لم تكن فتاة (الجيشا) المشهورة بالطاعة والنعومة والجاذبية في انتظاري على بوابة الخروج في مطار (ناريتا) البعيد عن العاصمة اليابانية (طوكيو) بحوالي 75 كيلومترا.. كان في استقبالي فريق من الكلاب البوليسية المدربة على (شمشمة) المخدرات والمفرقعات وغيرها من الممنوعات والمهربات.. ورغم أن الكلاب كانت تمارس طقوس الأدب الياباني الشهير فيما عدا ضم الكفين والانحناء, فإن مجرد وجودها في صالة الوصول بعد رحلة مرهقة استمرت حوالي 20 ساعة كان أمرا مثيرا للرعب. وفور دخول غرفتي في فندق (كابوكيكان) الشهير في (طوكيو) حتى وجدت أجراس الإنذار تدق.. ولم أفهم كلمة واحدة من عبارات التحذير التي وصلتني عبر (السماعات) المزروعة في غرفتي.. وكان علي أن أنزل ستة طوابق على السلم لأعرف أنهم لحسن حظي يجربون إنذار الحريق. ولم تمر سوى أيام معدودة حتى وجدت نفسي أطير في الهواء أنا والأشجار ولافتات الاعلانات وكأن كل (عفاريت) الدنيا قد ركبت الهواء.. ومن بعيد ارتفعت أمواج البحر الى السماء.. وراحت تغرق كل ما هو قريب منها.. إنها أعاصير (التيفون) أبرز الملامح الخاصة للكوارث الطبيعية في اليابان.. والسبب المباشر الذي جعلني أطلق على اليابان (دولة يوم القيامة). أما الأسباب غير المباشرة فهي وصف (يوم القيامة) ولا تنفيه.. فالطبيعة في اليابان تتصرف بقسوة وغطرسة وعدوانية قاتلة.. ولا تكف عن إظهار العين الحمراء لهذه الدولة التي حققت أكبر معجزة اقتصادية من نوعها في الخمسين سنة الماضية.. زلازل تسحق وتهرس وتعجن.. وبراكين في حالة وعيد دائم.. ثم أعاصير لا مثيل لها ولا ترحم. وليس هناك وجه من الوجوه الطيبة للطبيعة هناك.. فالطبيعة في اليابان طبيعة مفلسة.. معدمة.. قاحلة.. فلا ذهب أصفر أو أسود.. ولا معادن ولا مناجم ولا مواد خام.. لا ثروات فجائية تهبط من السماء.. ولا ثروات استثنائية تخرج من باطن الأرض.. بل أن مساحة اليابان وهي 3922 جزيرة لا تزيد عن 277 ألف كيلو متر مربع.. مثل مساحة ولاية كاليفورنيا الأمريكية.. ولا تزيد كثيرا عن ثلث مساحة مصر التي تصل الى المليون كيلو متر مربع.. وفي الوقت نفسه نجد أن ثلاثة أرباع مساحة اليابان (بالضبط 73% منها) جبال شاهقة بعيدة تماما عن الحياة.. والباقي (27% فقط) مساحة ضيقة للغاية.. أقل من مساحة منطقة قناة السويس بما حولها.. ولكن يعيش عليها 125 مليون نسمة.. أي ضعف سكان مصر.. وبالرغم من ذلك كله عرفت اليابان كيف تصبح فوق رأس العالم وتتربع.. فما هو السر أو السحر في ذلك؟ ما السر أو السحر الذي جعل اليابان تنتج 15% مما ينتجه العالم.. وجعل متوسط دخل الفرد فيها يصل الى 60 ألف دولار سنويا.. وجعل متوسط العمر يصل الى 76 سنة للرجل.. و82 سنة للمرأة.. وجعل عدد المكاتب والشركات هناك يتجاوز 7 ملايين مؤسسة ومصنع بعضها أغنى من نصف دول العالم الثالث مجتمعة.. وحجم مبيعاتها في الأسواق 56103 مليارات دولار.. وحجم استيرادها من الخارج 200 مليار دولار.. بالاضافة الى مليون محل. . منها 90 ألف مطعم.. و20 ألف بوتيك للهدايا.. و26 ألف معرض للزهور.. و15 ألف مخزن للعب الأطفال.. ما السر أو ما السحر في هذه المعجزة؟.. كيف حولوا الفقر في الموارد الى ثراء في الدخل؟.. كيف قلبوا عيوب الطبيعة الشرسة الى ميزات نفسية مريحة؟.. كيف قلبوا موازين التنمية بحيث لم يعد النجاح فيها لمن يملك.. ولكن لمن يفكر؟ ويمكن أن نطرح الأسئلة بطريقة أخرى تقرب التجربة اليابانية منا.. لماذا لم تصبح مصر مثل اليابان وهي تملك طبيعة حانية رقيقة.. وتملك موقعا جغرافيا يوصف بالعبقرية.. وتملك موارد متنوعة ثرية.. وتملك مساحة منبسطة من الأرض تقترب من أربعة أضعاف مساحة اليابان.. يعيش عليها نصف عد سكان اليابان؟.. لماذا لم تستطع مصر أن تكون مثل اليابان وقد بدأتا تجربة التحديث معا؟.. بل ربما سبقتها مصر فيها.. لماذا صعدت اليابان الى السماء بينما بقيت مصر تحاول أن تكمل عشاءها بالصلاة والتبرك والدعاء للأولياء والقديسين؟ ربما سيكون هناك من يتحدث كثيرا عن التجربة الاقتصادية.. وسيفرط كثيرا في تميزها.. ومع كل الاحترام ليست هذه التجربة الاقتصادية هي سر المعجزة اليابانية وسحرها.. إنها صورتها النهائية الظاهرة للعالم فقط.. وربما سيكون هناك من يسارع بالتنبيه لأهمية الليبرالية السياسية ودورها في خدمة الخصخصة الاقتصادية.. لكن.. مع تقدير لأهمية السياسة المفتوحة في التمهيد للاقتصاد الحر فإنها ليست سر المعجزة اليابانية وسحرها.. إن السر والسحر معا يكمنان في عنصر وحيد وبعيد عن خيالنا هو التميز الاجتماعي للشخصية اليابانية.. مواصفاتها الثقافية والحضارية.. وطريقة تفكيرها.. وخلو ذهنها من المعوقات والمطبات.. وتصورها للحياة والدين والعمل والأسرة والشركة والوطن. إن آخر تقارير الأمم المتحدة تؤكد أن فشل برامج التنمية في الدول غير النامية لايرجع فقط الى أخطاء في السياسات الاقتصادية وإنما يرجع ايضا الى معوقات ثقافية واجتماعية وعيوب في الشخصية القومية.. وفي تقدير معظم تقارير البنك الدولي أن 40% من الانفاق على برامج التنمية في هذه الدول يضيع هباء بسبب هذه المعوقات الثقافية والاجتماعية.. إن التعصب والتطرف الديني في الهند يؤدي الى خسارة 150 مليون يوم عمل سنويا.. وضياع 3 مليارات دولار على الناتج القومي.. والخرافات التي يروجها السحرة في غرب افريقيا تجعل السكان لا يخرجون من بيوتهم كلما تأخرت الشمس في الشروق.. فهناك اعتقاد أن من يخرج من بيته في ذلك اليوم سيصرعه الشيطان.. أو على الأقل سيخترق جسده.. ويدمر روحه.. وتؤدي الأفكار الخاطئة عن الجنس في كثير من الدول العربية والاسلامية الى ارتفاع جنوني في الاقبال على المخدرات.. وانفاق ما يزيد عن 50 مليار دولار عليها.. بالاضافة الى وجود أجيال من المواطنين ضائعة تائهة لا تقدر على تحمل المسئولية وعاجزة عن الابتكار والتحديث. ولهذه الأسباب نعتقد أن المؤتمر القومي الأول للتنمية الاجتماعية الذي شهدته القاهرة مؤخرا هو حدث على درجة كبيرة من الخطورة والأهمية.. وإن كنا نعتقد أيضا أن المؤتمر كان يحتاج الى مسافة ومساحة كبيرة من التمهيد لمناقشة المعوقات الاجتماعية والثقافية والذهنية التي تؤثر على التنمية الاقتصادية في مصر.. كان لابد أن تجري مناقشة واسعة واعية في الجمعيات