) وان كان لا يمانع في وجود (حزب اسلامي يعمل في العلن كحزب سياسي وفق شروط الاحزاب السياسية وعلى الرغم من حماسه للثورة الاسلامية في ايران فقد قال للخميني قبل ان يغادر منفاه في باريس عائداً الى طهران: (انك بالدين قد تستطيع بمدافع الدين ان تدمر النظام القديم, لكن لكي تحقق النصر لا بد ان يكون لك مشاتك, المشاة التي تحتل مواقع عدوك, وبدون ذلك لن تستطيع ان تبني الدولة, ومشاة الدولة هم الكوادر السياسية والادارية, الفنيون والمهنيون والاخصائيون) . وفي السجن وجد هيكل في زنزاته شباباً من التيار الديني ممن شملتهم اعتقالات سبتمبر ,1981 ومنهم شاب اسمه (أكمل) . (لقيته قافل) .. على حد تعبير هيكل, سألوه عن دوره في الحياة, قال باعبد ربنا, طيب يا بني بتعبد ربنا ازاي؟ قال بالصلاة؟ طيب يا بني ما تقدر تعبد ربنا بالصلاة والعمل والاتصال مع المجتمع. بدأ يقول (وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون) . قال له هيكل: (طيب يا رجل.. انا باعتقد ان ربنا خلق الانسان في الارض ليعمل مهمة اكبر من كده, ليعمر الارض, ليطور الحياة, لأن في الانسان جزءاً من نور الله, لكنه لم يفهم, ثم دخل المحامي الوفدي ابراهيم طلعت مناقشة سياسية معه, لكنه تركهم ونام, وحاول هيكل ان يشده الى الحديث, فكان ان قال: (هذه امور الدنيا لا أناقشها) . والغريب ان كان طالباً في كلية الهندسة. رفاق الصبا والشباب وفي مدرسة خليل آغا التي انتقل اليها من الدراسة الازهرية عرف هيكل رفيق دراسة التقيا واختلفا فيما بعد وعملا معا لبعض الوقت في مجلة (روز اليوسف) هو احسان عبدالقدوس.. ويقول هيكل: (أقول عرفته بمعنى رأيته, فحين وقعت عيناي عليه لأول مرة كنت تلميذاً في السنة الاولى وكان هو في السنة الرابعة, وكانت اعداد التلاميذ في مدارس ذلك الزمان صغيرة, وكان طابور الصباح في فناء المدرسة المربع ملتقى لتجمع كل الفصول, وكان ترتيب الوقوف في طابور الصباح يضع تلاميذ الصف الداخل الى المدرسة حديثاً بقرب الصف الذي يوشك على تركها, فأحدهما بداية والآخر نهاية, ومع أضلاع المربع المصطفة فإن طرفي البداية والنهاية كانا على نقطة تماس وكان طابور الصباح يحتوى على مراسم طويلة: اناشيد وتمارين وتفتيش على مكواة المرايل السوداء فوق ملابس المدرسة, وعلى ترتيب الكتب والكراريس في الحقائب, وعلى درجة لمعان الأحذية, وعلى نظافة الاظافر وبالطبع, فإن هذا الطابور الذي اعتدنا امتداده الى قرابة نصف ساعة كل يوم كان يتيح لكل تلميذ ان يلف بالبصر على بقية الصفوف وان يعرف من فيها او يعرف عنهم (وهكذا عرف احسان عبدالقدوس او عرف عنه, خاصة وان احسان عبدالقدوس كان طالباً معروفاً بسبب شهرة والدته ممثلة المسرح والصحافية فيما بعد السيدة فاطمة اليوسف ووالده الفنان الذي كان يشتغل في التمثيل حتى اعتزل) . لكن فيما بعد لم تكن العلاقة بين هيكل واحسان على ما يرام في أغلب الاحيان, ولكن فيما بعض ايضاً اتيح لي ان ادخل مكتب احسان عبدالقدوس في شقته على النيل في الزمالك وان اقلب في مكتبته وكان في المكتبة بعض كتب مهداة من هيكل اليه والى زوجته السيدة (لولا) في الطبعة الاولى من كتاب (ملفات السويس) كتب هيكل: (عزيزي احسان.. الا ترى