كل الصحفيين يتباهون بأنهم مواطنون في بلاط صاحبة الجلالة الصحافة, وخاصة صحفيي العالم العربي, مع انهم يعلمون يقينا أن الصحافة في العالم العربي مثل الملكة اليزابيث في بريطانيا تملك ولكن لا تحكم! صحافتنا وأقصد مؤسساتنا الصحفية العربية تملك وسائل انتاج الفن الصحفي من (صحف, مجلات, مطبوعات مختلفة, صحفيين ... إلخ) لكنها حتى هذه اللحظة لا يمكنها ولم يمكنها يوما أن تكون سلطة رابعة أو تاسعة أو حتى عاشرة, ولندع جانبا كل ما يقال عن خرافة ان الصحافة سلطة رابعة! حسنين هيكل في كتابه (السلام المستحيل) يقول كلاما بما معناه ان الفقه الدستوري ينص على ان سلطات أي مجتمع ثلاث: تنفيذية وتشريعية وقضائية, وبالتالي فلا وجود لشيء اسمه سلطة رابعة, لان السلطات لا تخترع من الهواء وإنما تنفرز نتيجة ظروف وتطورات تاريخية واجتماعية وسياسية. وعليه فلو كانت الصحافة سلطة لوجب أن يكون لها وضع مستقل لا يتحكم في مساراتها أو أقدار العاملين فيها سوى مرجعية الدستور والقانون, أما ان تتحكم فيها وتراقبها سلطة أخرى فهذا يلغي تماما بل ينسف كل ذلك التباهي الفاضي الذي يصر عليه السادة الصحفيون وبعض مسئولي الاعلام في كل مكان من الرقعة العربية. من أين جاء مصطلح (السلطة الرابعة) يا ترى؟ وما المقصود به حقيقة؟ لم أجد اجابة عند أهل الاعلام الاكاديمي, لكنني عثرت عليه في أحد كتب الأستاذ هيكل: تقول الحكاية ان هذا المصطلح شاع في القرن الثامن عشر وتحديدا في انجلترا وفرنسا, كانت انجلترا تبحث عن نظام جديد وكانت فرنسا تعيش حالة ثورة وكانت السلطات القابضة على مصائر الجماهير في البلدين ثلاث: الملك والكنيسة والبرلمان, وكل واحدة من هذه السلطات تحاول أن تقول إنها صاحبة الكلمة الأولى, بينما الجماهير تتفجر ثورة وفورانا في الشوارع معظم الوقت, وكانت معظم ثوراتها ضد الملك والكنيسة وأحيانا كثيرة ضد البرلمان. فكانت تشكل مع الملك والكنيسة والبرلمان سلطة رابعة تفرض نفوذها بقوة الغضب العام. وذات يوم وأثناء إحدى جلسات البرلمان الانجليزي في أواخر القرن الثامن عشر كان الكاتب والمفكر الانجليزي (وليم هازليت) يتابع ما يجري في البرلمان فالتفت فلمح مندوب جريدة, وكانت الجرائد يومها هي مثيرة القلق والشغب ومهيجة الجماهير, فما كان من (وليم هازليت) إلا ان مال على صديق يجلس بجواره قائلا: هذا هو ممثل السلطة الرابعة, مشيرا إلى مندوب الجريدة. كان المفكر يقصد بالسلطة الرابعة, تأثير ما تكتبه جرائد الرأي على حركة الناس في المجتمع فتحولهم إلى قوة ضغط, إذن فالجرائد تملك قوة صلتها بالتسمية من تأثيرها في حركة الناس والمجتمع, وليس أي صحيفة فن وتلميع وأخبار بلا طعم يمكن أن تدعي هذا الشرف, وليس أي صحفي يكتب ارتزاقا أو مصلحة أو تفاهة يحق له أن يدعي هذا الشرف, المسألة أخطر من ذلك بكثير, وعلينا أن ندقق فيما نقول جيدا.