تفاعلت حرب التصريحات الدائرة حول العراق بين عواصم مختلفة محدثة توترا في منطقة الخليج. فإلى حد ما نجح العراق في اثارة شبه ازمة سياسية وتصعيد اجواء التوتر الاقليمية, وان كان هذا قصده فقد حققه. لكن هذا النجاح لا يمكن تقييمه الا من خلال الاهداف التي قصدها العراق من وراء حملته الاخيرة التي بدأت في الشهر الماضي. الهدف العراقي من التوتر قد يكون اثارة قضية العقوبات وقد يكون محاولة لاثبات النفس والبقاء في اللعبة السياسية الاقليمية خاصة في ظل حملة انتخابية امريكية, وقد يكون الهدف اشعار الشعب العراقي بقرب انتهاء العقوبات من خلال اشعاره بقدرة العراق على التحكم بالمناخ السياسي الاقليمي او بالتأثير على السياسة الامريكية واثارتها, وقد يكون الهدف ايضا ضبط الوضع الداخلي ووتيرته. وقد يكون الهدف العراقي جميع هذه الاهداف مجتمعة. في الاطار العام تؤكد الازمة الاخيرة ان المشكلة العراقية قائمة وحلها لم يتوفر بعد. والتوترات هذه المرة لم تقتصر على الكويت والمملكة العربية السعودية, فقد وقع بينه وبين ايران تراشق كلامي واعلامي, كما ان التصعيد العراقي قوبل بتصريحات امريكية اكدت الاستعداد لمواجهة اية مغامرة عراقية جديدة وقابله ايضا سعي الخارجية الامريكية لاثارة قضية المحاكمة للمسئولين العراقيين. وبالرغم من ضجيج الحدث وتلاحق التصريحات فإن حالة من العقلانية سادت ردود الفعل. فالوزيرة الامريكية اولبرايت اعلنت ان الولايات المتحدة لن تستخدم القوة لفرض فرق التفتيش على العراق. وباللغة نفسها دعت الكويت في ردها على اتهام العراق بخصوص استغلال النفط في الحقول الشمالية بدعوة لجنة دولية محايدة لتقصي الحقائق.. وتأتي دعوة دولة الامارات العربية المتحدة العراق للتعاون مع دول مجلس التعاون ان اراد حل قضية العقوبات في اطار تحكيم العقل والحكمة. اذ تفترض دعوة الامارات امكانية التهدأ وتغير الخطاب السياسي العراقي وبلورة اطروحات تتجاوز الحدة التي ميزت الماضي. هكذا نجد انه في الاتجاهين الكويتي والامريكي وفي الاتجاه الخليجي الاوسع ظل الوضع في اطار محاولة استيعاب التصعيد العراقي وعدم الانجرار لحرب كلامية. بمعنى اخر سيطرت على ردود الفعل درجة من العقلانية وذلك بعد ان اعتادت المنطقة على سلسلة من الازمات منذ العام 1991. لكن من جهة اخرى تعود حالة التوتر والاثارة فتفرض على المنطقة جوا ما زال يتحكم بتوجهاتها. وتثير هذه الاوضاع الكثير من الاسئلة عن الوضع الامني في منطقة الخليج, فهو وضع امني قابل للتحول لأزمة في اي وقت, وهو وضع امني غير قابل للاستقرار بلا حل جاد للمشكلة العراقية. وقد تختلف التصورات في شكل حل المشكلة العراقية اليوم. فهناك من يدعو لرفع العقوبات بلا قيد او شرط وهذه مدرسة قائمة بحد ذاتها, وهناك من يدعو للتغير في العراق, وهناك من يدعو لطريق وسط بين هذا وذاك وانصار هذا الفريق الى ازدياد. الرؤية لمستقبل العراق او حتى لواقعة الراهن او لخطواته المقبلة لم تتضح بعد, ولكن الأكيد ان العقوبات بشكلها الراهن تواجه تساؤلات متعددة على مستويات دولية واقليمية, لكن الأكيد ايضا ان المخاوف التي يثيرها النظام العراقي تعود وتؤخر اي تعامل جاد مع قضية العقوبات بمعنى اخر العقوبات مشكلة للعراق وهي مشكلة للعرب وللعالم لأنها تصيب الشعب العراقي, ولكن الشعور الاقليمي ببوادر وجود روح مغامرة في العراق هو الآخر مشكلة اقليمية ودولية تثير المخاوف وضبط جميع القوى والاتجاهات العربية والدولية التي تؤمن بضرورة مناصرة الشعب العراقي. والوقوع بين كماشة الخوف على الشعب العراقي وكماشة الخوف من التوجهات الرسمية العراقية يجعل الامر الراهن والحفاظ عليه سياسة تسعى اليها اطراف عديدة دولية واقليمية. البحث عن آلية للمستقبل تسمح بمنع المغامرة وتسمح بتخفيف معاناة الشعب العراقي تعتبر مسألة اساسية في التعامل مع الملف العراقي في المرحلة المقبلة. استاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت