واخيرا اعتذرت امريكا الرسمية عما ارتكبت من حرب ابادة وحشية ضد امة الهنود الحمر.. والتساؤل الذي يتبادر الى الذهن هو: هل الاعتذار اللفظي وحده يكفي؟ ولكن هناك ايضا السؤال الاكبر: ماذا عن الشعوب والامم الاخرى التي عانت من الوحشية الامريكية المنظمة سواء عن طريق الفعل المباشر او التواطؤ او غض الطرف؟ الاعتذار الرسمي الامريكي جاء على هيئة بيان من مؤسسة حكومية فيدرالية يطلق عليها (الوكالة الامريكية لشئون سكان الولايات المتحدة الاصليين) . وأتى البيان على ذكر الممارسات (العنصرية واللاانسانية) تجاه الهنود الحمر في القرن التاسع عشر بما في ذلك (تعمد نشر الامراض وابادة قطعان الماشية ونشر استخدام الخمور السامة لتدمير العقول والاجسام والقتل الجبان للنساء والاطفال) . ورغم ان هذا الاعتذار جاء على مستوى رسمي متدن (حتى الامريكيين العاديين ربما لم يكونوا قد سمعوا باسم الوكالة المشار اليها) الا ان مجرد صدوره, على تأخره, يرد شيئا في الاعتبار لشعب الهنود الحمر. لكن تبقى قائمة طويلة بأسماء شعوب طالتها الوحشية الامريكية بصورة مباشرة او غير مباشرة تتحمل امريكا تاريخيا مسئولية الاعتذار لها اولا.. مع التكفير عن الذنب بتعويض اجيال الابناء والاحفاد. على رأس القائمة اقلية داخل الولايات المتحدة نفسها.. وهم الزنوج من الاصل الافريقي او كما يطلق عليهم (الامريكيون الافارقة) . والاعتذار هنا يجب ان يكون مضاعفا اضعافا بقدر تعدد انواع الممارسات التي ارتكبت ضدهم. الجريمة الاصلية الاولى بحق هؤلاء القوم تتمثل في تهجير اسلافهم قسرا بواسطة تجار الرقيق البيض من الساحل العربي الافريقي الى امريكا. ثانيا, اجبارهم على العمل في حقول القطن على طريقة السخرة. ثالثا: معاملتهم ومن خلفهم من اجيال لاحقة وفق سياسة تمييزية رسمية باعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية. وحتى حلول النصف الثاني من القرن العشرين كانت سياسة التفرقة العنصرية واللونية تحظر على الزنوج ارتياد الاماكن العامة المخصصة للمواطنين البيض كالمدارس ودور السينما.. وحتى الكنائس. هذا يقودنا الى دور الولايات المتحدة عبر ثلاثة عقود في الستينيات الى اوائل التسعينيات في المقاطعة الدولية لنظام التمييز العنصري للأقلية البيضاء في جمهورية جنوب افريقيا, فمن العوامل الرئيسية التي ادت لاطالة عمر هذا النظام, وبالتالي اطالة امد معاناة الاغلبية السوداء المضطهدة, خروج واشنطن على المقاطعة الدولية للنظام عن طريق استمرار التعامل معه تجاريا ومساندته سياسيا في الساحة العالمية. واذا كانت الجريمة التي اقترفتها الولايات المتحدة بشأن شعب جنوب افريقيا تعتبر فعلا تواطئيا فإن ما فعلته تجاه شعب فيتنام خلال عقدي الستينيات والسبعينيات كان عملا وحشيا مباشرا. فالى جانب ارسال نصف مليون جندي الى ارض الفيتناميين ادت الغارات الجوية المكثفة لاحدث الطائرات الحربية الامريكية لمدى سنين الى محو مدن وقرى فيتنامية بأكملها من على الخريطة. وحتى اليوم لايزال هناك الوف من الفيتناميين من ضحايا اصابات سرطانية سببها التعرض للاسلحة الكيماوية الفتاكة التي استخدمتها القوات الامريكية في السنوات الاخيرة للحرب بعد الهزائم الفاصلة المتلاحقة التي تلقتها على ايدي الثوار المقاتلين. واذا كانت هذه الشعوب جميعا وغيرها لم تتلق حتى اليوم اي اعتذار من الولايات المتحدة فضلا عن تعويض فإن مما يلفت الانتباه تلك الحماسة الامريكية التي لا تفتر لرفع وتتبع مسلسل لا ينتهي من الدعاوى والقضايا لصالح تعويض الاسر اليهودية من ضحايا المانيا النازية.