اثارت نهاية الحرب الباردة بين المعسكرين السابقين الرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة الامريكية والشيوعي بزعامة الاتحاد السوفييتي (1945 ـ 1991) جدلا فكريا وسياسيا بين قادة الفكر واساتذة العلوم السياسية والاجتماعية, والعلاقات الدولية ورجال الاعلام والسياسة في الولايات المتحدة الامريكية بصفة خاصة والعالم الغربي بصفة عامة. وقد بدأ النقاش والجدل المفكر الامريكي من اصل ياباني (فرانسيس فوكوياما) عندما كتب مقالا عن نهاية التاريخ تحول بعد ذلك الى كتاب خلاصته ان التاريخ الانساني قد انتهى بانتصار القيم الغربية ممثلة في الليبرالية السياسية (الديمقراطية) والاقتصادية (اقتصاد السوق) على القيم الشيوعية ممثلة في الديكتاتورية الشمولية والاقتصاد المركزي الموجه, وهذا يعني ان العلاقات الدولية في عالم ما بعد الحرب الباردة سوف تدور حول نشر القيم الغربية اي الديمقراطية والاقتصاد الحر واحترام حقوق الانسان والحريات الفردية والجماعية وغير ذلك من الشعارات الغربية.. لكن البروفيسور (صموئيل هنتنجتون) المحاضر في مادة علم الحكم في جامعة (إيتن) ومدير معهد (جون أولن) للدراسات الاستراتيجية بجامعة هارفرد الامريكية لا يوافق فوكوياما في اطروحاته حيث ذهب في مقال له نشرته دورية الشئون الخارجية في صيف 1993 تحت عنوان (صراع الحضارات) الى ان عالم ما بعد الحرب الباردة سوف يشهد صراعا ضاريا بين مختلف الحضارات التي تسود عالم اليوم. وفي هذا المقال سنناقش اطروحات هنتنجتون التي لقيت تأييدا واسعا لدى عدد كبير من المختصين بينما رفضها البعض الآخر. الصراع داخل الحضارة الغربية يرى هنتنجتون ان نهاية الصراع بين الليبرالية والشيوعية فتحت الباب امام الصراع الحضاري في العالم حيث ان هاتين الايديولوجيتين تنتميان الى الحضارة الغربية المسيحية وكليهما ظهر في اوروبا الغربية مركز الابداع الفكري والمادي الغربي رغم ان الروس هم اول من طبق نظرية كارل ماركس عكس تنبؤات هذا الاخير. ورغم انتماء الروس الى الجنس السلافي والديانة المسيحية الاورثوذكسية (الشرق المسيحي) الا انها جزء من العالم الغربي المسيحي, الشيء نفسه بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية التي قادت الغرب الليبرالي المسيحي في صراعه مع الشيوعية, فهي بنت اوروبا حيث ان اكثر من (82) بالمئة من سكانها ينتمون الى الاصول الاوروبية كما انها تضم اكبر تجمع بشري مسيحي في العالم حيث يدين اكثر من (90) بالمئة من مواطنيها بالمسيحية: البروتستانتية اولا ثم الكاثوليكية ثانيا واقليات مسيحية اخرى. لذلك فالصراع الايديولوجي بين شرق العالم المسيحي (الاتحاد السوفييتي السابق, وروسيا اساسه, والشعوب الدائرة في فلكه) وغربه (أي امريكا الشمالية واوروبا الغربية) هو صراع داخل حضارة واحدة ودين واحد, بل ان الحربين العالميتين الاولى والثانية ما هما الا صراعين اوروبيين حتى وان شارك فيهما جنود من مستعمرات الدول الاوروبية خاصة بريطانيا وفرنسا. ومن هنا يمكن القول ان الصراع الحضاري في المستقبل هو اعلان عن نهاية المركزية الغربية, رغم التوازن في اوروبا نفسها لم يحسم بعد حتى داخل الاتحاد الاوروبي, فمثلا اعلان الوحدة الألمانية كرس التفوق الاقتصادي الألماني في القارة القديمة واعاد الى الاذهان اهتمام ألمانيا بشرق اوروبا وهذا ما يخيف دول اوروبا الغربية. كما ان موقع روسيا في السياسة الاوروبية والعالمية لم يتحدد بعد نظرا لمشكلاتها الاقتصادية رغم انها تحتفظ بترسانة عسكرية نووية ضخمة وتملك ثروات طبيعية وبشرية ضخمة. وتشعر اوروبا ـ من الاطلسي الى الاورال ـ وامريكا الشمالية الآن بالاخطار والتحديات والرهانات المقبلة من آسيا وافريقيا وهي تتمثل في الخطر الاقتصادي والتكنولوجي الياباني والآسيوي والخطر الايديولوجي الاسلامي ـ الى جانب الخطر الديمغرافي الذي يمثله العالم الثالث بصفة عامة, وقد تجلت هذه الاخطار في النجاحات التي يحققها الاقتصاد الياباني على جميع الاصعدة وكذلك النمو الكبير للاقتصاد الصيني واقتصاديات دول شرق وجنوب شرق آسيا. وعلى صعيد آخر اصبحت الصحوة الاسلامية تأخذ شكلها وتتبلور محاورها يوما بعد يوم وهي تكتسب المزيد من الانصار مستغلة غياب البديل للأنظمة الشمولية.. فقد انتصر الاسلاميون في ايران الشيعية والسودان السني واصبحوا يلعبون دورا مهما في باكستان وهم يقاتلون بضراوة في آسيا الوسطى والملايو كما شملت الصحوة الاسلامية ـ غير المتطرفة ـ حتى الجاليات المسلمة المتواجدة في العالم الغربي نفسه. ومن جهة اخرى يعاني العالم الغربي من شيخوخة السكان بينما يشهد العالم الثالث نموا ديمغرافيا كبيرا ادى الى هجرة الكثير من سكان الجنوب الفقير الى الشمال الغني, وهذا بدوره يغذي حركات اليمين المتطرف المعادي للمهاجرين خاصة في اوروبا الغربية مثلما يحدث في فرنسا وألمانيا, وهذه الحركات الوطنية الغربية تستمد فلسفتها من القومية (العرق) والدين (المسيحية). وعندما نتكلم عن صعود الاصوليات المسيحية واليهودية يجب إلا ننسى الاصوليات الدينية غير السماوية مثل الهندوسية في الهند, والبوذية والكونفيشوسية في جنوب وشرق وجنوب شرق آسيا. وهكذا نرى ان الصراع في العالم انتقل من الحضارة الغربية الواحدة الى صراع بين الحضارات المختلفة وقد اتخذ الصراع السابق داخل الحضارة الغربية طابعا ايديولوجيا بين الانظمة الشيوعية والفاشية والنازية والديمقراطية بداية من مطلع القرن العشرين, والى غاية انتهاء الحرب الباردة. لماذا صراع الحضارات؟ ان الحضارة التي تشمل الدين والثقافة والعادات والتقاليد والتاريخ المشترك تشكل اقوى الهويات وهي بذلك تشكل قاعدة الاختلاف الجوهرية بين البشر في النظر الى الاشياء والحكم عليها, فمثلا تختلف الحضارات في النظر الى علاقة الانسان بالله, وعلاقة الانسان بالانسان, فما يراه اهل حضارة معينة بأنه اساس يراه الناس في حضارة اخرى بأنه هامش (هذا واضح عند مقارنة الاسلام بالمسيحية واليهودية). فالدين ـ حسب هنتنجتون ـ من اهم العوامل المحددة لمفهوم الحضارة على الاطلاق فهو يميز بين الافراد والشعوب بصورة نهائية اكثر من اي عامل آخر واكثر حتى من الانتماء العرقي, فممكن للانسان ان يكون نصف فرنسي ونصف عربي في انتمائه القومي (مثلما هو الحال عليه بالنسبة للجيل الثاني من مهاجري المغرب العربي بفرنسا), ولكنه لا يمكن بأي حال من الاحوال ان يكون نصف مسلم ونصف مسيحي في انتمائه الديني. العامل الديني والتكتلات الدولية بدأت بعض المناطق الجغرافية تتكتل لمواجهة تحديات عالم ما بعد الحرب الباردة الذي لا مكانة فيه للدول والتجمعات البشرية التي يقل عددها عن (100) مليون نسمة, وسيكون العامل الديني اساس الانتماء الى اي تكتل دولي, فمثلا رفض الاتحاد الاوروبي كل المحاولات التي قامت بها تركيا للانضمام اليها بسبب الاسلام الذي يدين به الشعب التركي رغم مجهودات تركيا لتكريس العلمانية وفصل الدين عن الدولة وذلك منذ عهد مصطفى كمال أتاتورك. ويعتبر العامل الديني ـ رغم التبريرات التجارية