ان بعض الحياة قصص وبعض القصص حياة مع كل الود.. هيكل ـ 1986) . وفي الطبعة الاولى من كتاب (سنوات الغليان) كتب هيكل: (الى صديق الصبا والشباب وما بعدهما احسان عبدالقدوس.. مع كل الود والمحبة.. هيكل ـ 1988) وفي كتاب (اكتوبر السلاح والسياسة) كان الاهداء هذه المرة الى (الصديقة الكريمة السيدة لولا عبدالقدوس.. مع كل مودة وتقدير واحترام .. هيكل ـ 39_×) . ويتذكر هيكل من رفاق المدرسة حسن الابراشي نجل زكي الابراشي رئيس الخاصة الملكية, وجمال غزلان نجل مصطفى غزلان خطاط القصر وكاتب حروف التاج المصري. كان التعليم في ذلك الوقت عملة نادرة, فالغالبية العظمى من المصريين كانت هناك في الريف, حيث كان الفلاحون يجدون بالكاد قوت يومهم, وفي القاهرة كان النظام السياسي الملكي قد ورث في قرارة نفسه الايمان بأن قيادة الامة الجاهلة اسهل, كما ان هدف التعليم كما حدده اللورد كرومر كان لتخريج الموظفين لا المبدعين والمفكرين والمتأملين, والى ان دخل هيكل المدرسة في بداية الثلاثينات لم يكن الدكتور طه حسين قد اطلق شعاره: ان التعليم يجب ان يكون مثل الماء والهواء) ومثل اي عملة نادرة كان الاهتمام بمستوى التعليم ـ المحدود الانتشار ـ كبيراً, حتى ان الحصول على الشهادة الابتدائية كان يعتبر مؤهلاً للتوظيف في دواوين الحكومة او غيرها. كان من الطبيعي في ظل بلد تحتله بريطانيا ان تكون اللغة الانجليزية اجبارية منذ اليوم الاول في المدرسة الابتدائية, لكن في المقابل كان للغة العربية معلمين هم في الحقيقة شعراء.. مثل مدرس الشاعر علي الجندي الذي كان معلم هيكل في المدرسة وقد اغراه بأن يحفظ مئات الأبيات من الشعر.. كما اغراه تعلم القراءة ان يقرأ كل ما كان يسمعه من حكايات.. وهكذا تكونت الذاكرة الادبية وقويت.. ولا جدال ان هيكل يتمتع بذاكرة قوية لم تضعف مع مرور السنين وهي ذاكرة تحتفظ بالأسماء والنصوص والأرقام. لكن.. ما كان ملفتاً في مناهج التعليم في مدرسة خليل آغا الابتدائية في ذلك الوقت تدريس الجنس على اسس علمية. عم حامد في طفولة هيكل شخصية بسيطة ومهمة اثرت في خياله, هو عم حامد, كان حارس البيت, وكثيراً ما كان يعود به من المدرسة الى البيت حماية له من شرور الطريق كان عم حامد واحداً من الجنود المصريين الذين حاربوا مع الجيش المصري في (القرم) بأمر من الخديوي اسماعيل, وكان معجباً بالشخصية البارزة في التاريخ العسكري المصري محمود سامي البارودي الذي كان شاعراً شهيراً ايضاً حتى انه وصف برب السيف والقلم وكان البارودي قد وصف الفرقة المصرية التي حاربت في القرم بأبيات من الشعر كان عم حامد يحفظها ويرددها على مسامع هيكل الذي كان جاهزاً للالتقاط, منها بيت شعر يقول: (تركوا السلاح الى الصباح.. وبقوا يتسامرون بألسن النيران) ان هذا الرجل الذي يقول هيكل عنه (ان له ديناً كبيراً عندي) اثار في خياله اشياء كثيرة بما كان يرويه من ذكريات في شبه جزيرة القرم, ولعله هو الذي كان اول من حدثه عن الحرب بما فيها من صدام ارادات لجأت للقوة المسلحة بعد ان عجزت عن حل مشاكلها بالتفاهم, وبما فيها من مشكلاتها جوانب انسانية خفية لا يلتفت اليها الذين يديرونها عادة. لقد فجر عم حامد خيال هيكل عن الحرب, واغلب