ما زال الباب مفتوحا أمام المزيد من الطروحات والحلول لهذه المشكلة المستعصية جدا, المعقدة جدا, وذات البعد العالمي جدا, أقصد مشكلة التركيبة السكانية. فبعد أن نتجول في العالم شرقه وغربه, شماله وجنوبه, يتضح لك بما لا يدع مجالا للشك أن كل المجتمعات تعاني وتصرخ بصوت حاد جدا أحيانا بسبب هذه المشكلة. وبرغم ان العولمة ترتدي أحذية من ريح وتكتسح كل المجتمعات أنظمة وبشرا وأفكارا, وبرغم كل محاولاتها الدؤوبة, الناعمة والباطشة لاعادة صياغة البشرية بما يتناسب ومبدأ التذويب وسيادة النموذج الوحيد وفرضه على الجميع.. إلا ان هذا الجميع لا يبدو عليه انه اقتنع بكل خرافات العولمة! والمشكلة السكانية العالمية خير دليل. لا تريد المجتمعات ذات الخصوصية الثقافية والسياسية والتاريخية أن تتخلى عن خصوصيتها لأجل الآخرين, لا تريد أن تذوب, لا تريد أن تتحول إلى خليط مهجن بلا طعم ولا لون ولا رائحة, تريد أن تبقى شوارعها محتفظة بنكهتها, وكذلك مدارسها, اعلامها, لغتها, وان تبقى الأجيال تتداول طقوس الآباء والأجداد دينا ولغة وعادات, دون حاجة للرضوخ إلى ثقافات الآخرين. ألمانيا واحدة من هذه المجتمعات, وبلجيكا نموذج حي لهذا الصراخ اليومي ضد ظاهرة الهجرة التي يرونها ستغرق بلاد البلجيك في موزاييك عرقي ثقافي ينذر بالخطر الأكيد. ولذلك يصرخ زعيم أحد أكبر الأحزاب البلجيكية قائلا: (أريد بلجيكا أن تبقى بلجيكية الثقافة مسيحية الديانة, لا أريد شيئا يهدد شوارعنا بالجريمة وأبناءنا بفقدان الهوية, ولو ترك الأمر لي ـ كما يقول ـ لوضعت كل هؤلاء المهاجرين (وسمى جنسية عربية بعينها) في طائرة وألقيت بهم في عرض المحيط) جاء ذلك في برنامج تلفزيوني بثته القناة الأولى لتلفزيون بروكسل خلال هذا الصيف. تخيلوا أن يقف زعيم سياسي كبير وسط تجمع بشري هائل يصرخ بكل عنصرية وحقد (كما نعتقد نحن) ليقول هذا الكلام ضد تواجد جالية عربية تعدادها أقل من 300 ألف نسمة, بينما التعداد الرسمي لسكان بلجيكا نحو عشرة ملايين نسمة! فهل يمكن أن يشكل هؤلاء الـ 300 ألف كل هذا الرعب لهذه الملايين العشرة؟ فماذا تقول المجتمعات التي يشكل السكان فيها أقلية؟ نعم يمكن لهؤلاء المهاجرين أن يشكلوا رعبا ما, وقد يكون من الانصاف أن نقول إن لكل مجتمع وجماعة الحق في الدفاع عن ثقافتها وشخصيتها وذاتها بالطريقة التي تراها, شرط ألا تعتدي على الآخرين أو تلحق بهم ضررا ما, ومع ذلك فإن الدفاع عن الذات قد يطرح فكرا عنصريا كما جاء في كلام زعيم الحزب البلجيكي, برغم ان بلجيكا قد اعترفت بالاسلام كدين رسمي ثانٍ هناك العام 1974. ومع ذلك فالحق يقال, ان تجوالا سريعا في شوارع وأزقة هذه البلاد الأوروبية الهادئة والاحتكاك بهذه الجاليات يجعلك تقول في نهاية المطاف: لهم الحق في الصراخ ضد تواجدهم, فهذه الجاليات أحيانا تمارس عبثا وتحطيما وسلوكا غير متحضر ما يدفع للغيظ والعنصرية أحيانا.