هكذا فرضت علينا ظروف الصحافة أن ندخل معارك السياسة, وأن نتقاسم بعضها معا, وربما كانت هناك (مشاركة) في دفع الثمن وفي خنادق القتال تولد صداقات حقيقية فلا أحد يملك في ظروف القصف, والضرب فرصة التكلف ووضع المساحيق, وفي خنادق القتال تقترب المسافات بين البشر, وتتساقط كثير من الحواجز بينهم, ويفتش كل منهم عند الآخرين عن جوانبهم غير المعلنة, وعن اجابات جديدة مباشرة لأسئلة قديمة, ولا تأتي الاجابات من النطق فقط, وإنما من الملاحظات العابرة والبسيطة أيضا. إن التفاصيل الإنسانية الصغيرة قد تكون مفاتيح لبوابات كبيرة كان من الصعب فتحها. لقد بدأت علاقتي بهيكل بعلاقة صحافي مسئول عن تحرير مطبوعة سياسية هي (روز اليوسف) يريد أن يحقق قدرا من الانتشار يليق بتاريخها الصحافي العريق من خلال حوارات مع كاتب كبير ومؤثر ينتظر الناس رأيه, ثم مع تكرار اللقاءات زادت الصلة, وسرعان ما تحولت الصلة إلى صداقة, والصداقة لا تقوم بين البشر على قواعد من الهوى والانفعالات وإنما تقوم على أسس موضوعية, أو مهنية كما في هذه الحالة. إن الاتفاق وارد والاختلاف وارد, ولكن في كل الأحوال هناك أسلوب للتفاهم والحوار, ربما يقرب مسافات الاختلاف, ربما يباعد مسافات الاتفاق, على ان ذلك لا يمنع التقدير والاحترام لرجل وصحافي كتب وكان بامكانه ألا يكتب, وتورط وكان بامكانه ألا يتورط, واستخدم حواسه الخمس وكان من الممكن أن يلغيها ويستريح, ونشر أفكاره وكان بامكانه أن يبقيها مجمدة, ودخل المطبعة ووسخ ثيابه وأصابعه, وكان بامكانه أن يوفر كل هذه المتاعب ويهاجر بحجة ان الوطن في اجازة مفتوحة ولا يحتمله. إن لكل منا أخطاؤه. لكن ما الذي تعنيه الأخطاء؟ إنها تعني انك تعمل, وكل عمل في حد ذاته ـ سواء كان عملا ماديا أو فكريا ـ لابد أن يدخل صاحبه في ورطة, بل ان الحياة في أساسها مشكلة. أما الموت فهو (المؤسسة الوحيدة التي لا مشكلات فيها) . معنى الشتيمة والصفعات والطعنات هي الوجه الآخر للقبلات. وتاريخ الصحافي الذي يحترم قلمه قائم على هذه اللعبة من ألعاب المتناقضات. إن الصحافي, الصحافي لا يشعر انه على قيد الحياة إلا حين تتساقط عليه الحجارة, ويتهشم زجاج نوافذه, في هذه اللحظة يشعر ان جرعة الرأي والحرية والمعرفة التي يعطيها للناس بدأت تتفاعل في شرايينهم, وان الزلزال الذي كان يحتفظ به في داخله انتقل إليه. وعندما ينشر الصحافي مقالا ولا يرجمونه بسببه يشعر بأنه مريض, وتبدأ حرارته في الارتفاع. (إن الشتيمة في بلادنا لا تعني انك فشلت وإنما تعني انك نجحت وتفوقت) . لقد سأل هيكل نفسه أكثر من مرة: (لماذا لا أغضب لكل الاساءات التي توجه إلي بغير حق فيما أظن؟) . وكان جوابه لنفسه ذات مرة: (لانني أعرف ان الشعب المصري بصفة عامة, والقارئ المصري بصفة خاصة, أذكى عشرات المرات من كل هؤلاء الذين يتصورون انهم يخدعونه بحجب الحقائق عنه) . ثم كان جوابه لنفسه مرة أخرى: (لاني أعرف إلى أي مدى استحكمت أزمة