ليست المرة الاولى التي تعرف فيها اسعار البترول ارتفاعا ملحوظا اثر على الاقتصاد العالمي, فغداة حرب اكتوبر 1973, اقدمت الدول البترولية على التحكم لاول مرة في مصادرها الطاقوية. وقد افضى ذلك الى مراجعة الاسعار التي سجلت تصاعدا ملموسا مكن الدول النفطية من الحصول على عوائد مهمة. وكإفراز لذلك فقد دخل الاقتصاد العالمي في تحديات جديدة فرضت التفكير في الطاقات البديلة لمواجهة الوضعية. ومع اندلاع الحرب في سبتمبر 1980 بين دولتين منتجتين للبترول وهما العراق وايران, والتي استمرت ثمان سنوات, فقد شهد الاقتصاد العالمي صدمة بترولية جديدة اتسمت بارتفاع البترول بأسعار وصلت الى اربعين دولارا للبرميل الواحد. واذا كانت هذه الاسعار قد تراجعت بشكل كبير خلال العقد الماضي بفعل غياب سياسة موحدة للدول المنتجة, كفيلة بالتحكم في العرض والطلب, فإن الشهور الماضية شهدت من جديد سلسلة من الارتفاعات. ويعزو المحللون ذلك الى عدة عوامل يمكن الاشارة الى البعض منها, وهي: عدم قدرة مجموعة من الدول المنتجة على تطوير منشآتها, الشيء الذي جعلها غير قادرة على مزيد من ضخ البترول في الاسواق كما هو الامر خاصة بالنسبة لنيجيريا وفنزويلا والجزائر وثانيها: الزيادة على طلب البترول, بفعل اسعاره المنخفضة, وبالتالي التخلي, او على الاقل التراخي في المجهود الرامي الى البحث عن مصادر بديلة للطاقة. وثالثها تخوف الدول المنتجة لهذه المادة من استمرار تدهور الاسعار مما شكل انعكاسا ان يخلق لها مشكلات اقتصادية واجتماعية. وعلاوة على ذلك فقد تفاقمت الوضعية بفعل ارتفاع الدولار الذي يمثل عملة التبادل الرئيسية في سوق النفط. وبالمقابل انخفاض العملة الاوروبية اليورو التي شهدت اكبر انخفاض مقابل الدولار منذ طرحها في يناير 1999. لكن على خلاف الارتفاعات السابقة التي كانت الدول المصنعة تسارع الى تحميل مسئوليتها للدولة المنتجة وحدها, وبالتالي عكس ذلك على المستهلك التي كان يتحمل الزيادة دون اي رد فعل, فإن الامر يختلف جدا, لقد طرحت هذه الوضعية الجديدة مسئولية كافة الاطراف المتدخلة في ترويج البترول, وعلى مستوى آخر, فإنها دفعت المستهلك في اغلب الدول الاوروبية الى رفض المنطق الذي استندت عليه الحكومات لتحميله فاتورة هذه الارتفاعات المتتالية, طارحة بذلك اشكالات جديدة بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي. ففيما يتعلق بالمسألة الاولى فقد بينت النقاشات المختلفة وجود ثلاثة اطراف مستفيدة من ارتفاع اسعار البترول وهي الدول المنتجة التي تتحكم في انتاج هذه المادة, والتي تحاجج بكون الاسعار الحالية معقولة الى حد ما معتبرة انها تضررت في السابق من جراء التدهور الذي عرفه سعر الذهب الاسود, وبالتالي لا مناص من تصحيح الاسعار حتى تصل الى مستوى يرضي كافة الاطراف. وبالتالي فقد عبرت عن استعدادها خلال مؤتمر فيينا عن الزيادة في الانتاج بـ 800 ألف برميل حتى تحافظ الاسواق البترولية على نوع من الاستقرار. بيد ان ذلك لم يكن كافيا. ويظهر ان عودة التوتر في العلاقات الكويتية العراقية بفعل اتهام العراق للكويت بسرقة بتروله في الحقول الجنوبية, وبالتالي تهديد الكويت باتخاذ الاجراءات الردعية, وهو الامر الذي واجهته الولايات المتحدة من جهتها بالتهديد باستعمال القوة ضد العراق, اجج من جديد حمى الارتفاع. وبالرغم من اعلان منظمة الدول المنتجة عن استعدادها خلال الاجتماع المقبل في نوفمبر عن رفع آخر لكميات البترول, فإن التخوف من شتاء قارس, وبالتالي الزيادة على الطلب قد يجعل احتمال انخفاض الاسعار امرا صعب التحقق رغم التفاؤل الذي يسود مسئولي منظمة الدول المصدرة للنفط, وخاصة المملكة العربية السعودية التي تعتبر اهم مصدر لهذه المادة. لكن من الواضح ان الدول المنتجة ليست وحدها المتحكمة في السوق النفطية. فهناك الشركات البترولية الكبرى العاملة في هذا المجال, والتي استفادت بشكل واسع من هذه الزيادات. وتبين كافة النتائج التي نشرتها هذه الشركات عن ضخامة الارباح التي تحققها بفعل ترويجها لهذه المادة. ومن ثم, فهناك مطالبات متعددة بضرورة الزيادة في الضرائب المفروضة على هذه الشركات حتى يتم موازنة الزيادات المتوالية في اسعار المستهلك, او