رفيق مشاكل مازالت تجرجر أذيالها يصبح السؤال: لماذا كتاب عن هيكل؟ هل نحن في حاجة لإضافة كتاب جديد عنه؟ إن أرشيف هيكل يضم نحو 880 مقالاً كتبها في (الاهرام) تحت عنوانه الشهير (بصراحة) وقد طبعت في بداية عام 2000 على اسطوانة مضغوطة اشرفت عليها الدكتورة هدى عبدالناصر, ويضم ارشيف هيكل كذلك مئات من المقالات عنه والحوارات معه وعروضاً لكتبه ومحاضراته وندواته ورصداً لأخباره ومتابعة لتصريحاته وتفريغاً لشرائط احاديثه الاذاعية والتلفزيونية, ويصعب ان نرصد كل الكتب التي صدرت عنه بكافة اللغات بما في ذلك اللغة العربية, كما يصعب تصنيف من معه ومن ضده, ويمكن أن نتوقف عند بعض الرسائل الجامعية التي اختارته موضوعاً لها, ومنها رسالة الدكتوراه التي قدمها منير ناصر بعنوان (الصحافة والسياسة والقوة: هيكل مصر والاهرام) المنشورة باللغة الانجليزية في جامعة (أيوا) الامريكية في عام 1979, ورسالة الدكتوراه التي قدمها جمال الشلبي لجامعة السوربون في عام 1995 واشرف عليها البروفسور فرانسوا مون كوندوي استاذ العلوم السياسية وعنوانها (هيكل) استمرارية أم تحول؟) .. ورسالة الماجستير التي قدمها في تونس رياض الصيداوي بعنوان (هيكل صحفيا وسياسيا) . فهل نحن بعد كل ذلك في حاجة لإضافة كتاب جديد عنه؟ تجربة المعرض لقد عرفت هيكل عن قرب ولكن في سنوات متأخرة, في فبراير 1993, بعد حوالي 50 سنة من بدايته الصحافية وبعد حوالي 20 سنة على تركه رئاسة تحرير (الاهرام) وبعد ان اصبح كاتبا مستقلا يعتمد في قوته على ما يكتب, وعلى ما يعرف, و(ليس في يده شيء) في الهواء الطلق (على حد تعبيره عن نفسه في كتاب (بين الصحافة والسياسة) . في ذلك الوقت كان هيكل لا ينشر كتاباته في مطبوعة عربية, لكنه كان يقول ما عنده مباشرة للناس, مرة كل سنة, في لقاء مفتوح في معرض الكتاب, وكان الجمهور الذي يتزاحم على هذا اللقاء ينافس جمهور كرة القدم في العدد, ويتجاوزه في القيمة. لكن في آخر لقاء له بجمهور المعرض قال بصراحة ما جعل توجيه دعوة جديدة له مسألة مستحيلة, وهكذا انتقل التربص بهيكل من الرأي المنشور الى الرأي المنطوق, من التعبير بالقلم الى التعبير باللسان, ولم تستمر تجربة المعرض, فقد وجدت من يخشاها, وكان أن وجدتها فرصة لأن أنقل جمهور المعرض الى قراء مجلة (روز اليوسف) وافتح حوارا على فترات وكلما دعت الظروف معه, وكان ذلك خلال الفترة التي توليت فيها مسئولية تحرير (روز اليوسف) من فبراير 1992 الى ابريل 1998. كان هيكل قد قال لجمهور المعرض, في آخر لقاء به, إن معدل النمو في مصر بالناقص, ومن ثم فإن مصر بدأت تأكل من لحمها الحي, وكشف عن ان متوسط دخل الفرد تراجع بنحو 60 دولاراً, وهو ما ضاعف من قسوة المعيشة, وفي الوقت نفسه وصل رقم البطالة الواعية والمتعلمة في مصر الى مليون وثمانمئة الف من خريجي الجامعات والمعاهد العليا والمتوسطة, وزاد التناقض بين الغني والفقير وهو تناقض صارخ يصعب تجاهله, وفيما بينهما اصبحت الطبقة الوسطى ـ وهي مستودع الحيوية الاجتماعية القادر على دفع موجات التقدم ـ مضغوطة ومحاصرة, وهو ما جعلها تتوقف عن الحركة وتعجز عن النهوض. وتمنى هيكل أن تخرج مصر من أزمتها, واقترح اعادة تنظيم