التصديق واتسعت الفجوة بين كل ما يقال وكل ما هو واقع) . ثم كان جوابه لنفسه مرة ثالثة: (ربما لأني أعرف ان رماة السهام المسمومة ومعرفتي بهم تعصمني من الغضب لأي شيء يصدر عنهم.. بل لعلي أقول انني بمعرفتي بهم اعتبر شتائمهم في مديحا لي, كما ان اتهاماتهم ضدي أوسمة على صدري) . ويستطرد هيكل في مقدمة كتابه (الحرب والحب) قائلا: (وما اظنني استحق هذا المديح كله وهذه الأوسمة جميعها ولكنه الحظ وحده, ومن الصدف ان ذلك هو نفس المعنى الذي ورد في برقية تلقيتها من صحافي لامع في بيروت كتب إلي يقول: أنا أحسدك على خصومك) .. ورددت عليه أقول له: انت على صواب, فأنا أستحق الحسد على خصومي ولكنني أيضا أستحق الحسد على أصدقائي ولو خيرت لما اخترت غير ما لدي على الناحيتين) . بهذا التصور عرفت هيكل أكثر, واقتربت منه أكثر, وتأملته أكثر, وهو ما جعل فرصة الكتابة عنه بصورة حقيقية فرصة جيدة لا أتصور انها أتيحت لغيري ممن يهوون كتابة السير الذاتية. بهذا التصور فكرت في كتابة هذا الكتاب عن هيكل. وقد لاحظت ان كثيرا من تفاصيل حياته المبكرة غير معروفة, وسعيت لمعرفتها منه, واعترف انه فتح قلبه وعقله وخزانة أسراره الخاصة, ربما لأول مرة, لكنني لم أكتف بما قال وبما روى, ورحت أفتش عن أصدقاء الطفولة في حي (الحسين) .. وزملاء مدرسة (التجارة) المتوسطة في حي (الظاهر) , ورفاق أيام الشباب الأولى في حي (باب الشعرية) . وكان دافعي ما قاله هو نفسه وهو يكتب عن السادات في كتاب (خريف الغضب) الذي أثار ضجة عارمة حول حدود التدخل في الحياة الخاصة للشخصية العامة, وحدود تأثر الشخصيات السياسية بحياتها العائلية, طبيعة العلاقة بين البدايات والنهايات. إن الشخصيات السياسية في البلاد الديمقراطية تتعرض لفحص دقيق لكل ما يمر بحياتها, من (الداية) التي شدته للحياة, إلى نوع الحليب الذي أرضعته له أمه (هل كان طازجا من صدر أمه أم كان مجففا من الصيدليات؟) ومن نوع العلاقة التي كانت سائدة في أسرته إلى مستوى المدرسة الأولى التي تعلم فيها (هل كان متفوقا أم ضبط وهو يغش في الامتحان وهل كان كسولا أم انطوائيا), ومن طبيعة علاقته بالمرأة إلى كيفية حصوله على الثروة (من هي الفتاة التي حظي منها بأول قبلة في حياته وكيف كسب أول نقود من عرقه؟). لقد اختارت فرنسا جيسكار ديستان حاكما لها بلا تردد لانه كان أول مرشح لرئاسة الجمهورية يقبل اذاعة التقارير الطبية الكاملة عن صحته, وكان الفرنسيون يطالبون بذلك منذ رحيل جورج بومبيدو الذي مات بسرطان الدم, وبسبب هذا المرض لم يكن يتذكر أرقام التفجير النووي واضطر أن يكتبها ويحتفظ بها في سلسلة كان يعلقها حول رقبته وكان معنى ذلك سهولة معرفة هذه الأرقام وتعريض البلاد لكارثة نووية. ورفض الأمريكيون اختيار إدوارد كيندي رئيسا لهم لانه ثبت انه (غش) في الامتحان وهو طالب في كلية الحقوق جامعة هارفارد وحرم بسبب ذلك من الدراسة لمدة سنة, ولانه أيضا حاول الهروب من شرطة المرور