لا شيء يتم صدفة في السياسة, ومن يحاول إقناع أي شعب أنه يمكن لشخص مجهول الهوية أن يجلس على قمة هرم السلطة في بلاده بمحض مصادفة لا يقول كل الحقيقة, بل يقول أقل من نصفها إن لم يكن يحاول أن يخفيها تماما عن الأعين ليبين أن للقدر ألاعيب لا نملك نحن بني البشر سوى أن ننصاع لها, لأن للقدر قدرته على وضع من يستحق في المكان الذي يستحق, حتى لو كان شعبه يقول بعدم استحقاقه, لأنه لا يعلم قدره الحقيقي. وصول المهندس الزراعي (المجهول) ألبيرتو فوجيموري إلى رئاسة البيرو قبل عشر سنوات بخلاف كل التوقعات التي كانت تضعه في موقف ضعيف في مواجهة الكاتب ذائع الصيت (ماريو بارجاس يوسا) , الكاتب مرشح البنوك ورجال الأعمال, كان من ذلك النوع الذي يطلق عليه البعض (المصادفة) , أي هناك من كان يريد أن يقنع الشعب البيرواني والمحللين السياسيين بأن ما حدث مجرد لعبة قدر, أو ضربة حظ, وأنه لا أحد يقف خلف ذلك المغمور سوى قدرته في لحظة تاريخية معينة على استغلال التعب الذي حل بشعب بلاده من ألاعيب الساسة المعروفين, فبحث عن لاعب جديد من خارج (الملعب السياسي) الرسمي ولم يجده إلا في ذلك المهندس المغمور. لكن القدر نفسه الذي يحاول إقناعنا بأن للمصادفة أحكامها التي لا تقبل البحث والتمحيص والتحليل تكشف أيضا انه من قبيل المصادفة أنه يمكن اكتشاف الحقيقة التي حاول البعض إخفاءها عن الأعين لتنكشف بلا غطاء, فتكشف المستور في كل هذه اللعبة, فيسقط الستار ويبدو المسرح عاريا تماما, حتى من ورقة التوت التي تعتبر آخر ما يبقي على ستر العورة, التي توفرها الطبيعة لمن يرتكبون مثل تلك الألاعيب. كان ألبيرتو فوجيموري قد فقد كل حياء باحتقاره لدستور بلاده وترشيح نفسه للمرة الثالثة, رغم الحظر الواضح الذي لا لبس فيه الذي يقول به دستور البيرو, وعندما رشح نفسه كان الشعب قد اكتشف ألاعيبه, فأعرض عنه, لكن ذراعه اليمنى ومستشاره الخاص ومدير مخابراته في الوقت نفسه (فالاديميرو مونتسينوس) قرر أن يفوز الرئيس بالانتخابات رغم أنف الدستور والمعارضة والشعب, فتم الاستيلاء على وسائل الإعلام العامة والخاصة, وتم تزوير الأوراق الانتخابية مما أدى إلى تأخير الإعلان عن نتيجتها لأكثر من أربعة أيام, بعد أن تبين أن المعارضة نجحت في توحيد صفوفها وراء أليخاندرو توليدو, ليقرر انه الفائز الوحيد في تلك الانتخابات. لكن الضغوط الدولية وبشكل خاص الدول المحيطة به جعلت فوجيموري يعترف بأن النتيجة ليست حاسمة, وانه لا بد من العودة إلى دورة ثانية, دورة أعد لها العدة جيدا من خلال تنسيق بين بعض قادة الجيش الموالين ومدير مخابراته الضابط السابق المفصول من الجيش بسبب تجسسه لحساب المخابرات المركزية الأمريكية (؟!), لذلك كان متأكدا أن الولايات المتحدة سوف تعترف بشرعيته انتخابه لو تم التزوير بشكل مقبول. رفض المعارضة دخول الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية سهل المهمة على الرئيس فوجيموري, لأنه لم يعد في حاجة إلى إحكام التزوير, أو أن التزوير لن تكون فيه صعوبة, نظرا لغياب الرقابة على صناديق الاقتراع من جانب المعارضة. فاز البيرتو فوجيموري رغم أنف الجميع بفترة رئاسية ثالثة, فيما يقرر دستور البيرو أن مدة الجلوس على كرسي الرئاسة لشخص واحد لا تزيد