الأهلية والأحزاب السياسية والنقابات المهنية والبرامج الاذاعية والتليفزيونية والتحقيقات الصحفية لهذه المعوقات.. وهي كثيرة ومتنوعة ومؤثرة .. منها الاجتهادات الدينية الخاطئة التي تلقي رواجا وقبولا.. ومنها الخرافة وقدرتها على إصابة أفضل العقول بالشلل.. ومنها موهبة اهدار الوقت فيما لا ينفع.. ومنها المعاملة الرديئة للمرأة وسحقها والدخول في صراع نفسي واجتماعي معها ينتهي بخسارة الجميع.. ومنها التحايل على القانون ومقاومة الاستسلام لأحكامه.. ومنها الفهلوة وبذل مجهود كبير للكسب دون القيام بعمل منتج.. إن بند واحد من هذه البنود هو الاجتهادات الدينية الخاطئة كلف المجتمع المصري خلال 10 سنوات من مقاومة الارهاب والتطرف حوالي 50 مليار جنيه بخلاف الفزع والقلق وعدم الشعور بالأمان.. وبند آخر هو المخدرات يكلفنا أكثر من 10 مليارات جنيه سنويا.. وبند ثالث هو الخرافة يكلفنا ضياع نسبة كبيرة لا يستهان بها من العقول.. يقدرها البعض بأكثر من نصف المتعلمات في مصر.. إنهن يؤمن بالدجل ويبحثن عن حلول لمشاكلهن الخاصة في الشعوذة . ولو كنت من الذين أعدوا المؤتمر وجهزوا له لقدمت ورقة عمل عن اليابان.. كيف ساهمت التنمية الاجتماعية والثقافية في تحقيق المعجزة الاقتصادية والنهضة التكنولوجية؟.. إن هذه الدولة البعيدة عنا تطاردنا في كل مكان.. فالسيارة يابانية.. والتليفزيون.. والكاميرا.. وصبغة الشعر.. والعطور.. والثلاجة.. والساعة.. وربما سجادة الصلاة كذلك.. فما اجتمع رجل وامرأة إلا وكانت هناك سلعة يابانية ثالثهما. واليابان دول خالية من البقشيش.. فعندما يكون العمل هو مقياس الثروة والرفاهية الوحيدة فإن البقشيش يكون نوعا من الرشوة المعلنة.. أو في أفضل الأحوال نوعا من التسول المهذب.. أو في أسوأ الأحوال نوعا من الابتزاز الخفي.. ونحن نقول ونردد ونغني: العمل شرف.. العمل حق.. العمل واجب.. وهم في اليابان ينفذون ذلك بعيونهم وقلوبهم وأرواحهم.. فنحن نصنع الشعارات وهم يطبقونها.. نحن نتكلم وهم يعملون في صمت يصل الى درجة العبادة. والشركة في اليابان امتداد للعائلة.. ويطلق اليابانيون على رب العمل اسم (يابوم).. ومعناه (في مقام الأب).. ويسمون المرؤوس (كوبوم).. ومعناها (في مقام الابن).. أما كلمة (أوشي) فمعناها أحيانا البيت ومعناها أحيانا أخرى الشركة. والشركة هي التي تنظم لليابانيين كل شئ في حياتهم.. العلاج.. والترفيه.. وتعليم الأولاد.. والكيان الاجتماعي.. لذلك فالطرد منها هو طرد من الجنة.. والذي يطرد من الجنة قبل التقاعد يفقد احترام الناس وتقديرهم.. ولا مفر أمامه من الانتحار.. فقد أصبح منبوذا.. وعليه أن يمحي عاره بالموت.. وهم هناك يغنون للشركات التي ينتمون اليها ويظهرون شاراتها على ملابسهم وملابس أولادهم تعبيرا عن الولاء والانتماء. ولو رأيت اضرابا في مصنع ياباني لذهلت.. فالاضراب مجرد شارة معلقة على الصدر.. لكن لا المكنات توقفت.. ولا العمال راحوا يهتفون أو يثرثرون.. إنه فقط مجرد اشارة على وجود مطالب يجب أن تنفذ.. وغالبا ما يكون الاضراب لتحقيق مطلب واحد.. هو الاستمرار في العمل الى ما بعد