الأمر ليس حكاية التطرف أو التعصب في وسط آسيا أنه أمر مجتمعات تريد أن تجزء وتؤصل كيانها وتبلور شخصيتها القومية وتحفظ منظومتها الثقافية. الأمر ليس حكاية التطرف أو التعصب في وسط آسيا أنه أمر مجتمعات تريد أن تجزء وتؤصل كيانها وتبلور شخصيتها القومية وتحفظ منظومتها الثقافية. في آخر أعدادها (16-22 سبتمبر2000) نشرت مجلة الايكونومست البريطانية رسالة من قارئ اسمه رسل سنشاين في أميليا بإيطاليا يفند فيها ماذهبت إليه المطبوعة الانجليزية في مقال نشرته بتاريخ 26 اغسطس الماضي حول خطر الاصولية الاسلامية في جمهوريات أسيا الوسطي السوفييتية سابقا. ومن المعروف أن (الشأن الاسلامي ) سلطت عليه الاضواء من جانب الساسة والمحللين الاقليميين والدوليين منذ أن خرجت الجمهوريات المذكورة إلى الوجود وشقت طريقها لتوضع على خريطة العالم السياسية بعد زوال اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية (الاتحاد السوفييتي) في عام 1991. وبحكم التعددية الثقافية- اللغوية, في تلك الجمهوريات ومن ثم تعددية الولاءات التاريخية والانتماءات الحضارية إضافة إلي التعددية الاثنية - العرقية, في تلك المناطق ناهيك عن الثروات المواردية الكافية فوق وتحت أرضها_ وخاصة البترول والغاز الطبيعي فضلا عن وجود قواعد صناعية بل وأنشطة نووية متقدمة في بعض منها بحكم هذا كله, فمازالت الجمهوريات المذكورة مثار اهتمام على مستوى الفكر الاستراتيجي الدولي مع بدايات القرن الجديد, وربما زاد حفظ الاهتمام بفعل الصراعات الحدودية والمصادمات العرقية ونزعات الاستقلال والتمرد أو الرفض الجماعي ومنها ما يصدر عن نوازع طبقية ترنو الى تحقيق عدالة التوزيع وتكافؤ الفرص وانهاء تسلط الاقلية على الأغلبية سواء كانت هذه الاقلية أو ليغاركية حاكمة تنتمي إلى اصول عرقية معينة أو كانت نخبة متحكمة تتولى أو بالأدق تحتكر مواقع السلطة والنفوذ على حساب مصالح الأغلبية وطموحاتها. خطأ سياسي ومعرفي وبمناسبة هذه النخب الحاكمة أو المتحكمة فقد أوضحت رسالة قارئ الايكونومست مدى الخطأ الذي وقعت فيه المجلة البريطانية حين صورت لقرائها أن الإسلام ـ وقد آبت إلى شطآنه شعوب كثيرة في جمهوريات آسيا الوسطى_ إنما يشكل خطرا مستقبليا على المنطقة وعلى ما يجاورها ويتاخمها من مناطق العالم, سواء كانت هذه المجاورة تمتد إلى حد التماس في التواريخ أو في الانتماءات أو في التأثير والتأثر, إلى حدود الصين شرقا, أو إلى منطقة الشرق الأوسط إلى جنوب الغرب أو إلى روسيا وحدودها الأوروبية إلى غرب الشمال. ويبدو أن الموضة, كما قد نصفها, هي إطلاق بالون يحمل عنوان (الأصولية الإسلامية فاندا منتاليزم) وهو تعبير مضطرب عمل الغرب على صياغته وسبكه وحبكه ثم ما لبثنا أن تلقفناه وقدمنا له ترجمته هذه غير الدقيقة, وراج وأصبح متداولا في أسواق الفكر والتحليل, وقد يصدق عليه قانون غريشام الشهير بأن العملة الرديئة هي التي تروج بعد أن تطرد العملة الجيدة من السوق. عن خلط الأمور يقو ل القارئ ( رسل سنشاين) المقيم كما ألمحنا في إيطاليا, وواضح من اسمه أنه مثقف غير مسلم: إن مقولة (الخطر الاسلامي) الذي صورته الايكونومست خاطئة في أساسها وهي من ثم تسهم ـ في رأيه - في خلط الأمور وفي سوء فهم الأوضاع الحقيقية القائمة على أرض في جمهوريات أسيا الوسطى وفي هذا العدد يسهب المثقف المذكور, توضيح ما يذهب إليه (فيقول: الحاصل أنه بعد 70 عاما من القهر الذي مارسته السلطات