عن فترتين, لكن هذا الفوز وضعه في موقف صعب أمام واشنطون التي دأبت في السنوات الأخيرة على أن تدعم حكاما من هذا النوع, ولكن بشرط أن يتم كل شئ ديمقراطيا ولو شكلا, وطريقة فوز فوجيموري شابها الكثير من الشوائب التي تجعل قبولها لرئاسة بلاده مسألة تحول دونها مواقف دول أخرى مثل دول الاتحاد الأوروبي, وهو ما راهن عليه الرئيس البيرواني فعلا, فهو يعرف إلى أي مدى يمكنه أن يلعب على التناقض بين مصالح الولايات المتحدة ومصالح دول الاتحاد الأوروبي. بعد مرور أسابيع قليلة من إعادة انتخابه تقربت إليه بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي, بل وجهت النصيحة لمنافسه (أليخاندرو توليدو) بأن يتوقف عن اتهامه للرئيس ألبيرتو فوجيموري حتى لا تتأثر (مصالح بلاده الاقتصادية) , لأن اتهام حكومة فوجيموري بالفساد والتزوير يدفع رؤوس الأموال الأجنبية إلى الهروب من البلاد, فتزداد حدة الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البيرو وتتركها حطاما. بما أن تقارب البيرو من الاتحاد الأوروبي سيكون على حساب مصالح الولايات المتحدة, أسرعت واشنطون بالاعتراف بشرعية فوجيموري كرئيس منتخب, وجاء الاعتراف من خلال استخدام تقرير لمؤسسة كارتر, الرئيس الأمريكي السابق الذي شارك في الانتخابات كمراقب, وهو تقرير يلعب بأنصاف الحقائق, لأنه يؤكد أن الأصوات التي حصل عليها فوجيموري صحيحة, لكنه لا يشير إلى عمليات التزوير التي شابت المرحلة الأولى, وأن ذلك التزوير كان السبب وراء انسحاب المعارضة من الدورة الثانية, مما ترك الساحة خالية أمام فوجيموري. لكن الرئيس فوجيموري كان في حاجة إلى اعتراف كامل من الولايات المتحدة بشرعيته, لأنه يعلم إلى أي مدى تملك واشنطون مفاتيح السلطة في القارة أجمعها, وأنه يمكنها التخلص منه في أي لحظة, بحث عن كل الوسائل الممكنة لجذب انتباه واشنطون إلى أنه رجلها في المنطقة, خاصة بعد ظهور (هوجو سانشيث) ككاسترو جديد في فنزويلا. في لحظة (تجلي) أعلن الرئيس ألبيرتو فوجيموري قبل شهر مضى عن مؤتمر صحفي عالمي جمع كل وسائل الإعلام العالمية ليعلن, ومن خلفه مستشاره ومدير مخابراته فلاديميرو مونتيسينوس, أنه اكتشف (أكبر عملية تهريب سلاح للمتمردين في كولومبيا, يقوم بها ضباط أردنيون) (؟!), كان الإعلان قنبلة حقيقية, ولكنها بدلا من أن تنفجر في وجه الأردن, انفجرت بين يدي الرئيس فوجيموري نفسه. كان الإعلان قنبلة دعائية, لكن نتيجتها كانت قنابل متفجرة من حوله ساد دخانها السماء وحجب عنه الرؤية تماما فلم يعد يرى أهدافه بوضوح, فقد كان اتهامه غير مقبول, ليس من جانب الأردن باعتباره متهما في هذه القضية, لأن ضباطه عقدوا الصفقة بشكل شرعي عبر ضباط بجيش البيرو, أو من خلال شركة تتعامل مع جيش البيرو بشكل مباشر (؟!). فقد رفضت كولومبيا الإعلان وطالبت بالتحقيق الدقيق لمعرفة مصدر التمويل والأشخاص الذين لعبوا أدوارا رئيسية في تلك الصفقات, بل كان مرفوضا من جانب واشنطون نفسها, التي كان الإعلان محاولة لاسترضائها, فقد اعتبرت الإعلان لعبة سخيفة يريد من خلالها جذب نظر واشنطون, لكن ما لا يعلمه الرئيس ألبيرتو فوجيموري أن الولايات المتحدة تعلم بكل دقة تفاصيل تنقلات السلاح في كل أمريكا اللاتينية, ولا تغيب