المعاش. ويشعر اليابانيون أنهم مجرمون في حق بلادهم لو اشتروا منتجات أجنبية مستوردة لها مثيل محلي حتى لو كان المستورد أرخص.. إنها جريمة, خيانة عظمى أن يفعلوا ذلك.. فشراء سلعة مستوردة يعني اغلاق مصنع وطرد عماله وتشريد أسرهم.. إن المسئولية الجماعية هو شعور يتسم به الناس في هذه الجزر البعيدة المعزولة.. فالفرد لا قيمة له بدون الجماعة.. ويندر أن تجد يابانيا يستخدم كلمة (أنا).. ولم تسمع أبدا من يحذرك وينبهك قائلا: (انت مش عارف بتكلم مين؟).. فهذه عبارة مهينة لمن ينطقها ولمن يسمعها.. وعلامة على التخلف وتجاوز القانون لا يمكن أن يخطئها أحد. ولا يوجد ياباني يعرف كل شئ.. إنه لا يعرف إلا ما عليه فقط أن يعرف.. ولا أحد يجزم بشئ أو يؤكد على شئ.. فهم يسمعون كثيرا ويتكلمون قليلا.. ولو هزوا رؤوسهم فهذا ليس علامة موافقة.. وإنما علامة تشجيع على أن تستمر في الكلام.. فكلما تكلمت أكثر كلما فهموا أكثر.. ولن يكون على أي ياباني تتفاوض معه في شيء أن يعطيك رأيا أو قرارا فوريا.. إن عليه أن يرجع الى رؤسائه.. فالقاعدة هناك أن أكبر منك بيوم يعرف عنك بسنة.. إنها أشهر وأبرز خصائصهم.. احترام الكبير والاستسلام لرأيه وعدم مناقشته.. والكبير يمكن أن يكون رب أسرة.. أو رب عمل.. أو رئيس وزراء.. أو الامبراطور طبعا.. ولأن البقاء للجماعة ولو على حساب الفرد فإن اليابانيين يميلون الى الحلول الوسط.. ويميلون الى حل النزاعات الشخصية بالطرق الودية.. فما دام هناك كبير يحسم ويحل ويحكم فما الداعي للذهاب الى القضاء.. إن اليابانيين أقل شعب يلجأ الى المحاكم.. ولو كان القضاة هناك يتقاضون أجورهم بالنسبة لعدد القضايا التي ينظرونها لماتوا من الجوع.. ويكفي أنهم يموتون من الملل. ولا يتشابه اليابانيون في الملامح فقط وإنما في مستوى المعيشة أيضا.. فأكثر من 90% منهم ينتمون للطبقة الوسطى.. وهذه النسبة المرتفعة هي في رأيي سر المعجزة اليابانية.. ولا يزيد عدد الفقراء عن 2% فقط.. أما الأغنياء جدا فلا يزيدون عن 8%.. ولعل ارتفاع نسبة الطبقة الوسطى هو السبب المباشر في عدم وجود صراعات أو احتكاكات أو استفزازات طبقية.. وهو ما يجعل الناس تنشغل بنفسها لا بغيرها.. وتهتم بما في يدها لا بما في يد غيرها.. وكل الطرق مفتوحة أمام التيار الرئيسي الهادر للطبقة الوسطى.. وكلمة السر هنا هي التعليم.. التعليم هو المصباح السحري لتحقيق الأحلام.. لا الأسرة.. ولا الثروة.. ولا السلطة.. ولا الواسطة.. ولا الايديولوجية.. فقط التعليم.. فاليابان (بلد شهادات) بالفعل.. وهم يفخرون بذلك.. ولا يسخرون منه.. كما نفعل نحن.. وهناك 565 جامعة.. و137 ألف أستاذا جامعيا.. يدرسون لحوالي ثلاثة ملايين طالب.. بخلاف الكليات المتخصصة والمعاهد التكنولوجية وعددها 658 معهدا. واليابانيون شعب شديد التدين.. فهناك 231428 معبد وكنيسة.. وهو رقم لا يستهان به.. والشنتوية هي الديانة الرئيسية.. ثم البوذية.. وهناك قليل من المسيحيين.. وقليل جدا من المسلمين.. لكن.. لا فرق بين شخص وآخر بسبب ديانته.. فهو يؤمنون بأن كل الطرق توصل الى السماء.. وكل الديانات توصل الى الحق