اقتطاع جزء من ارباحها لتخصيصه لموازنة الارتفاع حتى لا يتحمله المستهلك وحده. لكن علاوة على هذه الشركات, فإن الحكومات نفسها تستفيد من هذه الارتفاعات من خلال الرسوم التي تقتطعها على كل لتر من النفط يباع للمستهلك. وهذه الاخيرة تدافع عن مواقف متناقضة. فهي تضغط على الدول المنتجة من اجل الزيادة في الانتاج, وبالتالي انخفاض الاسعار. ولكنها بالمقابل ترفض تخفيض الرسوم التي تفرضها على هذه المادة, وتفضل ان يؤديها المستهلك وحده. وتبرر ذلك بضرورة المحافظة على الانتعاش الذي تسجله اقتصادياتها, ومحاربة كل تضخم من شأنه ان يخلق حالة من الركود. ان هذا المنطق هو الذي ترفضه شرائح واسعة من المنتجين والمستهلكين في الدول الاوروبية بالخصوص. وقد ترتب عن ذلك سلسلة من ردود الفعل في اغلب هذه الدول, تمثلت في الاحتياجات الواسعة لقطاعات منتجة كما هو الامر بالنسبة للصيادين والفلاحين وناقلي البضائع, وبصفة عامة كافة المهن التي يشكل النفط جزءا مهما من تكاليف انتاجها. الامر الذي قد يؤثر على مردوديتها ويقلص من تنافسيتها, فقد سارعت الى فرض حصار على مصادر التزود بالنفط. الامر الذي خلق حالة من البلبلة والذعر لدى مستعملي وسائل النقل على مختلف انواعها. بل اكثر من ذلك التهديد بشل الحركة في كافة المرافق. وفي مطالبها فقد طالبت الحكومات من التقليص من الرسوم التي تفرضها على البترول حتى تستطيع المحافظة على قدرتها الانتاجية والشرائية. بيد ان رد هذه الاخيرة لم يكن سهلا. فمن جهة فهي ترفض تخفيض هذه الرسوم حتى لا تفقد جزءا من مداخيلها. ومن جهة اخرى فقد واجهت معارضة الخضر الذين يشاركون في بعض الحكومات الاوروبية, كما هو الامر بالنسبة لفرنسا وبلجيكا وألمانيا.. فهؤلاء يطالبون على العكس من ذلك من الزيادة في الرسوم على مصادر الطاقة الاكثر تلويثا للبيئة, ولا سيما الغازوال الذي تستهلكه الشاحنات وكافة وسائل النقل. وفي الواقع فإن هذه المطالب في عمقها تطرح اشكالا اساسيا متعلقا بكيفية الاستفادة من ثمرات الانتعاش الاقتصادي التي تعرفه الدول الاوروبية. فأغلب هذه المهن تشعر بتهديد حقيقي لمردوديتها. ولا شك في ان الاندماج الاوروبي, وكذلك العولمة كانت صعبة بالنسبة لها ومن ثم في الوقت الذي ترى فيه ان النمو يعود الى الاقتصاد, وان اغلب الحكومات قد توفرت لها مداخيل مهمة, فهي تطالب بالاستفادة من ذلك, وبضرورة ان ينعكس ذلك على حياتها اليومية. وهو الامر الذي يفسر الى حد كبير التعاطف الذي لقيته لدى شرائح واسعة من السكان الذين يشعرون انهم لا يستفيدون من خيرات الانتعاش في الوقت الذي تحقق فيه الشركات والمجموعات القابضة ارباحا طائلة قد لا يعفيها في بعض الاحيان من طرد العمال بدعوى اعادة الهيكلة لمواجهة المنافسة العالمية. اذا كانت الدول الاوروبية والمصنعة بالخصوص قد واجهت احتجاجات المجتمع المدني, فإن الانعكاسات قد تكون اسوأ بالنسبة للدول الثالثية. فالحكومات مدعوة الى اداء فاتورة ثقيلة لتحمل جزء من هذه الزيادات. الشيء الذي سينعكس لا محالة على مستقبل برامجها التنموية. وقد حذر صندوق النقد الدولي من كون بقاء الاسعار في حدود ثلاثين دولارا للبرميل الواحد قد يعصف بالتوازنات الاساسية لكثير من الدول. ففي الوقت الذي تواجه الكثير من الفوارق وانتشار الفقر, وارتفاع الخصائص في كثير من القطاعات, فإن الزيادة في اسعار البترول لا يمكن الا ان تعيق الكثير من الجهود التنموية وبالتالي تعمق الهوة بين الحكومات وشعوبها. في مواجهة هذه الانعكاسات المختلفة يسيطر التساؤل حول مستقبل اسعار النفط, ويستمر التخوف من استمرار الاسعار في الصعود لا سيما مع اقتراب فصل الشتاء الذي يرتفع فيه الاستهلاك, خاصة بالنسبة للتسخين المنزلي. واكثر من ذلك تطرح تساؤلات ملحة حول استمرار التوازن في كثير من الدول الثالثة غير المنتجة للنفط والتي تتساءل عن الاساليب القمينة بمواجهة هذه الوضعية الصعبة. لكنها في العمق تدرك ان هامش تحركها يبقى ضعيفا. وربما ليس امامها الا امل ان تستقر الاسعار في مستوى معقول, يمكن تحمله دون الاخلال بالتوازنات الكبيرة او ما يعرف بالتوازنات الماكرواقتصادية والتي تظل هشة في جميع الاحوال. استاذ بجامعة محمد الخامس ـ الرباط