الدولة, وفي مقدمتها رئاسة الجمهورية التي تعتبر في بلد مثل مصر مركز الاعصاب الحساسة للدولة وبالتالي فهي شأن الجميع (ومن حق أي مواطن ان يدقق ليكتشف انه ليس في الرئاسة إلا واحد أو اثنان من المستشارين, ومن المؤكد أن ذلك لا يكفي (واضاف هيكل: (ان هناك حاجة ماسة الى عقد اجتماعي جديد فيه نص صريح على حقوق الانسان بالمفهوم الشامل الذي توصلت اليه الامم المتحدة, من التعبير الى التعليم والصحة والعمل والديمقراطية والثقافة وحتى السعادة ايضا) , كذلك (فإن هناك حاجة ماسة الى اصلاح سياسي ودستوري ينظم العقد الاجتماعي الجديد بحيث يكون محترما وملزما) , وهناك (حاجة لتخفيف درجة الحرارة العامة في مصر ولابد من العمل على وقف حالة الحمى التي تعتريها وذلك بالعودة الى القانون) . (1) واعترف بأنني لم أخف اعجابي بشجاعة هيكل, ان المواقف المؤجلة لا قيمة لها, مهما كان الثمن الذي يدفعه صاحبها, إن الكاتب لا يساوم, ولا يختبىء تحت اللحاف اثناء البرد والظلام.. ولا ينتظر رحيل العاصفة حتى يخرج ليصطاد السمك.. الكاتب الحقيقي لا ينزل الى المخبأ عند انطلاق صفارات الإنذار.. ولا يكتفي برؤية بلاده وهي تحترق, ولكنه يفعل شيئاً لأنقاذها) . (2) وقد تضاعف اعجابي بهيكل بعد رسالته الشهيرة للجمعية العامة غير العادية لنقابة الصحافيين والتي عقدت لمواجهة القانون رقم 93 لسنة 1995 والذي كنت أول من وصفته بقانون اغتيال الصحافة, لقد قال هيكل تعليقاً على هذا القانون المشبوه والذي سقط فيما بعد: (إن هذا القانون في ظني يعكس ازمة سلطة شاخت في مواقعها وهي تشعر أن الحوادث تجاوزتها) . (3) وهي أشد عبارات النقد التي وجهت للسلطة الحاكمة في مصر, ولم يقلل من اعجابي بشجاعة هيكل الاصوات الصحافية الرسمية التي خرجت ترد عليه وتقول: (وأين كنت عندما كانت الحريات محبوسة والآراء معتقلة والأفواه مغلقة والأيدي التي تكتب مرتعشة؟ ومفهوم أن النقد موجه للحقبة الناصرية التي كان هيكل ابرز معالمها ورموزها, وفي الحقيقة سيظل هذا الرد يطارد كل رأي يقوله هيكل من دون مناقشة حقيقية وجادة لما يقول. وهكذا سعيت لاشباع حاجة مهنية للقارىء, هي أن يقرأ ويسمع هيكل في حوار صحافي معه اذا لم يستطع أن يقرأ مقالة له. إنها مأساة بكل المقاييس ان لا يجد هيكل في مصر من يدعوه للكتابة, وقد فعلت ذلك, لكنه كان يفضل أن يصل للقارىء عبر (روز اليوسف) من خلال الحوارات الصحافية. وكان أن اقتسمنا المسئولية, لا أقول الشجاعة, هو بما يقول, ونحن بما ننشر, وكان أن بدأ محترفو التقارير السرية وأنصار نظرية المؤامرة في التحرك في الخفاء, وبدأ سوء الفهم يسيطر على العقول. وتكررت دعوة هيكل للحوار على صفحات (روز اليوسف) في مناسبات مختلفة كان الناس فيها ينتظرون رأيه, مناسبة ذكرى ثورة يوليو وما تبقى منها, مناسبة تأسيس حزب ناصري وموقف هيكل منه, مناسبة مرور 20 سنة على زيارة السادات للقدس وما توقعه هيكل وما تحقق منه, مناسبة محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك في (أديس ابابا) في يونيو 1995 وكيف حولنا الاحتفال بنجاته الى مولد مزدحم من دون الاستفادة من الحب الشعبي الجارف لهذه النجاة, مناسبة حصار العراق وضربه والواقع العربي