ان تمارس دولة اوروبية تمييزا دينيا ضد اقلية مسلمة في مواطنيها امر خطير بما يكفي, لكن الاخطر والاشنع ان تسلك مؤسسة اوروبية مثل هذا المسلك في بلد اغلبية مواطنيه مسلمون. هذا الاسبوع وقعت حادثتان لا رابطة بينهما من حيث التوقيت او التدبير او حتى الموقع الجغرافي.. لكنهما متطابقتان من حيث المغزى. في مدينة (نيس) الفرنسية تجمع نحو 250 شخصا يمثلون الجالية الاسلامية في المدينة امام مبنى البلدية للاحتجاج على ما ابداه رئيس البلدية من معارضه لبناء مسجد في المدينة. وفي مدينة الاسكندرية المصرية منعت ادارة مدرسة (الليسيه) , وهي مدرسة فرنسية, طالبة مصرية من دخول الفصل لا لسبب الا لانها كانت ترتدي الحجاب الاسلامي. ان هاتين الحادثتين لايمكن ان تفسرا الا بأنهما تعبران عن نوايا عدوانية مبيتة ضد الاسلام وتعكسان نظرة تمييزية حتى من منظور القيم الغربية لحقوق الانسان. في الحادثة الاولى لم يترك رئيس البلدية الفرنسي زيادة لمستزيد, فقد نشرت وسائل الاعلام الفرنسية خطابا رسميا له بعث به الى رؤسائه في باريس يقول فيه ما نصه: ان (المساجد اماكن للعبادة يصعب تصورها في جمهورية علمانية) . ان رئيس البلدية, ويدعى جاك بيرا مسيحي, وما يجمع بينه وبين مسلمي مدينة نيس كأي فرنسي مسيحي آخر, هو المواطنة والدستور الفرنسي ينص صراحة على المساواة بين المواطنين بغض النظر عن العقيدة الدينية, وفي السياق نفسه ينص الدستور على حرية العبادة لاتباع جميع العقائد الدينية كحق من منظومة حقوق الانسان المفصلة في الدستور, فعلى اي اساس دستوري او قانوني يستخدم رئيس بلدية نيس وضعه النافذ لحرق الدستور والقانون ضد مجموعة من مواطني المدينة ـ وهم فرنسيون قانونا مثله ـ ليمنع اقامة دار للعبادة؟ وهل لو ان اصحاب الطلب مسيحيون يريدون بناء كنيسة.. اكان هذا الموظف النافذ يتصرف بنفس الطريقة؟ اما حادثة المدرسة الفرنسية في الاسكندرية فانها اغرب, لقد وقعت حادثة مماثلة داخل فرنسا العام الماضي طالت طالبة فرنسية مسلمة من اصل جزائري, منعت ايضا من دخول الفصل الدراسي لانها ترتدي الحجاب وكانت حجة ادارة المدرسة هي انها تلتزم بتقاليد تحجر على الطالبات جميعا ارتداء اي شيء يمكن ان يرمز لعقيدة دينية بعينها بما في ذلك ارتداء الصليب المسيحي. واذا وافقنا جدلا على ان مدرسة فرنسية داخل فرنسا ربما يحق لها ان تلتزم بتقاليد معينة يجب ان ينطبق على طلابها المسلمين مثل غيرهم فكيف يحق لمدرسة فرنسية ان تمارس نفس الامتياز في دولة اخرى اغلبية مواطنيها مسلمون؟ ان الحادثتين تكشفان خدعة (حقوق الانسان) بالمفهوم الغربي وعداء الغرب الكامن للاسلام, فهي مبدأ ساري المفعول اذا كان الضحية مسيحيا او يهوديا, لكن مفعوله يبطل عندما يكون الضحية مسلما او عندما يتطلب موقفا معينا اتخاذ تدبير او اجراء ضد مسلم فرد او مجموعة من المسلمين حتى لو كانوا مواطنين قانونا في مجتمع غربي. ولازدواجية مفهوم (حقوق الانسان) وجه سياسي ايضا.. على طريقة التشهير او غض البصر حين يتعلق الامر بتعامل الدول الغربية مع دول العالم الثالث. تشن حملة شرسة على دولة نامية يحكمها نظام استبدادي دكتاتوري اذا كان هذا النظام يعتمد لنفسه توجهات سياسية تتعارض مع مصالح غربية حيوية, ويغض البصر عن نظام آخر اشد استبدادا اذا كانت سياساته ملائمة للمصالح الغربية. ومع ذلك نجد من بيننا من يسمح لنفسه بقبول المفاهيم الغربية للحرية وحقوق الانسان على ظاهرها وكأنه لايرى ولايسمع.