سمع صوت الحياة وردد لها افضل الاغنيات, وعزف لها اجمل الوصلات.. ليس اجمل من انه يشكل الان املا ليس لذاته فحسب.. بل ان اصوات الامل غادرت روحه لتنغرس في ارواح مقابلة وتلك دائما معجزة الحياة.. تستحيل احيانا, ولكن روعتها في انها ممكنة دائما, حتى وهي في قمة الاستحالة. ولد وعمره خمسة اشهر, ليوضع في بيت من زجاج بعد ان اخترقت ابرتا المغذي والمضاد الوريد في قدمه, وبذلك يوفر له البيت الزجاجي الاكسجين, وتندفع الحياة في عروقه. وبعد سبعة اشهر تسلمته امه المريضة والضعيفة من حضانة المستشفى الى المنزل لتبدأ تسقيه من حليبها الطبيعي, ومن دفء صدرها وتقوم بشئونه. هذا الطفل ولد ليعيش معاقا داخل الاسرة ويحرم من انشطة الحياة كلها, ثم تموت امه وعمره ثلاث سنوات.. خرج من صندوق الزجاج بجسد هزيل, ضعيف, وبعد سنة اكتشف الاطباء انه يعاني من فقدان السمع لأسباب وراثية, فأجروا له بعض العمليات لزراعة القومعة التي تقوم بوظيفة نقل الصوت. بدأ اهله يميزون بينه وبين اخوته, ويحاولون حتى ابعاده عن اللعب مع اخوته خوفا على حالته الجسدية حتى اصبح الان عمره (15) سنة, يقول: انني اعيش مراحل حياتي في وقت واحد.. حرمت من الطفولة والمراهقة في وقت واحد, واشعر انني تائه ولا ادري الى متى سأظل بهذا التقلب والدوران. ولا يخفى مدى الالم والضياع والاحباط والتشتت والاضطراب الذي يحدثه عدم التوافق وعدم التكافؤ في الفكر والعاطفة, بيني وبين اخوتي. شيء يتجاوز, التصديق والالم, ان تولد متألما.. صامتا.. ان يولد الجرح معك, وتلك فظاعة الرحلة القادمة, ومتاعب السكرة الوعرة, هكذا فتح عينيه على الحياة لافا صدره في عناكيب وجعه السحيق جدا.. جدا, من يدري ربما كان قد بدأ قبل الميلاد اصلا.. ولم يكن الميلاد سوى حالة زمنية فاصلة بين وجع حدث ويحدث في العالم الاخر.. ووجع ندركه الان نحن بحواسنا البسيطة والمحدودة. وعندما يريد الزمن ان يمارس عبثه, فلا يمكن للمأساة ان تتوقف عند حد معين. لكن.. ها هو صوت الارادة فيه يبقى, وأصوات الامل تعلو.. لا مساحة للسكينة ولا موسم للاحباط ولا فصل للسقوط.. ظل يقاوم ويقاوم وسيصل حتما, تحامل على وجعه رضيعا.. وتحامل على صدمة موت امه طفلا, وتحامل على جراحاته يافعا.