شاعر يفرض فيك وجع الحب, يولد عندك خلجات العشق, يثير صمت الوله الساكن في دواخلك. وهو الذي يملك ان يضحكك في موضع اخر من مملكته الشعرية, يمارس الهزل, فالحياة ومصاعبها لا تستحق عنده سوى السخرية. في كل الاحوال يمنحك طاقة ومشاعر تحتاجها في ظروفك المختلفة, تضحك في حالة, وتبكي في حالات. هذا هو (بن سوقات) . علم منسي, من القامات الشعرية التي أبدعت وأمتعت أجيالا وأزمنة. ومنحناها تكريما بعد جميل العطاء, هذا التجاهل والنسيان في حاضرنا, وفي إعلامنا! من يصدق ان محمد بن سوقات صامت ـ ومنذ سنوات طويلة ـ عن قول الشعر. كيف يصمت ذلك الذي ملأ ساحة الشعر النبطي في هذا الخليج, كلمات ساحرة في تركيبها ومعانيها؟! في الزمان الذي كان فيه عود وصوت بوالروغة, كان الشريك الاول سالم الجمري, وكان ثالثهما بن سوقات. لا تصدر اسطوانة او شريط الا ويحمل قصيدة للأول او الثاني. كانا صديقين جمعهما العمر و(الفريج) والهوى. والتصق بهما بو الروغة, فكان للابداع نكهة مميزة عندما يأتي من هؤلاء الثلاثة. ذلك دهر جميل, طوى ما فيه ورحل: اعتزل بوالروغة, مات الجمري, وتوقف بن سوقات. لم يعد يرغب في الشعر بعد الاصحاب. صمت ليقول شيئا. صمته موقف. ترك لنا رجع الصدى, بقايا كلمات ملحّنة تسكن الذاكرة: يوم حانت ساعة اوداعي شفت عين الخل دماعه ومثل قصيدة: عاد الوليف من بعاده عادي وارتاح بالي يالخوي في الحالي الذين عرفوا محمد بن سوقات يصفونه انه كتلة مشاعر,سريع التأثر,عاطفته الجياشة هذه ولدت بعض اجمل قصائده. كان ذات مرة في رحلة مع اصحابه, في البر, يهدفون الفرجة والتسلية في سيرهم. انتبه احدهم الى زوج حمام بأعلى شجرة, صادف وجودها في دربهم.نزل الذي شاهد الصيد مسرعا, صوب بندقيته, ضغط على الزناد, كانت طلقة صائبة لحقت احد الزوجين, سقط على الارض ميتا, وحلق الثاني بعيدا. قتل الصاحب الحمامة , لكنه اصاب ايضا قلب بن سوقات, تأثر بهذا الموقف: منظر الطائر الشريد, الخائف, الحزين على مصابه. لم يفرح محمد مثلهم, انما تذكر حاله, الذي يشبه صدمة الطائر الذي فقد وليفه, فردد يقول: هيّج بكا عيني طوير شادي يبكي ويلعي له وليف غادي ويطير من غصن الى غصن على روس الجميم ولايذوق الزادي لكن ماله من معين ولا بعد عنده دليل ولا معاه احيادي مرحوم حالك ياطوير في الفلا ترجو وليف لك بخير ايعادي ياليت عندي حيلة واحتالها من كان ساعدتك بكل اجهادي لكنني روحي مصوّب في الحشا من يوم فارقني حبيب افوادي ألعي كما تلعي وعيني ما غضت سهران ليلي والنجوم اشهادي ساعة فراقه وادعتني مهجتي أقفى وقفت تتبعه واتنادي ياويل حالي يوم قفوا واضعنوا ضاقت عليه ديرتي وابلادي وابجيت عقبه يازميلي في العنا اصيح واغني واقول انشادي لكن لا هذا ولاذا فادني والنوح ما يطفي لهيب افوادي اجمل الروائع التي لا أنساها لابن سوقات, تلك التي يصف فيها برزة (العذارى تحت المجيلة) التي خرجت من قلبه في منتصف السبعينيات وتأثر بها الفنان بوالروغة, وغناها بأجمل ما يكون الغناء, وسمعها الناس في كل مكان وصل اليه صوت الفنان.حدثت الاخ عبدالله بن سوقات ابن الشاعر وجامع ديوانه, ان يذكر لي قصة هذه القصيدة, فرد انها من اجمل قصائد الوالد ولكن سرها مكتوم في صدره. لم يبح به, انها عزيزة جدا عليه هذه القصيدة. يقول: سمعتها منه منذ سنوات قريبة, لم يستطع ان يكملها, عندما وصل منتصفها خنقته العبرة, وسكت. رغم المدى الزمني الطويل الذي يفصله بين مناسبتها , في لحظة ميلادها, رغم تكرارها على ألسنة كل من سمعها, رغم المواقف والقصائد العديدة التي جاءت بعدها, ورغم الحياة التي تقلبت عليه, بقيت تلك الرائعة الشعرية في قلب الشاعر, يعيش معاناة وجودها, لا يمل ذكرها, كأنها الحاضر: يوم شفت احبيبي آنا رحيله وابتعد وابجيت من دون ابهواتي احترمت النوم ماغضيت ليله واحسب ايام مضت والمجبلاتي عن حسين اللون والعين الثليله لي دعاني هايم وسط الفلاتي ما يلام اللي بعد فارق خليله والمولع في وداد الغانياتي تذرف ادموعي من اعيوني هميله فوق خدّي مثل سحب هاطلاتي او كما يري تفرّع من مسيله في مكاني وين هلّيت اعبراتي واعشبت لارض التي كانت محيله واخصبت بالزهر وانواع النباتي واورقت لاشجار واسودّت ظليله وارتعت لارام فيها اليازياتي والعذارى يبرزن تحت المجيله حاسرات سافرات باهلاتي ينشدن لالحان والنسمه عليله والاّ انا ألعي على فرقا غناتي في المنام ايزورني في كل ليله العليم الله بعد كانه شراتي .. يبقى بن سوقات رمزا اعطى الكثير, وسكن قلوب الناس في ازمنة وامكنة مختلفة, حظه انه مثل كل المبدعين: مزيدا من الحرمان, مزيدا من التعب.. مزيدا من النسيان!