الظن ان هذا الانسان المصري البسيط ساهم من دون ان يقصد في مستقبل هيكل الصحافي فيما بعد, عندما وجد هيكل نفسه متحمساً وهو في بداياته الصحافية لتغطية أخبار الحرب الدائرة في الصحراء الغربية, عن العلمين, (شاهدا مصرياً على الحرب العظمى الثانية) وكما قال فإنه أحس بخيال الشاب وقتها (ان الظروف اتاحت لي ان المس بأطراف اصابعي مأساة الإنسان والإنسانية وعند الذرى العالية لهذه المأساة) . (6) ويستطرد: (ان الجريمة بدت لي وكأنها ذروة المأساة الانسانية على مستوى الفرد, فعندما يعجز شخص عن حل تناقضاته مع الآخرين بالعقل يلجأ للعنف, وفي تجربتي الجديدة بدت الحرب وكأنها ذروة المأساة الانسانية على مستوى الشعوب والأمم, فعندما يعجز مجتمع عن معالجة صراعاته بالعقل مع مجتمعات اخرى غيره يكون التجاؤه الى القوة) . (7). ويعترف هيكل بأن (تجربة العمل كمراسل حربي قد استهوتني) ويستطرد: (وهكذا وجدتني باحثا عن المتاعب في كل مكان اغطي الحوادث الساخنة في الشرق الاوسط وحوله, من الحرب الأهلية في اليونان وقد شملت كل البلقان الى حرب فلسطين من أولها الى آخرها الى سلسلة الانقلابات العسكرية في سوريا الى عمليات الاغتيال الكبرى في المنطقة من اغتيال الملك عبدالله في القدس الى اغتيال رياض الصلح في عمان الى قتل حسني الزعيم في دمشق ثم الى ثورة مصدق في ايران ثم اتسعت المسافات فإذا انا اغطي المشكلات الملتهبة في قلب افريقيا ثم حرب كوريا وحرب الهند الصينية الاولى) . (8) وكان ما كتبه من رسائل عن هذه الحروب شهادة ميلاد مبكرة بالدم لصحافي موهوب وجد مكاناً مميزاً له في بلاط صاحبة الجلالة بسرعة يحسد عليها, وقد فعل ذلك في وقت لم تكن فيه الصحافة المصرية ـ (ما عدا أخبار اليوم) ـ على استعداد للمجازفة بمثل هذه الفرصة لأحد محرريها, وأتصور ان صورة عم حامد لم تفارقه في كل مرة كان يعيش فيها تجربة الحرب بين الرجال والسلاح. لقد دفعته الصور المبكرة للخطر التي صاغها في مخيلته عم حامد للتجوال خمس سنوات في بداية حياته الصحافية, وهو ما ادى الى حصوله على جائزة فاروق الاول للصحافة ثلاث مرات, قرر بعدها ألا يتقدم للجائزة ويتركها لغيره, وعندما عاد الى القاهرة ليستقر فيها اكتشف انه لفت الانظار بما كان يكتب, لكن الأهم انه كما يقول: (اصبحت على معرفة وثيقة بأحوال شعوب المنطقة ومعرفة شخصية بكل ساستها وحكامها وعلى صلة بجيلي من الصحافيين في العالم الواسع فقد جمعتنا معا ميادين القتال ومواقع الاحداث على طول المسافة الممتدة من شواطئ المحيط الهادئ الى شواطئ الاطلنطي واهم من ذلك كله ان ابواب السياسة المصرية تفتحت امامي على مصراعيها, وكان ساسة مصر وقتها قد تعودوا على مجموعات من الصحافيين يقفون على ابواب دور الرئاسات والوزارات يسألون الداخلين والخارجين عن الأخبار وكان من حسن حظي انني لم اقف على باب احد ولم أسأل احداً في شيء اثناء مروره في ردهة او نزوله على سلم خروج ولقد سبب لي ذلك حساسيات مع البعض ومع الأسف لم استطع اقناعهم ان الحياة مع الخطر هي التي فتحت لي الأبواب واعفتني من الوقوف على الأعتاب) . (9) ويتذكر هيكل على سبيل المثال: (اني حين عدت من فلسطين لأول مرة بعد أن كتبت سلسلة تحقيقات بعنوان (النار فوق الأرض المقدسة) تلقيت دعوة من رئيس الوزراء في ذلك الوقت محمود فهمي النقراشي (باشا) يطلبني الى مكتبه ليسألني عما رأيت ويدقق في السؤال ولم تكن مصر قد قررت دخول الحرب) .(10) لم يذكر هيكل ما قاله له النقراشي باشا لكن لابيير دومنييك ولاري كولين وهما اللذان ألفا كتاب (ايتها القدس) يشرحان ما جرى, ففي الكتاب الذي صدر في عام 1971 في باريس عن دار نشر روبير لافونت اشارة واضحة لدور هيكل ـ الذي كان في بدايته الصحافية ـ في النقاش السياسي والفكري الذي دار حول الوضع في فلسطين في تلك الفترة ودللا بذلك (على واقعيته وبراجماتيته في الوصف والتحليل) وفي صفحة 314 يقول المؤلفان: (هذه المرة استطاع رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي) ان يمضي على طريق الحرب من دون افكار مسبقة فقد امر بأن تتصدر قضية فلسطين الصفحات الاولى في جميع الصحف لتحريك الشعور ولايقاظ غريزة الحرب ثم انتشرت على جميع الجدران ملصقات تمثل خنجراً يقطر دما على جندي يحمل نجمة داوود لكن بعض الاصوات كانت تحاول منع رئيس الوزراء من هذا الاسلوب خاصة محمد (حسنين) هيكل فقد كان الصحافي الشاب عائداً لتوه من فلسطين وكانت تقاريره تصف اليهود بموضوعية من دون استهانة فطلبه النقراشي باشا وطلب منه ان يعدل من لهجة تقاريره التي تقوض معنويات الامة لكن فيما بعد, بعد الهزيمة العربية, في حرب فلسطين لم يتذكر احد ان لهجة هيكل كانت اللهجة الوحيدة العاقلة. وليس من الصعب بعد ذلك ان نعرف لماذا يقول هيكل ان لعم حامد ديناً كبيراً في رقبته. على ان خيال عم حامد تجاوز حدود القتال والرصاص والشعر الى ما هو اكثر خصوبة, لقد كان مقتنعاً بأن الثعبان عندما يعمر ألف سنة, ويموت, فإن عينيه تتحولان الى نوع نادر من الاحجار الكريمة, ياقوت او ماس او شيء من هذا القبيل, وكان ان اقنع هيكل وهما عائدان من المدرسة الى البيت بأن يعرجا الى جبل المقطم ليفتشا عن عيون الثعابين الثمينة التي يمتد عمرها الى ألف سنة, ولم تكن المخاطر في ان يصادفا ثعابين عمرها شهور وسنين ولديها رغبة غريزية في الايذاء فقط وانما في ان هذه المغامرة كانت تفرض عليهما التأخر في العودة الى البيت بكل ما يؤدي اليه هذا التأخير من عقاب وأذية من نوع آخر. لقاء له حكاية في حياة هيكل قبل الزواج قصص مجهولة يرفض البوح بأسرارها, بل يرفض ان يقترب احد منها, والسبب انه يعتقد ان التاريخ العاطفي للانسان ملك صاحبه بمفرده, كما ان هذا التاريخ يمس اطرافاً اخرى اصبحت في مواقف اجتماعية مختلفة لا يجوز هزها, واكثر من ذلك تعتبر التفاصيل العاطفية ثغرات تنفذ منها سهام الخصوم اذا لم تكن هناك ثغرات اخرى. وقد نجحت تحرياتي في ان اعرف ان هيكل وجد نفسه طرفاً في قصص خاصة قبل الزواج عرفت تفاصيلها الأوساط الصحافية, فبعض البطلات ينتمين بصورة أو بأخرى للصحافة,و وقد تزوجت احداهن من صحافي كبير عندما لم تستطع الوصول بهيكل الى عش الزوجية, وكان هذا الصحافي في ذلك الوقت في بداية الخمسينيات لا يقل شهرة عن هيكل اذا لم يكن يفوقه وقتها, وكانت هناك قصة ثانية بطلتها اسمها (ايريس) لا علاقة لها بالصحافة, وكانت ابنة طبيب متوسطة الشهرة. وفيما بعد حاول خصوم