والخير والعدل والجمال.. والشنتوية لا مكان فيها لفكرة (الخطيئة الأولى).. بل هي على العكس تؤمن بفطرية الخير في الانسان وأصالة روحه التي تقترب طهارتها من طهارة الآلهة.. ومن ثم فروح الانسان هي (قدس الأقداس) الذي تنبه منه كل الفضائل.. وفي معابدها مرآه صافية معلقة على الحائط وهي تصور قلب البشر وتمثله.. ذلك القلب الذي يمكن أن تنعكس على صفحته صورة الآلهة اذا ما تطهر من الدنس وصار شفافا. إن الدين عند اليابانيين هو سلوك يمنحهم السلام الداخلي ولا أحد يجرؤ على تحويله الى خصام وعداء وتشدد واهتمام بالمظهر لا بالجوهر.. هو سلوك يرفع البشر الى السماء بالموهبة والرحمة والكفاءة والشفافية والخدمة العامة.. إنهم يعرفون الله بالعقل والعمل والعلم والاجتهاد.. يعرفونه بالحرية والرأي الشجاع والانتماء الى الوطن.. ومن ثم فإن أولياء الله عندهم الذين يبنون لهم المعابد هم الذين أضافوا للحياة أراض خضراء مثمرة.. ومصانع لا تتوقف عن الانتاج.. ومدارس متطورة المناهج.. وجامعات لا يفكر فيها الطلبة بأحذيتهم.. ولو كان محمد علي وسعد زغلول وجمال عبدالناصر وطلعت حرب ولويس عوض ويوسف ادريس وسهير القلماوي ولدوا وعاشوا وأبدعوا في اليابان لأصبحوا من أولياء الله وأصفياء الله وأصدقاء الله.. فقد جعلوا الوطن أفضل.. ومن حقهم أن يرتفعوا الى مرتبة عالية في السماء.. وأن تكون لهم معابد بأسمائهم يوقد فيها الناس الشموع ويقدمون النذور. إن القائد الذي انتصر في الحرب وأعاد لليابان مجدها هو ولي من الأولياء عندهم, بنوا له معبدا رمزا للشجاعة.. والقائد الذي انتحر بعد أن سمع بوفاة الامبراطور الذي كان في خدمته هو أيضا له معبد رمزا للوفاء.. وفي كيوتو العاصمة القديمة لليابان سمعت قصة الوزير ميتزين سوجورا الذي وشوا به عند جد الامبراطور الحالي فأمر بنفيه.. وفي المنفى مات.. لكن روحه عادت في صورة إله فأصبح له أكثر من معبد باسمه.. وهي معابد ترمز لانصاف السماء لمن يظلمه الناس على الأرض. وفي كيوتو أيضا عرفت أيضا أن الياباني يمكنه أن يعتنق أكثر من ديانة في وقت واحد.. فلا حواجز ولا أسوار بين الأديان.. لذلك فعدد اتباع الديانات المختلفة ضعف عدد اليابانيين.. لأن معظم اليابانيين يعتنقون أكثر من ديانة واحدة على الأقل.. ويسهل على الياباني ان يصلي في معبد وكنيسة في يوم واحد.. ويسهل عليه أن يتزوج على الطريقة البوذية ويدفن على الطريقة الاسلامية.. وهو ما جعل التعصب الديني صفة غير موجودة في اليابان. إن الانسان في اليابان هو الثروة الحقيقة.. وهي ثروة لا تستنفذ نفسها أو مواردها أو وقتها أو طاقتها في التعصب والتشنج والتطرف والأفكار الخاطئة والقضايا الوهمية واثبات الذات أو انكار الآخرين بطريقة مرضية.. كل شخص مهتم بتطوير نفسه لا بنفي غيره.. فلا هم يضربون الناس بالحجارة.. ولا بيوتهم من زجاج.. فهل ندرس التجربة اليابانية من الناحية البشرية والثقافية والحضارية وقد انتبهنا مؤخرا للتنمية الاجتماعية, أم أننا كالعادة سننظر الى أنفسنا في المرآة بفخر ونردد نشيد الصباح: ليس في الامكان أفضل مما كان.. ليس في الامكان أفضل مما كان؟