عجيب جداً أمر العاطفة واستحكاماتها في العلاقات البشرية, والاكثر عجباً بين كل العلاقات والعواطف, هذه العاطفة الخالدة التي نسميها الحب. فعلى امتداد حياة متوسطة تأتيك اخبار, وتقع على حكايات, ويهمس لك الكثيرون بقصص ووقائع تزيدك تأملا في أمر هذه العاطفة, وبدلاً من اكتشاف اسرارها أو حتى الادعاء بمعرفة قوانينها وأحكامها, تجد انك ذهبت بعيداً في الحيرة, فتسلم اخيرا بأن المحبة سر من اسرار الخلق والخالق, وقد تكون السر الأجمل! وفي حديث المحبة, والمحبين يحضر دائما الشعر والشعراء, ولا أدري لماذا يحضرني الآن وبقوة ذلك الشاعر الذي زرع قصائد الحب في عيون كل العشاق, فجعلوها وقودهم في ليالي العشق المضنية وتدفئوا بها, بينما جلس هو على كرسي العاشقين متربعا يستنشق عبير اشعاره, بينما تغرد الدنيا بكلماته حاملة اسرار حبيباته وقصص حبه ذلك هو الراحل نزار قباني, ومعه وربما قبله تحضر قوافل من العشاق والشعراء في التاريخ والوجدان العربي, فنحن العرب لم نقل شعرا في غرض كما قلنا واستفضنا في هذا المجال حتى طاب لشعرائنا المقام في واحته فتمترسوا فيها منذ ايام زهير بن ابي سلمى وقيس بن الملوح حتى يومنا هذا وما بعده. وكم تستوقفني قصيدة نزار التي غنتها (نجاة) بمنتهى العذوبة: حمل الزهور إليَّ.. كيف أرده وصبايَّ مرسوم على شفتيه وبدون أن أدري, تركت له يدي لتنام كالعصفور بين يديه سامحته, وسألت عن أخباره وبكيت ساعات على كتفيه.. انها تحبه بما يشبه الطوفان, لكنه يخذلها بشكل او بآخر ومع ذلك يبقى يحبها, لكنها تثور عليه تغضب حد قرار القطيعه, والسير بعاطفتها وفكرها على حافة الخنجر, لكنه عندما يهجرها او يخونها, تقسم بالانتقام, وقد تحمل الخنجر وتضعه في قاع القلب, ذاهبة بعيدا في الغياب والنسيان, لكن قدرا كالبرق, لحظة ضعف انساني شفيف قد تعيد كل الذي كان كما كان ـ ليس دائما ـ ولكنه يحدث.. ولذلك فعندما يأتي حاملا الزهور, تسقط امام حيرة العاطفة الكبرى: كيف ترده؟!! تنسى كل القرارات الحمقاء, وتسأل عن اخباره وكأن شيئا لم يكن! فهل هو ضعف المرأة ام سر المحبة؟ وتبقى هذه العاطفة اميرة العواطف, تبقى شاغلة الناس وهاجسهم الابدي على امتداد التاريخ الانساني, تصوغ حكايات لا تصدق وعليها تأسست مصائر بشر وأقدار دول وممالك, وبسببها قامت حروب وكتبت اساطير ونسجت خرافات, وعرضت افلام وبيعت ملايين الملايين من الكتب, ولذلك فليس عجيبا ان يقول البعض إن الحب هو ابتلاؤنا الوحيد الذي نسعى اليه كلما فارقنا, ونبحث عنه لنزداد اقترابا من انسانيتنا. لقد لفت نظري ذلك الشاعر المبدع الذي قال: الحياة ستة احرف نصفها الاول من نصيب الحب, فكأن الحب يأخذ من الحياة نصفها الاول والاجمل, تاركا الباقي لكل العذابات الاخرى التي هي الوجه الآخر من الاسطورة الانسانية الازلية. بعضنا يرى الحياة من خلال عيون من يحب, حتى اذا رحل هذا الحبيب رحلت معه الامكنة والمدن بكل شواطئها وشوارعها وسماواتها وبحارها, فراح لا يرى في الامكنة اي جمال!! لماذا؟ لانه يرى بعين قلبه ويحس كذلك, وهذا هو الفرق بينه وبين من يعيش الحياة متخبطا بين الامكنة لا يملك خريطة ولا يعرف لغة, كالغريب تماما, فندعو الله له أن يعينه على احتمال الغربة.