ما الذي يجمع بين زعيم طائفة اسلامية تنحصر اوراق اعتماده لتسنم الزعامة في انه سليل الدوحة النبوية وقائد منظمة مسلحة يتلقى سلاحه وذخيرته من هيئات كنسية لاستهداف الاسلام والمسلمين, وزعيم حزب ماركسي فقد بوصلته الايديولوجية فاختلطت في ذهنه اعتبارات الاستراتجية القائمة على محاربة الامبريالية العالمية مع اعتبارات التكتيك التي تدعو لممالأة (النظام العالمي الجديد) وخدمة اهدافه؟ لا ادري ان كان هذا السؤال قد ورد على خاطر محمد عثمان الميرغني زعيم طائفة (الختمية) الدينية في السودان والذي ينتمي الى اسرة تعتبر نفسها امتدادا لبيت الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم او على خاطر زعيم الحزب الشيوعي السوداني التجاني الطيب. لكنه قطعا وارد, وعلى الدوام, على ذهن قائد حركة التمرد الجنوبية المسلحة جون قرنق. فهو الوحيد بين الثلاثة الذي يدرك ماذا يفعل لأنه صاحب الدور القيادي المرسوم بواسطة قوة عظمى وتوابعها من مؤسسات مسيحية غربية وحكومات اقليمية للتجمع السوداني الذي يمارس المعارضة من خارج الساحة السودانية. لقد اختتم (التجمع) الاسبوع الماضي اجتماعا (تاريخيا) في مدينة مصوع الاريترية وخرج ببيان تميز بنغمتين: الاولى ان (التجمع) هو ممثل الشعب السوداني قاطبة بصورة شاملة وكاملة.. والثانية انه يدعو لاستعادة الديمقراطية في السودان. هاتان النقطتان كانتا مرتكزا للمحور الاساسي للبيان وهو تبنى مبدأ (الحل السياسي السلمي) للمشكلة السودانية. وسواء على مستوى المحور الاساسي او على مستوى النقطتين الفرعيتين فإن وضع (التجمع) وتركيبته الغريبة ومسلكه الفعل.. كلها مدعاة للتساؤل الاسترابي. على هذه المستويات الثلاثة يدعو قادة التجمع الى خلق (سودان جديد) وما يقال ابتداء وعلى الفور ان هذه العبارة في افضل احوالها غامضة ما بين رؤية عنصرية لزعيم جنوبي يحلم بسيطرة عرقية لمجموع الاقليات غير العربية في السودان على الاغلبية العربية مع استبعاد نهائي للاسلام كأسلوب حياة ورؤية تنظيرية مفترضة لحزب شيوعي يعتمد التقسيم الطبقي الاقتصادي والاجتماعي كمعادلة مناقضة, بل ومعادية, للتصنيف العرقي العنصري. وما بين الرؤيتين يفترض ان تكون رؤية محمد عثمان الميرغني كزعيم ديني غيور على الاسلام معارضة للاثنتين رأسيا. ولنفترض جدلا ان الزعيمين الشماليين المسلمين العربيين تنازلا عن رؤية كل منهما لصالح رؤية قرنق.. فما معنى الحرب التي تشنها وتصر على استمرارها قوات (الحركة الشعبية لتحرير السودان) هل يتطلب تحقيق معادلة (السودان الجديد) فرضها بقوة الحديد والنار على اغلبية اهل السودان العرب المسلمين؟ ام انها يجب ان تكون عملية تطور اجتماعي سلمي طويلة النفس لمدى عقود الى ان تكتمل او لا تكتمل عن طريق الاقتناع الجماعي؟ هذا يقودنا الى نقطة (الحل السياسي السلمي) الواردة في بيان (التجمع) اولا ليس لدى كل من محمد عثمان الميرغني والتجاني الطيب قوة عسكرية يعتد بها ان كان لهما قوة اصلا ولذا فإن حديثهما عن الحل السلمي او الحل العسكري ليس له الا اهمية اكاديمية تجريدية. وواقع الحال ان قرنق باصراره على استمرار العمل العسكري انما ينفذ دورا مرسوما له في واشنطن لاغراض تتعلق بالاستراتيجية الامريكية العريضة تجاه افريقيا والشرق الاوسط وما ينبغي ان يكون للسودان من دور في هاتين المنطقتين من المنظور الامريكي بغض النظر عن الانظمة الحاكمة المتعاقبة في الخرطوم. والدور داخل الدور لكل من الميرغني والتجاني الطيب هو دور (الكومبارس) في مسرحية قرنق الدموية. اما الحديث عن (الحل السلمي) فهو مجرد نفاق دعائي.