السوفييتية بغير وازع ولا رحمة, فقد أسترد الاسلام (في آسيا الوسطي) قدرا ولو بسيطا من حيويته خلال عقد الاستقلال (تسعينات القرن العشرين). ومع ذلك تضيف الرسالة القادمة من إيطاليا ـ فلا يمكن القول بأن حكاية الأصولية أو فلنقل التعصب (والتطرف الديني) قد اجتاحت المنطقة المذكورة.. بل ظلت جمهورياتها_ ربما باستثناء طاجيكستان كما تحترس الرسالة_ تأخذ بمبادئ الفصل بين السياسة وقضاياها, وبين القضية الدينية وشئونها. عن التعصب والتطرف على أن الأهم هو ما ينبه اليه قارئ الايكونومست من أن حكاية الاصولية أو هي حكاية التعصب أو التطرف ذريعة يلوح بها بين حين وآخر ؟ قادة وزعماء تلك الاقطار ومنهم من نشأن وتربى وبرز خلال الحقبة السوفييتية وأصبحوا كما تضيف الرسالة من أبرز مخضرميها. لماذا يلوحون بحكاية الخطر الاسلامي؟ عندما يكون مطلوبا من تلك القيادات والزعامات أن تبرر استشراء الفساد الحكومي أو سوء إدارة الأمور العامة أو عندما تسلط الاضواء على تلك الأوضاع من الفساد والمحسوبية والرشوة وحكم المحاسيب والأزلام والمتربحين بفضل ما أصبح يسدد العالم من دعوات لا سبيل إلى العزلة بعيدا عنها وفي مقدماتها تحمل شعارات الشفافية والمكاشفة وعدم التستر على بواطن الأمور, لاسيما عندما تكون هذه الأمور ماسة بمصالح البلاد ومصائر العباد ثم يمضي المثقف الغربي صاحب الرسالة ليوضح أن الصراعات الحدودية والمناوشات والاشتباكات المسلحة التي وقعت مثلا في منطقة فرغانة انما كانت ترجع أصلا إلى ثارات قديمة في منطقة وسط اسيا وإلى حالات التوتر التي كان لابد وأن تنشأ على صعيد تلك المنطقة بعد زوال هيمنة الكرملين أو اختفاء اليد السوفيتية الحديدية الباطشة, والمهم أن مثل هذه التوترات لاتعود إلى أصول عقيدية إو إلى عوامل دينية إسلامية في الأساس . بل يذهب القارئ الغربي المثقف في رسالة إلى الايكونومست إلى أن الانفجارات التي شهدتها طشقندربا ترجع في الأصل إلى تدبير من صنع السلطة الحاكمة ذاتها موضحا أن الكثير من أهل النخب الحاكمة عند قمة السلطة في تلك الجمهوريات يعمدون إلى شعارات يطلقونها حلاوة من طرف اللسان كما يقول المثل العربي القديم, وتدور حول التحول الديمقراطي وحول حقوق الإنسان وإقرار المساواه المنصفة بين مواطنيهم. وثمة موسم خاص لتلك الشعارات الجميلة المزوقة وهو موسم نيل المعونات من الغرب, سواء جاءت مباشرة بفضل اتفاقات المعونة الثنائية على دول الغرب في أوروبا وأمريكا أو جاءت من خلال برنامج المساعدة الانمائية الرسمية التي تشرف عليه الأمم المتحدة أو جاءت بالذات من خلال قنوات منظومة التمويل الدولية مجسدة في صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي أو المؤسسة الانمائية الدولية. بعد الأموال تضيع الشعارات وما أن يتم بلوغ المراد من رب العباد, وما أن تدخل المعونات المليارية الطائلة خزائن الحكومات في جمهوريات وسط اسيا, فسرعان ما تنسى الصفوة الحاكمة أمر التحول الديمقراطية والحكم الرشيد والشفافية وحقوق الانسان وسيادة القانون والشراكة الديمقراطية مع المنظمات غير الحكومية والمؤسسات الاهلية في المجتمع المدني, وتعود ربما في وسط آسيا إلى عاداتها القديمة في الحكم المتسلط وفي احتكار الموارد والمغانم لصالح النخبة وعلى حساب تهميش الجموع, و هو ما يفجر, منطقا وبداهة أوضاعا من التوتر السياسي والاختناق الاجتماعي ويصبح بمثابة عوامل مساعدة في تعامل العناصر السلبية إلى حد التفجر سواء الداخلي حركات استقلالية أو دعوات انفصالية أو خارجية (اشتبكات واسعة النطاق على الحدود وفيما بين الدول ذات الصلة) ومن أجل تبرير هذه الأوضاع الحقيقية ذات الجذور والأصول الحقيقية من الاحتقان والسخط والتمرد والرفض تلجأ النخب الحاكمة إلى منطق التبرير والتخويف وتنحو باللائمة, لا على سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تسببت فيها, بل على خطر الاصولية الاسلامية ومن بعدها تدور الشعارات وسط منظومات الاعلام والتسييس, وتطحنها ماكينة الميديا وقد اضافت اليها بهارات التعصب والتطرف وتوابل الصور النمطية والقوالب الاتصالية والمكرورة (ستريوتايب) ويكون الناتج النهائي هو صيحة ينادي بها الفرقاء تقول: احذروا الارهاب الاسلامي في جمهوريات اسيا الوسطي والمشكلة أن الناس في الغرب بل ونحن أهل الشرق نتلقف هذه البضاعة المزيفة المضروبة كما يقول المصريون- متصورين انها سلعة حقيقية تم تصنيعها نتيجة تحليل موضوعي ودراسة منصفة تمت على البارد ونهج واقعي غير متميز, وهي ليست كذلك ومن ثم ترتب عليها ماشاء لنا الله أن ترتب من نتائج فكرية ومقولات عقائدية بل واجراءات وتصرفات سياسية ورسمية ..مثلنا في ذلك مثل الذي يتلقى مبالغ ناتجة عن عمليات غسيل الاموال وهو يحتفل بها على انها جاءت من مورد الحلال كما يوجهها إلى الصرف المشروع الحلال. والمهم أن رسالة الايكونوست تخلص إلى محصلة صاحبها في سطر واحد يقول فيه : ان التهديد بخطر الاصولية (الاسلامية) في وسط أسيا هو مقولة ناتجة عن منطق المبالغة والغلو لا أكثر ولا أقل. حقيقة الاسلام هناك نبادر فنقول من باب الاحتراس العلمي أن ليس معنى هذا ان الإسلام لايمثل الآن عنصرا جوهريا من عناصر الحياة العامة في أسيا الوسطى العكس هو الصحيح. هكذا تؤكد دراسة مهمة صادفتنا أو صادفناها ونحن على مشارف ختام هذا المقال. الدراسة بقلم (شيرين أكينر) الزميل الباحث في المعهد الملكي للشئون الدولية في انجلترا, قسم دراسات روسيا وأوراسيا( أوروبا وآسيا). وتذهب هذه الدراسة الاكاديمية إلى أن الإسلام في أسيا الوسطى ليس مجرد ديانه يؤمن بها الكثرة الكاثرة من شعوب تلك المنطقة وحسب ان الاسلام يمثل في رأي هذه الدراسة ثقافة وحضارة بل وهوية للفرد والجماعة على السواء. وعندما تثور نزعات الغضب هنا أو هناك, فإنها لاترجع إلى التعصب أو التطرف ـ دع عنك الارهاب ـ كما يحلو البعض أن يفسر بحسن النيات أو سوء المقاصد.. وإنما يرجع الامر في رأي الدراسة المذكورة إلى نزعات الرفض إزاء الذين يتخلون عن الاسلام أو يظهرون رفضهم له أو عدم مراعاتهم أو احترامهم لتعليمه, الأمر هنا لا يرجع فقط إلى أنهم لا يراعون الدين, بل أنهم في نظر الغالبية من أبناء شعوبهم إنما يتخلون عن أصولهم الحضارية, وعن جذورهم الثقافية بل أنهم يخلعون انتماءهم الحقيقي ويتخلون عن هويتهم الوطنية وشخصيتهم القومية. مجتمعات تدافع عن كيانها الأمر اذن ليس حكاية التطرف أو التعصب إنه أمر مجتمعات استفاقت إلى أمورها بعد سبعين عاما ظلت فيها مغلوبة على أمرها, إنه أمر مجتمعات تريد أن تجذر وتؤصل كيانها وتبلور شخصيتها القومية وتحفظ منظومتها وثقافتها قبل أن تدخل في أي شراكات أو تفاعلات أو مساهمات مع العالم والعصر الذي تعيش فيه. وعندنا أن هذه الدراسة التي نشرتها مجلة هار فارد للشئون الدولية ( عدد الربيع لعام 2000) تستحق وقفه تأمل أخرى نرجو أن يكون موعدها في البحث المقبل بإذن الله. كاتب سياسي من مصر