في مخالفة سرعة وعندما قبض عليه كان مختبئا في قاع السيارة, ولانه كذلك ترك سكرتيرته تموت غرقا ولم يفكر حتى في ابلاغ البوليس أو الاسعاف. هذا ما يحدث عندهم, أما ما يحدث عندنا فهو معارضة شديدة لكل من يتناول الظروف الشخصية للحكام والشخصيات العامة, وهم يدعون أن القارئ العربي والمسلم ليس متعودا على القراءة في هذه الجوانب الخاصة جدا من حياة هذه الشخصيات كما هو شائع هناك, عندهم, في الدول الديمقراطية. أهذا معقول؟ وقد وجه صلاح عيسى هذه الملاحظة لهيكل في الحوار الذي أجراه معه لصحيفة (الأهالي) المعبرة عن حزب التجمع اليساري. كان الحوار في يوم الأربعاء 24 ابريل ,1984 في وقت كانت القيامة قد قامت ضد هيكل بعد أن تعرض في (خريف الغضب) لعقد اللون والفقر التي حكمت السادات وطاردته. قال هيكل: (الذين يقولون ذلك اما انهم لم يقرأوا كتب المؤرخين العرب والمسلمين, واما انهم يحتقرون عقلية القارئ المصري, ولو قرأوا كتب السلف الصالح من المؤرخين مثل المقريزي وابن اياس وابن تغري بردي والسخاوي لوجدوهم جميعا يربطون ظروف نشأة الحاكم وصفاته النفسية الخاصة بطريقته في الحكم, ولو راجعت أبواب التراجم في تلك الكتب لوجدت حديثا كثيرا عن أصول السلاطين الأسرية وزوجاتهم وأهوائهم وكل ما له تأثير على قراراتهم, بل ان المصريين العاديين في كل العهود لم يكفوا أبدا عن الاهتمام بسلوك حكامهم الشخصي, وهم حساسون جدا من هذه الناحية, وهم أذكياء في التقاط ما هو مؤثر من الصفات الشخصية في اسلوب الحكم وفي طريقة إدارته, فليس صحيحا ان القارئ العربي لم يتعود أن يقرأ عن حكامه بالطريقة التي كتبت بها, والذين يقولون ذلك يقرون بتمييز القارئ الأوروبي والأمريكي على القارئ المصري, وانه يستطيع تناول حكامه بما لا يجسر عليه المصري حتى بعد أن يصبح هؤلاء الحكام تاريخا) . قال صلاح عيسى: (أظن ان الذين يقولون ذلك يخلطون بين الحياة الخاصة للرجل العام والحياة الخاصة للمواطنين العاديين) . فسر هيكل: (هذا صحيح, هناك فرق بين الرجل العام والرجل الخاص, فالرجل العام يتقدم ليتحدث باسم الناس وينوب عنهم ويتصرف في مصالحهم ويصدر قرارات تمس حياتهم اليومية, ومن هنا فتصرفاته وسلوكه ومزاجه النفسي والعوامل التي أثرت في نشأته ينبغي أن تكون محل اهتمام الناس ومن حقهم أن يعرفوها ويفهموها, أما الرجل الخاص الذي يقتصر اثر تصرفاته على نفسه وعلى أسرته فليس من حق أحد أن يهتم بما هو خاص من شئونه إلا الذين تربطهم به علاقات مباشرة, ولقد ناقش المؤرخون وما زالوا يناقشون حياة الخلفاء فهل معقول ان يطالبنا أحد ألا نناقش حياة حاكم لم يكن خليفة وليس هو نبي؟) . (حين يموت مواطن عادي وقد ترك لورثته ديونا يقع العبء عليهم وحدهم, أما حين يتولى حاكم كالرئيس السادات حكم مصر وديونها ثلاثة مليارات دولار فقط ثم رحل عن الدنيا وقد وصلت هذه الديون إلى 25 مليارا, خدمتها السنوية وحدها توازي ثلاثة مليارات دولار, أي ثمانية امثال الدين الذي بدأ به حكمه, ومع ذلك من المصريين من يطالب بمصادرة حقنا في ان نناقشه, هل من المعقول ان يأتي كل حاكم ويفعل ما يشاء ثم يذهب فلا نناقشه في حياته ولا نناقشه بعد مماته.. اهذا معقول؟ وفي هذه القضية يعتبر الدكتور فؤاد زكريا (غير المعجب بهيكل) ان هيكل (مبالغ في العوامل الفردية والعائلية التي تحكمت في نشأة السادات وصبغت شخصيته فيما بعد بصيغتها المميزة) ويفسر الفيلسوف المعاصر رأيه في كتابه (كم عمر الغضب؟) قائلا: صحيح انه حين يكون الحكم فرديا مطلقا تلعب شخصية الحاكم واهواؤه وربما نزواته دورا لايستهان به يمكن ان ينعكس على قراراته المصيرية, ولكن المشكلة هي ان العوامل الشخصية تقبل اشد التفسيرات تنوعا, فالابن الذي يضطهده ابوه او يسيء معاملته مثلا يمكن ان يتحول الى انسان منحرف يضطهد الآخرين عندما يكبر ويكون انحرافه هذا رد فعل على نشأته الاولى, ولكنه يمكن ايضا ان يكون انسانا حنونا عطوفا على الآخرين لايريد لهم نفس المحنة التي مر هو ذاته بها, ويكون هذا ايضا رد فعل على نشأته الاولى, وهكذا فان الحديث عن العقد النفسية للطفولة وتأثيرها في الانسان البالغ هو دائما حديث محفوف بالمخاطر يقبل اشد التأويلات تناقضا. شاهد أم شريك؟ على انه سواء أكان هيكل مبالغا في تقدير العوامل الفردية والعائلية أم متوازنا في تقديرها فان هذه العوامل لها اهمية عنده, ومن ثم فالبحث عنها في حياته هو الخطوة الاولى في كتابة سيرته الذاتية. وهناك قضية جوهرية ثانية في سيرة هيكل, هل كان شاهدا على عصوره ام كان شريكا في صياغة بعضها؟ هل نعامله كسياسي لعب دورا فيما جرى ام نعامله كصحفي كانت مهمته المراقبة والكتابة؟ بصيغة اخرى كيف تداخلت وتشابكت خيوط الصحافة مع اسلاك السياسة الشائكة؟ وهناك قضايا اخرى لا تقل اهمية تطرحها وتفجرها حياة هيكل, لكن يصبح السؤال الاهم هو ما (الهدف) من هذا الكتاب عنه؟ ان لكل كتاب هدفا يسعى مؤلفه للوصول اليه, فما هدف هذا الكتاب؟ والاجابة على السؤال هي بسؤال آخر: كيف حافظ هيكل على نفسه ووجوده وقلمه وظل فاعلا مؤثرا منذ بدأ مشواره الصحافي في بداية الاربعينيات؟ كيف واصل هذا المشوار في ظل 4 عهود سياسية مختلفة, فاروق الاول, جمال عبدالناصر, انور السادات, وحسني مبارك؟ كيف نجا من السقوط الذي هو عادة مصير صحافي مثله ارتبط بعلاقة متينة بزعيم مثل جمال عبدالناصر بعد أن رحل الأخير في سبتمبر 1970؟ وكيف تعايش بعد انقلاب انور السادات عليه في فبراير 1974؟ كيف واجه كتائب الذئاب الشرسة التي راحت تنهشه وتمزقه لمدة 7 سنوات كاملة قاسية منذ خرج من الاهرام وحتى اغتيال السادات؟ كيف واصل تأثيره في الوقت الحالي رغم مقاطعة الصحف لمقالاته واجهزة الراديو والتلفزيون لصوته وصورته وآرائه؟ كيف ظل محافظا على مكانته رغم انه ترك مكانه؟ واخيرا ماهي عوامل استمراريته .. نظام رياضي وغذائي صارم... ام دأب على متابعة ما يجري في العالم اولا بأول... ام تدريب شخصي على ان ينفذ ما يريد في الوقت الذي يريد... ام قدرة فائقة على التعامل مع الآخرين... ام كل هذه العوامل واكثر مجتمعة معا؟ ولعل كتابا عن هيكل من هذه الزاوية يجعله درسا مفيدا لكل من يواجه تقلبات الحياة عامة وفي الصحافة خاصة. بل استطيع ان اقول ان اقترابي منه في فترة كنت اتعرض فيها لبعض ما تعرض له هو من قبل ساعدني على ان افهم ما جرى لي, واستوعبت الانقلابات التي وقعت ضدي, وافسر التغييرات التي حدثت حولي, وكان رأيه ان انظر الى الامام متجنبا النظر الى الوراء, وكان رأيه انني اخترت مواقفي, واخترت التمرد على السرب وعلى القطيع وعلي ان ادفع الثمن بمفردي من دون ان اغضب من الآخرين ـ حتى الذين كان لهم مصلحة فيما فعلت ـ لانهم لم يقتسموا معي (الفاتورة) . وكان رأيه ان الصحافي الذي يتجاوز الخطوط الحمراء اشبه بذلك الحيوان البحري المغطى بصدفة ويقاتل بكلاباته الحادة مع من هم اكثر شراسة منه, فيكسب ويخسر, وينتصر وينهزم , حتى اذا ما اصيب بشرخ في قشرته التي تغطيه عليه ان ينسحب مؤقتا بعيدا حتى تتكون له قشرة جديدة, ليعود بعدها للقتال. الخروج من (الاهرام) هو نفسه عاش ـ على مايبدو ـ الموقف نفسه بعد ان خرج من رئاسة تحرير (الاهرام) في 8 فبراير 1974 وجاء الى موقعه صديقه القديم وخصمه الجديد علي امين, لقد قال هيكل فيما بعد: (كنت بعد الاسبوع الاول من شهر فبراير ـ اسبوع البحر الهائج من حولي ـ قد قررت بسرعة ان ابتعد الى جزيرة نائية. (لم اكن اريد ان اكون طرفا في شيء مما رأيته يهدر امامي متدفقا كحمم البركان, كان رأيي ان اترك البراكين كلها تنفجر على هواها وتفرغ المحبوس في صدرها من اللهب حتى تهدأ وتخمد وتتحول كل النيران الى رماد وكتل صخر جامد وبقايا دمار. (مثل الذي يحدث في التاريخ ازاء كل تحول كبير ابتداء من اديان السماء (الردة بعد الاسلام) الى ثورات الارض (عودة البوربون بعد الثورة الفرنسية). (ولم يكن بي خوف على الحقيقة في يوم من الايام سوف تشرق الشمس, ثم ان حركة التغيير الانساني كلها لم تتأكد الا بمحاولة نفيها. (كانت الجزيرة النائية التي عزلت فيها نفسي وابتعدت هي مكتبي في بيتي, وركزت جهدي كله على كتابة (الطريق الى رمضان) وكان كتابا عن مصر في اعقاب نكسة 1967 الى حرب اكتوبر 1973. (وكانت الاصوات والاصداء تصلني عما يجري خارج مكتبي وبالذات في كواليس السياسة والصحافة, ولم اسمح لنفسي ان انشغل به كثيرا, وكان بعض اصدقائي يبدون دهشتهم مما ظهر لهم وكأنه نوع من اللامبالاة, ولم يقنعهم قولي انني امام لحظة انحسار تاريخي لابد لها ان تأخذ مداها, ثم ان اعتراضها نوع من الحمق اولى منه التذرع بالصبر حتى تفرغ السحب شحناتها من البرق ثم تشرق الشمس وينجلي وجه الحق والحقيقة (هيكل) بين السياسة والصحافة صفحة 384. ان الدرس الذي تعلمته من هيكل في وقت عشت فيه ظروفا مشابهة لبعض مما عاشه في بلاط الصحافة والسياسة كان واحدا من الاسباب التي دفعتني للتفكير في هذا