والاقتصادية ـ هو اساس الوحدة الاوروبية, لأن شعوب القارة القديمة المختلفة اللغات والاعراف تنتمي الى المسيحية كما ان هذه الاخيرة هي السائدة في امريكا الشمالية التي احتضنت ميلاد منظمة التجارة التي تربط بين الولايات المتحدة الامريكية وكندا والمكسيك وهي دول مسيحية. ويفترض ان الصين ستكون محور التكتل الآسيوي الذي سيضم الدول الصناعية الجديدة مثل تايوان وسنغافورة وهونج كونج بسبب الانسجام الثقافي والحضاري بين هذه الدول, في الوقت الذي تمثل فيه اليابان وحدة منسجمة وحضارة لها خصوصياتها المتميزة ـ لكن هنتجتون لم يشر الى مستقبل العلاقات الصينية اليابانية لانها ستحدد مستقبل منطقة الشرق الاقصى, الى جانب مستقبل علاقات البلدين بالغرب وبروسيا ـ ودور كوريا في حالة توحدها في المنطقة. فبعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية واقرارها دستورا سلميا, وتكفل الولايات المتحدة الامريكية بحمايتها عسكريا ظهر محور دولي امريكي سوفييتي صيني سيطر من خلال لعبة التوازن على توجهات السياسة الدولية في الشرق الاقصى, ومع زوال التهديد العسكري السوفييتي وتحول الولايات المتحدة الامريكية التدريجي الى الداخل وانكفاء الدور الروسي الدولي بدأ التساؤل يطرح بحدة كما اذا كان العملاقان الصيني والياباني سيتصارعان بمفردهما في الحلبة. واليابان عملاق اقتصادي ومالي وتكنولوجي اما الصيني فهو عملاق بشري وقوة عسكرية ونووية كبيرة كما انها تشهد نموا اقتصاديا مذهلا. وعلى العموم فإن منطقة الشرق الاقصى يسودها الغموض لكنها بالتأكيد ستمثل في المستقبل ثقلا اقتصاديا وتكنولوجيا مهما بإمكانها منافسة الغرب بل التفوق عليه. وتبدو الهند في جنوب آسيا قوة بشرية هائلة وهي تملك السلاح النووي لكنها متفرقة دينيا حيث توجد بها اقلية مسلمة واغلب الهندوس الذين يشكلون اغلبية السكان متعصبون يكرهون المسلمين, وقد تصاعدت الاصولية الهندوسية واصبحت تهدد النظام التعددي المطبق في الهند منذ حصولها على الاستقلال ويقابلها صعودا للاصولية الاسلامية في الباكستان وبنجلاديش وفي الهند نفسها في اوساط الاقلية المسلمة... والحضارة الوحيدة حاليا المنافسة للحضارة الغربية المسيحية هي الحضارة البوذية اليابانية المعجزة الاقتصادية التي احدثتها عقب الحرب العالمية الثانية مستفيدة من المساعدات الامريكية والابتعاد عن السباق نحو التسلح خلال الحرب الباردة وروح العمل والانضباط اللذين يميزان الشعب الياباني. لكن هذه للحضارة لا تهدد الغرب عسكريا لان اليابان عملاق اقتصادي لكنه قزم عسكريا. هناك حضارتان صاعدتان تقلقان الغرب وهما: الحضارة الصينية الكينفوشيوسية, فالصين بها اعلى معدل نمو اقتصادي في العالم كما انها تمتلك الاسلحة النووية وتقوم باستمرار بتطوير قدراتها العسكرية. وكذلك الحضارة الاسلامية حيث يتعاظم المد الاسلامي يوما بعد يوم مستفيدا من فشل بعض الدول في تحقيق التنمية.. كما ان الاسلام باعتباره منهجا شاملا للحياة ويملك مشروع مجتمع متكامل يمثل تحديا ايديولوجيا للغرب الذي يعاني من المشاكل الروحية والاخلاقية والاجتماعية, وهذا عكس للحضارات الاخرى غير الغربية التي تمتلك مجموعة من القيم الاخلاقية والروحية لكنها لا تمتلك ايديولوجيات شاملة للحياة لذلك فهي مضطرة لاستيراد النظم الغربية في الادارة والاقتصاد والسياسة لذلك فالاسلام هو الحضارة الوحيدة التي تمثل تحديا ايديولوجيا للغرب, لكن العالم الاسلامي متخلف اقتصاديا وعسكريا ومتشتت سياسيا. باحث جزائري