المشكلة التعليمية في بلادنا كمشكلة الفقر في البلاد النامية, وكمشكلة الفوضى السياسية في بلاد أخرى, مزمنة ومتشعبة, والكل يعرفها تماما, ويتحدث عنها, ويطرح لها الوصفات والعلاج, لكن شيئا من التغيير باتجاه الأفضل لا وجود له, وكل ما يستطيعه القائمون على رأس المشكلة أن يقدموا للمجتمع (أقراصا مهدئة) أو (ابرة مخدر موضعي) إذا جاز الاستخدام مع بدايات العام الدراسي أو خلاله لتطمين المجتمع وجعله يأمل في مستوى أفضل لتعليم أجياله. وليس من الانصاف أن نقول بأن أحدا بعينه يتحمل (كل) المسئولية عما آل إليه حال المؤسسة التعليمية في المجتمع, لان التراكم التاريخي للمشكلة أكبر من ذلك بكثير. ما نستطيع أن نحسبه للمسئولين أو عليهم في كل مرحلة من عمر وزارة التربية والتعليم هو مدى مساهمتهم أو عرقلتهم لجهود التغيير الصحيح والتقويم السليم لهياكل الوزارة وصلاحياتها مع الأخذ أو التجاهل لحركة النقد الاجتماعي ووجهة نظر الرأي العام ورأي الميدان التعليمي في الأزمات والإشكاليات المختلفة. لن نخوض فيما لا طائل منه, والذي وصل بنا حد الملل لكثرة طرحه والحديث عنه في بداية كل عام, وهو حديث مشاكل الصيانة والكتب والمناهج والمعلمين والمباني المدرسية والفجوة بين الإدارة العليا والميدان و ... إلخ فهذه افرازات واقع إداري مترهل ومعطوب ربما, لان المساوئ والأزمات لا تأتي من الهواء أبدا! إذن فأزمات التربية والتعليم محصلة طبيعية جدا لاختناقات إدارية هيكلية ومالية وفكرية عاشتها وتعيشها هذه الوزارة كغيرها من مؤسساتنا المختلفة, لكن ما يجعل هذه الوزارة تحديدا مكشوفة على انتقادات الصحافة والرأي العام هو هذا التدني المستمر في مستوى الأداء والخدمات مع ما تمثله من أهمية قصوى للمجتمع باعتبارها مؤسسة التعليم الأولى, ولا يخفى على أحد ما يعنيه التعليم في أي مجتمع. ماذا تقول الأرقام لتوضيح أزمة التربية والتعليم؟ إن هناك ما يقارب 35 ألفا و42 موظفا وموظفة على قوة الوزارة على مستوى الدولة, ميزانيتها السنوية تقارب الثلاثة مليارات و615 مليون درهم, ينصرف منها قرابة ثلاثة مليارات و213 مليونا على بند واحد فقط هو الرواتب! فماذا يتبقى لبقية بنود انفاقات الميزانية؟ 400 مليون فقط تصرف على توفير الخدمات التعليمية وتطويرها واستحداث الأفضل منها على مستوى العالم باعتبارنا دولة نفطية غنية, فهل هذا المبلغ كاف لكل هذا العدد من المدارس وللخدمات التي نسمع بها ونطمح لها؟! (39 مليونا لتطوير المدارس والتعليم)!! إن سؤالا من شاكلة هل تحتاج هياكل الوزارة وأقسامها إلى كل هذا (الجيش) من الموظفين, يبدو من قبيل السذاجة, فربع هذا العدد ـ كما أظن ـ إن لم يكن أكثر يدخل ضمن اطار ما يسمى بالعمالة الزائدة التي تشكل عبئا اضافيا على الميزانية وعلى حركة التطوير بل ويزيد في حجم السلبيات, وأظن ان الاحلال بالتوطين السليم والمدروس قد يلغي هذا العبء ويوفر الملايين من أجل تحسين الخدمات والاتجاه خطوة واحدة للأمام. لكنني أعلم يقينا ان تجمعات المصالح داخل الوزارة ستقف بشدة في وجه عملية الاحلال الصحيح والتخلص من الشحوم المتراكمة على جسد الوزارة ما جعلها تصل للشيخوخة باكرا جدا. وحسب التقارير فإن هناك (32) مدرسة أدرجتها إدارة تخطيط الأبنية المدرسية على قائمة المدارس المنتهية صلاحيتها وبحاجة للاحلال على مستوى الدولة, بينما تسجل دفاتر الحسابات في وزارة المالية انه في سنة 1995 مثلا أعادت الوزارة مبالغ كبيرة كمرتجع من الميزانية! أليست هذه مفارقة ودليلا واضحا على ان الأموال لا توظف بشكل صحيح وان الميزانية فيها الكثير من التقديرات الخاطئة أو الهدر الزائد, ان هذه المبالغ كان لابد من توظيفها لسد خلل الأبنية الآيلة للسقوط, وتطوير بعض الإدارات, وعمل الدورات التدريبية السليمة و ... إلخ فليس من المنطقي أن يتعلم بعض أبناء المجتمع في مدارس نموذجية بينما يتعلم بعضهم في أبنية خربة ويشربون مياها ملوثة ويتسممون بأغذية المقاصف!! إن الجميع يتحدث عن أزمة وزارة التربية والتعليم, حتى أهل الوزارة أنفسهم, ولكن الجميع لا يعرفون المخرج أو كيفية الوصول إليه, ولذلك تستمر الأزمة. لكن إلى متى؟!