الكتاب. لقد نجحت في ان ارتفع بتوزيع (روزاليوسف) من 7 آلاف نسخة الى اكثر من 150 ألف نسخة اسبوعيا, وشكرت الذين تكرموا بوصفي بمسيح الصحافة الذي يحيي المجلات الميتة, وكان ان خرجت من تحت عباءة المهنة الخناجر والسكاكين, ونجحت في ان اعطي فرص النجاح والتفوق لجيل جديد من الصحافيين كان يشكو من غياب الاستاذ من دون ان يحاسب نفسه فيما بعد على غياب الوفاء للاستاذ, وكشفت قضايا الفساد, كشفت قوادا باع كل شيء, وكشفت رجل اعمال اخذ ما لا يستحق, وكشفت صحافيا يحاولون نفخه كالبالون لم يطبق عليه حكم المحكمة الذي طبق على زملائه وفي المقابل ادخل احد نشطاء حقوق الانسان السجن بدلا منه, وقد تحالف كل هؤلاء معا مستخدمين شاعرا فقد ظله وجذوره وقفز فوق اكتافي وراح يسب ويشتم وحول صرف النحو الى صرف آخر, الصرف الصحي. وشعرت في هذه اللحظات بدعم هيكل الانساني وبخبرته في التعامل مع هذه المواقف, وهنا اهمية التواصل بين الاجيال, فليس مهما ان تصاب بجرح في معركة, وانما المهم ان تكون مناعتك قوية وقادرة على الشفاء وعلى الفوز في النهاية, وليس مهما ان تفقد موقعك, وانما المهم ان لا تفقد نفسك, ولا ايمانك بالحق. انني لا اهوى عبادة النجوم, فالنجوم عادة تماثيل من (عجوة) نعبدها, ثم نلتهمها. اننا نصنع النجوم من خيوط الضوء, ونرسم صورها بأشعة (الليزر) المتحركة على موسيقى ناعمة او صاخبة, وعندما تطفأ الانوار ويسود الظلام وينصرف الجمهور, يصبح النجم وحيدا, حزينا, تشوه دموعه المكياج, فقد انتهى العرض, واحترقت الصورة, اصبحت الصورة (نيجاتف) . لكن هيكل هو نجم من طراز مختلف, فالضوء يتكاثر وينضج وينطلق من داخله, من عقله وافكاره وصموده ومعاركه, ينطلق من امتزاج الكلمة بالرؤية, والرأي بالخبرة, والكتابة بالرشاقة, والبصر بالبصيرة, والتعبير بالتغيير, والبقاء بالاستمرار, لذلك فهو يزداد بريقا عاما بعد عام, ويزداد نجومية كتابا بعد كتاب, ومقالة, وحوارا بعد حوار. واجدني متحمسا لاهداء هذا الكتاب للاجيال الجديدة في مصر ليس في الصحافة فقط وانما في كافة نواحي الحياة في هذا الوطن, فقد ولدت هذه الاجيال في مواقعها العملية وكبرت ونمت وتحمست للتجديد والتطوير دون ان تجد من يعطيها القدوة والفرصة, بل انهم حرموها من خبرات وتجارب من سبقوهم من اجيال, بل وعاقبوها لتمسكها بفضيلة الوفاء, ولم يترددوا في ان يواصلوا الطرق على رأسها بمطرقة الاعلام الكاذب المشابه للحمل الكاذب حتى تفقد الذاكرة او حتى لايبقى من الذاكرة الا ما يعين بقاء دجاجة على نبش الارض بحثا عن حبات قمح او حبات رمل, ولذلك لم يكن مستغربا ان هذا الوطن كان يبدأ دائما من الصفر, فالصفر في كل تجاربنا السياسية والمهنية والعاطفية هو اكبر الارقام. وبعد هذه المقدمة, التي طالت نضع المفتاح في الباب, وندخل في الموضوع مع الايمان بان الله خير حافظ, والثقة في انه لن يصيبنا الا ما كتبه لنا, وان الزبد يذهب جفاء ولايمكث في الارض الا ما ينفع الناس.