تستند مفاوضات عملية السلام في الشرق الاوسط على ما تنص عليه الشرعية الدولية المتمثلة في قرارات الامم المتحدة والخاصة بحل النزاع في الشرق الاوسط اضافة الى التقارير الميدانية والقانونية المتعلقة بالنزاع, والتي اصدرتها الامم المتحدة ومنظمات حقوق الانسان. وبالرغم من هذا فإن الجانب العربي عامة والفلسطيني بصفة خاصة قد تخلوا عن المطالبة بحل النزاع بوساطة الامم المتحدة وتبنوا الولايات المتحدة كحكم ووسيط في هذا النزاع الى درجة ان المفاوضات عادة ما تضم ممثلين عن العديد من (الرعاة) الاخرين مثل روسيا والمجموعة الاوروبية ولكن بدون مراقبين او خبراء من الامم المتحدة للمساعدة في تضييق فجوة الخلاف بين الطرفين والمساهمة في تفسير القرارات المنبثقة عنها حسب القوانين والمواثيق الدولية. ولعل هذا من احد الاسباب التي زادت بسببها مدة المفاوضات على تسع سنوات. وبالرغم من الجهود الامريكية المكثفة لتقريب وجهات نظر ومواقف الطرفين فإن الطريق امام انهاء النزاع نهائيا لا يزال طويلا حتى بعد توقيع اي اتفاق نهائي بين الاسرائيليين والفلسطينيين. وللحقيقة فإن المواقف الاسرائيلية الحالية افضل بكثير عما كانت عليه قبل عقد من الزمن حينما كان رفع العلم الفلسطيني جريمة وحينما كانت اسرائيل لا ترضى ولا تحتاج للتنازل من اجل السلام. ولابد من الاعتراف بأنه بالرغم من التعنت الاسرائيلي الدائم الا انه قد سقطت الكثير من ثوابت السياسة الاسرائيلية اثناء هذا المشوار الطويل وكان آخرها الموقف الاسرائيلي الرافض كليا للتفاوض على القدس ورفض مناقشة عودة اللاجئين الفلسطينيين. ولعل الموضوع الثاني لهو مؤشر قوي على ما يمكن تحقيقه فيما يخص الموضوع الاول, فرئيس الوزراء الاسرائيلي مسح الموقف الاسرائيلي برفض العودة نهائيا واقترح تحت ضغوط الولايات المتحدة لتقديم تنازلات اثناء جولة المفاوضات الاخيرة في كامب ديفيد السماح بعودة 150 ألف فلسطيني مما حول المفاوضات من مرحلة التفاوض على المبدأ الى التفاوض على الارقام والاجراءات مما يعد انتصارا تفاوضيا واختراقا سياسيا فلسطينيا لا انكار له. وهنالك كذلك مبدأ اقامة الدولة الفلسطينية وهو ما كان يعتبره كافة الاسرائيليين قبل المفاوضات انتحارا وقد اصبح الآن مطلبا امنيا اسرائيليا وعالميا ليس له اي بدائل مجدية. اعتقد انه لا داعي للاطالة هنا وبالتدقيق جيدا في المواضيع المجدولة على اجندة المفاوضات نجد العديد من الامثلة الاخرى على هذا التغيير الملحوظ. المضحك في الامر ان معظم هذه المواضيع لم يشملها قرارا الامم المتحدة 242 وانما 181 وهو قرار التقسيم الذي ظل عالقا في عنق الفلسطينيين اكثر من 40 سنة قبل ان تجبرهم احداث المنطقة في النهاية الى ان يبتلعوه بكل ما يتضمنه من اجحاف بحقوقهم المدنية والاجتماعية والدينية والسياسية. وها نحن قد عدنا ادراجنا للتفاوض حول تنفيذ هذا القرار الذي لا يوجد اي حد زمني يلغي سريان مفعوله وهو القرار الذي تعتمد عليه المجموعة الاوروبية في رفضها الاعتراف بالتواجد الاسرائىلي خارج حدودها التي كانت عند صدور ذلك القرار. لذا فإنه من الضروري الآن التشبث بالقرار 181 اكثر مما مضى فهو الذي يعطي الموقف العربي والفلسطيني صلابة تفاوضية اكثر وبموجبه وعلى اساسه انطلق مبدأ التقسيم الذي نتفاوض عليه وبدونه لن يكون لدينا مرجعية دولية قوية وحجة مقنعة على الصعيد السياسي الدولي. او الوصول الى نهاية المفاوضات يعني ان الحدود التي يتم التوقيع عليها ستكون قانونيا سليمة وستلغى بموجبها كل ما سبقها من تشريعات بما فيها قرارات الامم المتحدة ومنها 181 وبالتالي فإن كل متر من الارض يتم التنازل عنه الآن سيكون قد فقد للأبد, فالتنازل النهائي ليس كالتنازلات المرحلية التي يمكن التفاوض عليها في مراحل اخرى. ان القيادات الفلسطينية مطالبة الآن بوضع تنفيذ القرار 181 على اولويات مائدة المفاوضات بصورة جديدة والضغط للحصول على المزيد من المكاسب بموجبه. كما انها مطالبة برفع مستوى التمثيل العسكري في صفوف مفاوضيها كما فعلت اسرائيل ليكون هنالك تكافؤ في التفاوض من الناحية الاستراتيجية وخاصة فيما يتعلق بالمطالب الاسرائيلية بالالتفاف حول الدولة الفلسطينية من ناحية نهر الاردن الاستراتيجي لمنع الفلسطينيين من التحكم في منسوب المياه في البحر الميت ومحاصرتهم من كافة الجهات. كاتب فلسطيني