ولدت في جهينة, بسوهاج, محفوفا بنخيل الصعيد وظلاله وسموقه وأصالته, لكنني نموت وشببت في الخلاء القاهري, ومنه أستمد أقدم صور عمري. أقامت أسرتي في المنزل رقم واحد, بمنطقة باجنيد, المتفرعة من درب الطبلاوي. بيت ربما بني في القرن التاسع عشر, مكون من خمسة طوابق, وهذا ارتفاع له شأن في الأربعينيات عندما بدأ وعيي يلتقط أول مظاهر الوجود, كنا نسكن الطابق الأخير, وأمامنا يمتد سطح فسيح أو هكذا كان يبدو لي في طفولتي, فلكم تتغير نسبية الأشياء مع التقدم في العمر, كان الأفق القاهري رحيما بالنظر, خلاء ممتد, وتاريخ واضح, الأهرام في الغرب, ومئذنة السلطان حسن والرفاعي ومحمد على والمحمودية ومئذنة سيدنا ومولانا الحسين, كلها تسمعه في الجنوب, والمقطم الذي لم نعرف جبلا أكثر منه ارتفاعا يحد المدينة من الشرق, وكانت عمارة حديثة مرتفعة تقوم إلى الشمال, ناحية غمرة, تحمل اعلانا دائريا, يلمع في الليل عن مشروب غازي, لم يكن الأفق القاهري مدججا بالخرسانة والأبراج كما يبدو الآن. ولم يكن التلوث بهذه الدرجة التي نراها الآن, حيث تخيم غمامة كثيفة على المدينة طوال ساعات النهار. كنت أثب على قدمي لأتطلع إلى الأفق الفسيح, وأسطح البيوت المجاورة والمعالم, ولو أنني أخترت من حياتي لحيظات حانية لكان أولها لحظات العصاري في المدينة القديمة, خاصة عندما تنكسر درجات الحرارة إذا كان الفصل صيفا, أو تغمق الظلال مسرعة باكتمال الليل شتاء, ولأن معظم شهور السنة حارة, لذلك اشتد الشوق إلى النسمة, والهواء الطيب في بلادنا يجيء من الشمال, ومن العبارات التي تتردد كثيرا في ذاكرتي منذ الطفولة: (عايز اشم الهوا..) (يا سلام على نسمة العصاري ..) كانت نسمات العصاري من مفرجات الكروب, وبواعث الراحة, وأسباب هدهدة الروح في القاهرة القديمة, لذلك اتخذ المعماري القديم ما يكفل استدارة البناء تجاه الشمال, يستقبل النسمات الحانية, المرطبة, من التكوينات الغربية التي لفتت نظري في الصبا, بناء هرمي الشكل من خشب غامق, يواجه الشمال بفتحة واسعة, وكان مثيرا لخيالي, خاصة أنه ارتبط بالقصر القديم, المهجور , بؤرة الذاكرة ومحور اطارها, قصر المسافرخانة, شيئا فشيئا عرفت أن هذا التكوين اسمه (ملقف). وإنه مخصص لاستقبال الهواء, ودفعه إلى قاعات وغرف البيت, إنه ابتكار عتيق فرضته ظروف البيئة منذ العصر الفرعوني. على جدران مقبرة (نب آمون) من الأسرة التاسعة عشرة نرى الملاقف, ويذكر المرحوم المهندس حسن فتحي في دراسة جميلة عن القاعة القاهرية أن منازل تل العمارنة ضمت قاعات تحيط بها الحجرات, وترتفع سقوفها إلى أعلى من منسوب باقي الأسقف, بها فتحات لتصريف الهواء الساخن تماما كما هي الحال في القاعة العربية ولكن بدون الملقف. بدءا من الأ سرة التاسعة عشرة بدأ ظهور الملقف, واستمر في التطور حتى وصل الى درجة متقدمة من الكمال في العمارة العربية, واحتفظت المنازل القاهرية بملاقف متكاملة, أهمها قصر المسافرخانة وقاعة محب الدين, للهواء حركة داخل المباني. تنشأ من اختلاف الضغوط, حيث يمضي الضغط من العالي إلى المنخفض, وخلال عملية التصعيد والاحلال, يصعد الساخن ويستقر البارد الملطف, ليجد طريقه عبر ثنايا البيت, من الملقف إلى الطوابق العليا, ثم السفلى, حتى أبعد نقطة في البناء, ان الهواء القادم من الشمال يجتمع عند الفتحة, أعلى الملقف, هنا يحدث ضغط للدخول عبر هذه المصيدة المحكمة, وشيئا فشيئا تنتقل النسمات من أعماق الكون إلى ثنايا الصدور, وليس مثل صدورنا القاهرية في تنسمها الهواء الطيب ساعة العصاري, وكان من أسعد حالاتي تلك اللحيظات التي أجوس فيها داخل قاعات المسافرخانة, أو حجراتها, أصغى إلى حفيف النسمات السارية, وأحن إلى الزمن الجميل, وأحمد الله على تلك النسمات, وكل ما تأتي به المقادير. مهما أوغل الإنسان في الزمان, أو ابتعد عن المكان, فإن فؤاده يعتصم إلى الأبد بتلك الأماكن التي عرف فيها القلب رعيشاته الأولى, فاتحة الحب, أول مدارج العشق, السعي إلى اكتمال