هكذا هي الدنيا إذاً. تعلم آباؤنا في الكتاتيب, وبألواح خشبية صغيرة بأجر قدره كسرة خبز وخمس بيضات وقطف من تمر يقدمونها كل أسبوع أو شهر لمدرسهم الكهل. أما نحن فقد تعلمنا في المدارس والمباني المشيدة وبمنهاج تقليدي, والآن ها هم أبناؤنا يختصرون كل هذا التاريخ والماضي القريب بجهاز حاسوبي يتربع في غرفهم أو مدارسهم, ويخولهم في عزلتهم بأن يجوبوا آفاقا ويرتادوا أمكنة وينشئوا علاقات دون المغامرة بالتعرض إلى لوم أو عقاب. فلم يعد الأخ يتآمر مع أخيه الصغير ليفتح له باب المنزل من الداخل الذي عادة ما يقفل الساعة التاسعة مساء, الآن من غرفته وبخدمة الانترنت يمكنه افتراضيا أن يسهر خارج المنزل في أكثر الأماكن خطرا وحتى ساعات متأخرة من الليل. مع هذا العالم الافتراضي غير المحسوس فإن الرقابة أو الاشراف (بالتعبير التربوي الحديث) الدائم على أبنائنا يكون صعبا إن لم نقل مستحيلا. فما العمل إذاً؟ وكيف يمكن حمايتهم من هذا الفساد الأخلاقي متمثلا فيما تقدمه الانترنت من خدمات شتى الذي يقوض آفاق التعلم والابداع. ولكن شئنا أم أبينا يجب أن يستخدم أولادنا الانترنت, وشئنا أم (شئنا) يجب أن نزرع فيهم مقومات الحماية الذاتية لدرء خطر الانجراف الافتراضي نحو الرذيلة الذي يأخذ مداه في التكوين النفسي والتربوي للجيل بأكمله ويتحول إلى انجراف حقيقي. الأمر الذي يؤسس لمجتمع غائب أو غريب عن جذوره وهويته. وهنا أكرر السؤال المعضلة: ما هو الحل إذاً؟ كيف يمكن أن يحيا أطفالنا بدونها ومعها, تلك الجميلة المتوحشة التي تدعى (انترنت) ؟ وقبل أن أبدي رأيي, فإنني أفترض وبالمطلق أنه لابد لمستخدمي الانترنت أياً كانت أعمارهم أن يتعرضوا إلى أفخاخ الرذيلة سواء أكان على نحو فضولي أم بالصدفة, وما أكثرها بالرغم من برامج الحماية المتخصصة بهذا الشأن. والجواب هنا: أن تتم توعية الآباء حول الانترنت وخدماتها بسلبياتها والأضرار النفسية والاجتماعية وغيرها على أطفالنا. وكذلك توعيتهم بايجابياتها وفوائدها غير المحدودة. ومن هنا تأتي عملية تجسير هذه الهوة السحيقة في المعرفة باستخدامات الانترنت والتي تفصل ما بين الآباء الذين تخلفوا عن الركب والأبناء الذين يصولون ويجولون بل ويبتكرون أساليب التخفي والتمويه ان دعت الضرورة. وإذا تم ردم هذه الهوة, ونشأ التقارب يجدر بالآباء مناولة الأبناء معاول التوعية والتمييز والادراك بأن شبكة الانترنت مثل الحياة تضم الخير والشر, الموجب والسالب وما إلى ذلك من تناقضات. وهنا لا تصلح إلا المكاشفة والحديث الصريح والمباشر والتحذير الذي ينادي به الدين والقيم والأخلاق. انها دعوة للآباء قبل الأبناء بتعلم الانترنت محاولة منهم إنارة الطريق المظلم الذي يحدق بأبنائنا في عالم مليء بالشبكات المعتمة والمضللة.