هيكل التفتيش في حياته الخاصة لاستخدامها في الوقيعة بينه وبين عبدالناصر. على ان المثير ان عبدالناصر نفسه كان بطلاً لروايات شخصية وعاطفية رددها خصومه لم تكن لها ظلال من الحقيقة, منها قصة نشرها مصطفى امين وسمعتها نقلاً عنه من سعيد الطيب الذي كان مسئولاً عن شركة تهامة السعودية, والقصة تقول ان عبدالناصر كان في سيارته (الاوستن) السوداء وبجواره عبداللطيف البغدادي وهما في محطة بنزين عندما لمح عبدالناصر في سيارة اخرى سيدة وقع في هواها من اول نظرة, واختفت السيارة والسيدة التي تركت قلب عبدالناصر جريحاً, وبعد ان مرت سنوات اصبح فيها عبدالناصر على رأس السلطة في مصر وضعته الظروف امامها مرة اخرى في حفل عام, واكتشف ليلتها انها متزوجة من ضابط معروف, ولها منه ابن في مرحلة المراهقة, وشعر عبدالناصر بأن حبال الود يمكن ان تمد, فتبادل الزيارات العائلية معها هي واسرتها, وقد استغلت هي مشاعر عبدالناصر فيما بعد في ألا يرسل ابنها ـ الذي تطوع لمواجهة عدوان 1956 ـ لجبهة القتال, وحسب الرواية فإن الابن بقي في احد معسكرات التدريب في القاهرة وقتل برصاصة خرجت من بندقيته وهو يقوم بنظافتها وفيما بعد اتضح ان هذه القصة الخيالية تروجها سيدة قريبة من البغدادي, ووصلت الخرافة الى مصطفى امين الذي حاول قدر استطاعته ان يحولها الى حقيقة, لكنه فشل. وقد وجد هيكل نفسه هو ايضاً بطلاً لوشاية شخصية اوصلها زكريا محيي الدين الى عبدالناصر, لكن هيكل كان قادراً في لحظة المواجهة ان يثبت ان ما جاءت به التقارير السرية هو خطأ وتلفيق. ويبدو ان الفشل في استخدام الحياة الخاصة للايقاع بهيكل نقل محاولات الايقاع به الى المستوى الوطني والسياسي, لقد فاجأ زكريا محيي الدين هيكل في حضور عبدالناصر والدكتور محمود فوزي (الذي تولى وزارة الخارجية في ايام عبدالناصر وتولى رئاسة الحكومة في ايام السادات) بسؤال كان يتضمن تهمة الخيانة (ألم تقابل بن جوريون يا أستاذ هيكل؟.. أليست هذه خيانة وطنية؟) . ورد هيكل بسرعته المعهودة: (الذي عرفني عليه هو الدكتور محمود فوزي وزير الخارجية حينما كان قنصلاً لمصر في القدس وهو جالس معنا الآن) وقد كان ذلك في وقت مبكر قبل اعلان دولة اسرائيل, في زيارة اولى قام بها هيكل لفلسطين. ولم يكن هيكل هو الصحافي المصري الوحيد الذي قابل بن جوريون ـ اول رئيس وزراء لاسرائيل فيما بعد ـ في ذلك الوقت, بل قابله ايضاً احسان عبدالقدوس في اول رحلة قام بها الى القدس في عام 1945. وجرى اللقاء ـ تحت شعار معرفة كيف يفكر العدو ـ في مبنى الوكالة اليهودية في القدس, واجرى احسان عبدالقدوس معه حواراً هو وموشي شرتوك او موشي شاريت كما عرف فيما بعد وكان وزيراً للخارجية ورئيساً للحكومة ايضاً ـ ونشر احسان عبدالقدوس ما حصل عليه من احاديث في (روز اليوسف) فور عودته للقاهرة. الـهـوامـش: (1) سناء البيسي: المصدر السابق. (2) عادل حمودة: (لعبة السلطة في مصر) ـ مصدر سابق ـ ص 78. (3) المصدر السابق: ص78. (4) المصدر السابق: ص71. (5) المصدر السابق: ص74. (6) هيكل: (بين الصحافة والسياسة) ـ مصدر سابق ص27. (7) المصدر السابق: ص41. (8) المصدر السابق: ص41. (9) المصدر السابق: ص42. (10) المصدر السابق: ص41.