عنها حركة واحدة تجري على تلك الأرض, بل أعلن نائب وزير الدفاع الأمريكي تفاصيل لا يملكها فوجيموري نفسه, منها أن جنرالا من جيش البيرو شارك في عقد الصفقة. ثم كان الخطأ الأكبر في (تكتيك) فوجيموري الدعائي, أنه وضع قيادات جيش بلاده في موضع الاتهام, وهنا كانت الطامة الكبرى, الأردن طبقا للحقائق المعروفة عقد صفقة رسمية مع شركة من البيرو, وبمشاركة ضباط من جيش البيرو, وهي صفقة من الناحية الشكلية لا غبار عليها, ولكن الغبار سقط على ضباط جيش البيرو. بعد هذا الإعلان الدعائي بدأت البيرو تشهد حركات خفية, فقد ظهرت في وسائل الإعلام وثائق عن تورط مستشار فوجيموري الشخصي ومدير مخابرات في عمليات إثراء غير مشروع, ورشوة وعلاقات مشبوهة مع تجار السلاح ومافيات المخدرات, وأيضا وثائق تثبت تورط وزير داخليته, ولا يعرف أحد مصدر تلك الوثائق التي كان بعضها على قدر من السرية ولا يمكن أن تكون إلا في حوزة مدير المخابرات نفسه. كان واضحا أن بعض قيادات الجيش استاءت من تشويه سمعتها فقررت الانتقام, لكن لم يتوقع أحد أن يكون الانتقام من الرئيس ومدير مخابراته بشكل مباشر, لذلك عندما تم الإعلان عن (الفيديو-القنبلة) , الذي يسجل عملية رشوة أحد نواب المعارضة, لينتقل إلى حزب الحكومة لتسيطر على البرلمان من خلال اكتمال نصاب الأغلبية المطلقة لحزب فوجيموري بانتقال البرلماني المعارض المرتشي إلى صفوفه. لم يصدق أحد إمكانية تسجيل عملية الرشوة في مكتب مدير المخابرات نفسه, فمن يجرؤ على دخول مكتب مدير مخابرات أي دولة في العالم؟. بدا كل شئ واضحا عندما تم عرض الفيديو: مدير المخابرات يسلم البرلماني المرتشي دولارات أمريكية ليوقع على وثيقة انتقاله إلى حزب الحكومة, صورة لا يمكن مشاهدتها إلا في الأفلام الأمريكية, ولكنها قد تحدث بشرط ألا يكون المتورط فيها مدير المخابرات, لكن ضباط جيش البيرو قرروا الإعلان عن استيائهم من الرئيس ومستشاره بهذه الطريقة, ومرة أخرى وكأن المسالة تمت (مصادفة) أيضا (!). لم يصمد الرئيس فوجيموري لأكثر من يومين, ولكنه عندما قرر أن يفتح فمه, بدلا من الاعتراف بهزيمته هذه المرة والاستقالة قرر أن يكسب بعض الوقت, فأعلن عن انتخابات مقبلة لن يرشح نفسه فيها (!), لكنه لم يضع تاريخا محددا, ولم يتحدث عن أي إجراء ضد مستشاره الخاص المتورط في عملية الرشوة, إضافة إلى اتهامات أخرى تلك الرشوة تعتبر أبسطها على الرغم من أنها كانت (القطرة التي أدت إلى طفحان الكوب) . يبدو أن نهاية الرئيس فوجيموري جاءت (مصادفة) , كما كان فوزه برئاسة البيرو قبل عشر سنوات (مصادفة) , لكن تلك المصادفة الأخيرة, مصادفة السقوط تكشف أن وصوله للسلطة لم يكن مجرد مصادفة أو ضربة حظ أو قدر شاء على الإطلاق, لأن كل شئ في أمريكا اللاتينية محكوم بخطة لا تسمح لمثل تلك المصادفات. لذلك من ينتظرون أن يعود الهدوء إلى البيرو بعد تلك المصادفة يعيشون وهما حقيقيا, ما لم يكن ذلك الهدوء مكتوبا في سيناريو السقوط, وربما قبل أن يقرأ القارئ هذه السطور يكون جيش البيرو قد أكمل السيناريو دون انتظار لما قد تسفر عنه التحقيقات مع مستشار فوجيموري ومدير مخابراته, لأن تحرك الجيش لاحتلال السلطة من أبسط أنواع السيناريوهات في تلك البلاد. كاتب مصري مقيم في أسبانيا