إنسانية الإنسان. في زمني الأول, زمن طفولتي, لم يكن ثمة حرج أو فواصل, الفروق بين الأنثى والذكر لا تزعج الأهل, والاولاد هم الأولاد حتى وإن كانوا صبيانا وبنات, الغريب.. أن الإنسان ينتهي كما بدأ, في المراحل الأخيرة من العمر تصبح الصداقة أسهل وأصفى بين الرجل والمرأة, بعد نفاد توترات الغريزة, بعد إشباعها, بعد اليأس من تجدد الصبوات, يرتد الأمر في الكبر إلى ما كان عليه في الصغر, لا يتم هذا التمام إلا بإنغلاقها, غير أن نقطة النهاية تمتزج بالبداية, تندمج بها, فلا نعرف عند أي نقطة تنتهي الدائرة أو تبدأ . هكذا العمر, مثل الدائرة.. ولأن دائرتي تدنو من التلاحم, من التمام, فانني أستعيد البدايات, تبدو تفاصيل العمر الأولى واضحة جدا, جلية في مراحل العمر المتأخرة, والحارة بالنسبة لي ركن آوي اليه إذ تشتد الهموم, أو تعمق الوحدة. صغارا كنا نلعب في الحارة الآمنة التي لا يدخلها غريب إلا فيما ندر, وتلك ميزة حواري القاهرة القديمة المتفرعة من بعضها كأغصان شجرة, أو نقش قديم, تتلاقى وحداته وتتفرق, أحيانا يؤدي بعضها إلى بعض, وأحيانا تكتفي بذاتها تماما مثل(درب الطبلاوي) نلعب في إطاره, يختبئ أحدنا ونبحث عنه, يعصب آخر عينيه, ونقف مجموعة ويضربه أحدنا, وينزع العصابة محاولا استنتاج الضارب فإذا نجح يحتل الضارب مكان المضروب, حتى إذا انفردت بابنة الجيران, أدعوها إلى لعبة (صبيان وبنات), وتلك لعبة ذات خصوصية. إذ تتم فوق سلم البيت, وليس في فراغ الحارة, نقوم خلالها بتمثيل دور زوج وزوجة نؤثث البيت المتخيل من فوارغ علب السجائر, وأغطية الزجاج, وبقايا الألعاب التي كان الوالد يحرص على شرائها في الأعياد لنا, أما الأطفال فمن قماش محشو, أو عروس من البلاستيك الذي كان مادة حديثة في ذلك الوقت, أما الحوار فمن تفاصيل الحياة التي نعيشها, من واقع الأسرتين, خروج إلى الشغل, أنزل عندئذ إلى الطابق الأسفل, مجرد أربع أو خمس درجات, أبقى بمفردي قليلا ثم تنتهي ساعات العمل, فارتقي الدرج مرة أخرى, أطرق الباب الوهمي, أعبره, الزوجة تجلس حاملة العروس الصغيرة, تخبرني بمرضها وارتفاع حرارتها, فأبدي الجزع, وأضمها إلى صدري, تقترح الأم أن نذهب إلى الطبيب, عندئذ نصعد إلى الطابق العلوي, وأتحول من زوج إلى طبيب يكشف على العروس الصغيرة وأعيد تجسيد مشهد أكون قد عاينته في عيادة حقيقية, أصف الدواء وأبدي النصح, ثم أعود أبا فأصحب الأم والطفلة إلى خارج البيت في نزهة لنشم الهواء, دائما كانت هذه العبارة تتردد في سمعي من نساء الحارة, الرغبة في الطلوع إلى السطح لشم الهواء, أو الخروج لزيارة مولانا والفرجة على الناس, أمضي مع ابنة الجيران عبر الحارة, ونمر بفرن الحاج ناصيف, نحذر الاقتراب من المسافرخانة, نتطلع بحذر إلى أسوارها العالية, داخلها أمنا الغولة, تستدرج الأطفال لتحولهم إلى وجبة شهية, كثير من الأماكن العتيقة, المهجورة, فرضت حماية ذاتية من خلال الأسطورة المتداولة, لعل أبرزها ما يروى عن (الرصد) الذي يحمي المقابر الفرعونية, والكنوز المطمورة, كثيرون خافوا ارتياد هذه الأماكن خشية الطلاسم والأرصاد, لذلك كنا نخشى الاقتراب من المسافرخانة, أو عبور عتباتها. نخطو, ونشب مع الزمن, ويعرف القلب تلك الخفقات, مشاعر دفينة لا تعبر عن نفسها, الحب في صمت, من طرف واحد, ذلك الميراث الطويل الذي مازال يشكل بواعث توجهنا إلى الآخر, كلما نأى الحبيب ازددنا به تعلقا, وكلما اتسعت المسافة اقتربنا منه أكثر, هكذا توالى خفق القلب في جنبات الحارة, وكان مجرد ظهور الحبيبة, مجرد ظهورها في النافذة, أو لواح جزء منها, أو حتى ظلها كفيلا بإحداث الزلزلة, في الروح, في الوجدان, لكم استدعي الآن لحظات عرفتها في الحارة, كانت الروح تنتفض, والأشواق غير المرئية تحمل الإنسان على أجنحتها, وتفتح الآفاق اللامرئية, الخفية, والمنظورة أيضا. وهذا ما لا تقدر أقوى المثيرات اليوم على تحريكه في الروح. كانت الحارة السد, الصغيرة, أوسع من كافة المجرات, وأبعد من كل المسافات.