من المؤسف أن يتفشى الجهل أو القصور فى وطننا العربى بأبعاد اللعبة النفطية, رغم أن أضخم الاحتياطات العالمية من النفط كامنة فى التربة العربية (643 مليار برميل), لا أعني بهذا الجهل أو القصور النخبة العربية المتخصصة فى هذا الشأن الحيوي الذى يتعلق به مصير الحياة والتقدم فى العالم, وانما لأنه يتراجع كثيرا عن الإدراك الشعبى والاهتمام الاعلامى بغيرها من القضايا الاقتصادية والمعيشية, فى الوقت الذى يتابع رجل الشارع فى الغرب وغيره من الدول المستوردة للنفط تقلبات أسعاره بشكل يومى وجاد, ويعرف أدق التفاصيل التى تتعلق بهذا الموضوع, لكونه ينعكس إيجابا وسلبا على قوت يومه ورفاهيته ومستقبله بوجه عام, ولعل أرتال السيارات التى توقفت الأسبوع الماضى عن الحركة فى العديد من الدول الأوروبية, وتهديد عمال النقل بالإضراب عن العمل يشي بحالة القلق والترقب إزاء ارتفاع أسعار الوقود مؤخرا, وممارسة الضغوط على حكوماتها لتخفيض الرسوم الحكومية المقررة على استهلاكه من جهة, ومساندتها من جهة أخرى فى مواجهة الدول المصدرة للنفط حتى تستجيب أو ترضخ لزيادة انتاجه وخفض أسعاره بالتالى. على أن النفط با عتباره ثروة مستنفدة, بمعنى أنه مادة تكونت عبر ملايين السنين, ومايتم سحبه يعنى استحالة تعويضه, من هنا تكمن خطورة الضغوط التى تمارس ضد الدول المنتجة لزيادة الضخ بمعدلات قد لا تتناسب مع حجم مخزونها النفطى, ولا مع احتياجاتها الحالية للانفاق العام وتمويل خطط التنمية, والأدهى والأمر هو استنزاف هذه العائدات عبر اغراق السوق بالنفط, وزيادة العرض عن الطلب و.. تلك هى المؤامرة المكشوفة التى تمارسها أمريكا تباعا منذ أصبحت القوة العظمى الاحادية فى العالم. المعروف أن منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) المخولة بضبط عملية التوازن بين عملية الانتاج وعملية الاستهلاك العالمى بما يحقق مصالح الجانبين, ولا شك أنها لعبت دورا مشهودا فى الحد من انفلات عملية الانتاج العشوائي التى تقوم بها الدول الأعضاء وغير الأعضاء, ورغم ذلك ارتفعت الأسعار وليس العكس نتيجة زيادة الطلب على النفط, وتراوحت مابين 25 دولارا و30 دولارا للبرميل, ومع ذلك تتدنى هذه الأسعار كثيرا عن مثيلاتها فى السبعينيات حيث وصل سعر البرميل إلى 40 دولار, بينما المشكلة فى حقيقتها لا تتعلق بزيادة الطلب عن العرض فحسب, وانما فى الرسوم والضرائب التى تفرضها الدول الغربية على الاستهلاك الداخلى للنفط بنسبة تراوحت بين 40 إلى 80 فى المائة, حتى وصل فى بعض هذه الدول الى 150 دولار للبرميل الواحد, ومن ثم تحويل الفرق الى مورد أساسى ضخم فى ميزانية الدولة يكاد يعادل موارد الضرائب, وعلينا اذن ان نتساءل: لماذا لا تنخفض أسعار المنتجات الصناعية الغربية كالسيارات والطائرات والالكترونيات التى يتم تصديرها للدول النامية والمصدر للنفط بالتوازى مع انخفاض أسعاره, لكأن على الدول المنتجة للنفط أن تظل الغارمة وحدها فى كلا الحالتين! والشاهد أن أمريكا راهنت على نجاح التعاون مع السعودية فى كبح جماح الارتفاع الطارئ فى الأسعار, حتى تضطر كثير من الدول المصدرة لمسايرتها فى زيادة الإنتاج, خاصة أن السعودية تملك من الاحتياطيات النفطية الضخمة مايربو على 550 مليار برميل, بما يتيح لها المخاطرة الآمنة بزيادة الانتاج, وبمايفوق حصتها المقررة من أوبك فى حدود ثمانية ملايين ونصف مليون برميل, ومن هنا ثارت المشكلة التى حاول الاجتماع الذى عقدته (أوبك) معالجتها الأسبوع الماضى, فكان الاتفاق على خفض نسبة الزيادة فى الانتاج الذى أصرت عليه أمريكا من مليون برميل يوميا إلى 800 ألف برميل, ورغم ذلك لا يتوقع الخبراء ثبات الأسعار أو انخفاضها, وربما واصلت ارتفاعها إلى 30 دولارا وأكثر للبرميل, نتيجة توقع الزيادة فى الطلب والاستهلاك مع قدوم فصل الشتاء, مما قد يغرى بعض الدول الاعضاء الى انتهاز الفرصة وزيادة الانتاج قبل انعقاد قمة أوبك في العاصمة الفنزويلية كاركاس نهاية سبتمبر الحالى ثم الاجتماع الدورى لأوبك يوم 12 نوفمبر المقبل لتقييم الوضع. والحقيقة أن قضية النفط فى وطننا العربى فى مسيس الحاجة الى المراجعة ووضع الخطط الكفيلة بالحفاظ على هذه الثروة, وتحقيق أقصى فائدة متاحة من ورائها على صعيد الحاضر وتأمين مستقبل الأجيال القادمة, ومن ثم البحث عن موارد جديدة للدخل القومى, بالنظر الى استنفاذ احتياطيات النفط, تباعا مع استبعاد تعويضها مع نهاية القرن الواحد والعشرين, ثم أن الغرب لا هم له ولا يبخل بالصرف على الأبحاث الرامية لاكتشاف طاقة بديلة عن النفط, وإذا كانت الدول العربية المنتجة للنفط قد بددت عائداته التى تضخمت مع اندلاع حرب أكتوبر 1973 فى الانفاق العام أو مشروعات التنمية, الا انها تتضاءل كثيرا عن حجم مشتريات الأسلحة التى تروج الدول الغربية لضرورتها الدفاعية, واذا كانت أمريكا وحلفاؤها يمارسون ألوانا وأشكالا من الضغوط على الدول العربية النفطية للحد من ارتفاع أسعار النفط, فالمطلوب أن تمارس وغيرها من الدول المصدرة للنفط ضغوطا فى المقابل للاحتكام للسوق وآليات العرض والطلب, خاصة أن النمو الراهن فى أسواق الدول المستهلكة, من شأنه أن يوفر السيولة المطلوبة للدول المصدرة التى تعانى من وطأة الديون والى حد الاقتراض من الخارج, ولعل روسيا أبرز مثال على ذلك وغيرها كثر فى الوطن العربى, لكن مايهمنا كعرب ان الادعاء بفقدان سلاح النفط فاعليته مجددا فى الانتصار لقضايانا المصيرية بشكل أو بآخر لم يعد يكتسب أدنى مصداقية, ولا أدل على ذلك من طرح قضية تأمين تدفق النفط للدول الصناعية لأول مرة كقضية محورية بالغة الأهمية فى انتخابات الرئاسة الأمريكية, وتراجع أمريكا عن تهديداتها بإغراق الأسواق من احتياطياتها النفطية الاستراتيجية كما حدث منذ عامين, كونها نذير شؤم بأزمة اقتصادية عالمية! صحفي مصري