تكوين الثروة غير المشروعة التي جمعها الرئيس الاندونيسي السابق الجنرال سوهارتو واعضاء عائلته لم يستغرق مجرد سنة او سنتين لمدى ثلاثين عاما او اكثر هي فترة حكمه الطويلة كان سوهارتو وذووه يحصلون, بالتدرج البطىء على عمولات وارباح ورشاوى عن طريق استغلال المنصب العام الى ان تراكمت اموال منقولة وغير منقولة عبر ثلاثة عقود فبلغت عند نهاية حكم هذا الدكتاتور الاندونيسي ما قيمته نحو 12 مليار دولار. والسؤال الذي يطرح الآن هو: لماذا سكتت الحكومات ووسائل الاعلام الغربية طوال هذه الثلاثين عاما وهي لا ترى وتسمع فحسب.. بل تتعامل هذه الحكومات الغربية وشركاتها مع الحاكم الاندونيسي وتعقد معه الصفقات المشبوهة.. وفي الوقت نفسه تدعمه بسند سياسي في الساحة الدولية مصاحبا بحملات دعائية متصلة لتلميع صورته واسمه وتسويقه عالميا كحاكم مستقيم وحازم ونظيف؟ قبل بضعة شهور نشرت مجلة (تايم) الامريكية تحقيقا اخباريا وثائقيا اوردت فيه تفاصيل عن ثروة سوهارتو واسرته بما في ذلك ارصدة حساباته الشخصية في البنوك الخارجية. واذا كان مثل هذا التحقيق يعتبر بالمعايير المهنية الاعلامية انجازا صحفيا رائعا فأين كانت هذه الهمة الصحفية الامريكية طوال عقود الستينيات والسبعينيات والثمانينيات وجزء من التسعينيات حين كان سوهارتو يمارس الفساد على خط مواز مع ممارسته للتسلط؟ السؤال المطروح اجابت عنه في اطار اوسع واعم صحيفة بريطانية. الاجابة على شكل كتاب صدر الشهر الماضي عن فساد الحكام الاستبداديين الافارقة الذين كانو يتمتعون بسند غربي.. وباشارة خاصة الى دكتاتور الكونغو السابق موبوتو سيسيكو. عبر استقصاء معلوماتي ميداني واسع النطاق تتوصل الصحفية مايكلا رونج (التي كانت تعمل مراسلة لرويترز ومن بعدها صحيفة فاينانشيال تايمز في افريقيا) الى خلاصة مفادها ان الفساد السلطوي في الدول النامية هو في الحقيقة تدبير تآمري غربي واسع النطاق بمشاركة طرف محلي.. هو الدكتاتور الحاكم. هي في الحقيق شبكة ليس الدكتاتور الحاكم سوى واجهتها البادية للعيان بينما الاطراف الغربية المتواطئة تمارس ادوارها من وراء الكواليس. وفي روايتها لقصة الدكتاتور الافريقي موبوتو الذي حكم كمثيله الاسيوي سوهارتو لاكثر من ثلاثين عاما (وكلاهما عسكري) تخبرنا السيدة رونج ان وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية هي صاحب الدور الغربي الابتدائي. فاعتلاء موبوتو السلطة كان اصلا وفق خطة رسمتها ونفذتها الوكالة الامريكية, وبعد ذلك ومن الوهلة الاولى بدأ مسلسل الفساد: شركات غربية تستثمر في تعدين الذهب والماس واليورانيوم والنحاس, وخبراء صندوق النقد الدولي يتولون صياغة اجراءات من شأنها تسهيل تهريب ارباح الشركات دون قيود نقدية ودون ان تتلقى الدولة المضيفة إلا فتاتا. والدكتاتور بدوره يترجم هذه الاجراءات الى تشريعات قانونية من ناحية مع استخدام اجهزة الامن المحلية لقمع المعارضين والمحتجين, ونظير هذا الدور تفتح له حسابات مصرفية شخصية في الخارج تغذى برشاوى منتظمة تدفعها تلك الشركات الغربية. الشركات تنهب.. والدكتاتور يحقق ثروة متنامية لنفسه ولافراد عائلته.. ورويدا تصل الدولة الى حالة افلاس تنعكس على الصعيد الشعبي ندرة سلعية وغلاء وانهيارا لمؤسسات التعليم والصحة. لهذا تسكت الحكومات الغربية ووسائل اعلامها عن فساد استبداديي العالم الثالث طالما ظلوا على سدة السلطة.. لان عملية الفساد في اساسها تدبير غربي.