بكل ما فيه من أحزان وغثيان, والفلسطينيون وما جرى لهم. لقد أصبحت اطارده بالسؤال عما جرى, وعما يجري, وعما سيجري, وعندما وجدت أن حواراتي معه يمكن نشرها في كتاب ـ حمل عنوان (لعبة السلطة في مصر) ـ طلبت منه أن يكتب تقديما له, وفي التقديم وجدته يرفع قيمة السؤال, مستلهما الحكمة القديمة التي تقول إن السؤال هو جوهر الفلسفة, واستطرد: (ان ذلك تعريف دقيق.. فالفلسفة بالفعل سؤال ملح في طلب المعرفة وفي البحث عن الوجوه المختلفة للحقيقة) (4) وأضاف: (وأظن ان المجتمعات تظل بخير طالما هي متمسكة بالسؤال, تسأل عالمها وزمانها, وتسأل واقعها وظروفها, وتسأل نفسها وغيرها, ثم لا تفتر همتها, أو ينثني عزمها عن التفكير في اسئلة جديدة بلا حدود أو قيود غير الحرص على أن تبقى هذه الاسئلة موصولة بالحياة وغير معزولة عنها) . واعتبر هيكل ان الميزة الاساسية في شخصيتي المهنية هي أنني (رجل يحمل سؤاله معه اينما ذهب, والواقع انه اذا كان السؤال هو جوهر الفلسفة فهو ايضا صميم مهنة الصحافة في آخر طبعاتها, فالصحافة خصوصا في الغرب ـ أوروبا وامريكا ـ تتجه في معظمها الآن الى ما يسمونه (الصحافة السائلة) وهي مدرسة تؤمن بأن الصحافة سؤال, وهذا صحيح الى أبعد الحدود, والصحيح قبله ان الحياة سؤال, وان الفلسفة سؤال, وان الحقيقة سؤال, أما الإجابات فهي اجتهادات بعضها يصل الى هدفه وبعضها سهام تطيش في الفضاء) . وفي مقدمة الطبعة الجديدة من كتابه (حديث المبادرة) والتي نشرت بمناسبة مرور 20 سنة على زيارة السادات للقدس كتب هيكل: (كانت شبكة قنوات الأخبار التلفزيونية الامريكية سي. إن إن أول من نبهني الى أن عشرين سنة مضت على الزيارة الشهيرة التي قام بها الرئىس انور السادات الى القدس في شهر نوفمبر 1977 والتي داهمت العالم مثل زلزال تتوالى حتى اليوم توابعه. (وفي مناسبة الذكرى العشرين لتلك المفاجأة السياسية ـ نوفمبر 1977 ـ فإن شبكة قنوات الاخبار التلفزيونية الامريكية اتصلت تدعوني للحديث امام مشاهديها في العالم عن النتائج والآثار التي توالت وتداعت على العالم العربي والشرق الاوسط من يومها حتى الآن. واعتذرت لشبكة التلفزيون الامريكية وشعوري أنه ليس هناك داع لتقليب مواجع مصرية وعربية أمام جمهور عالمي. وفي اليوم التالي مباشرة جاءتني (روز اليوسف) ممثلة في نائب رئىس تحريرها الاستاذ عادل حمودة وكان طلبه هو نفس الطلب الذي اعتذرت عن تلبيته لشبكة التلفزيون الامريكية وافضيت للزميل الصديق بما لم اقله لغيره لأن عرض الأشجان على الغرباء هوان. (لكن الزميل الصديق لم يقتنع ـ أو حسب ظنه ـ أن الحديث امام جمهور مصري وعربي ليس تقليبا للمواجع وإنما هو فحص جديد بالدرس لتجربة غير مسبوقة ولعلها غير ملحوقة في تاريخنا. وكان عادل حمودة يحمل معه نسخة من كتاب صدر لي قبل عشرين عاما تقريبا بعنوان (حديث المبادرة) وكان يراجع صفحات منه اثناء لقائنا وحديثنا ـ والكتاب يحوي مجموعة مقالات بدأت نشرها بعد أربعة شهور من الزلزال ثم ضمها جميعاً غلاف ظهرت به بيروت اوائل مايو 1978 ـ أي بعد ستة شهور بالضبط. وهكذا فإن شبكة سي. إن .إن ذكرتني بالمبادرة.. ثم إن مجلة (روز اليوسف) ذكرتني بحديث المبادرة) . وكان أن اعاد هيكل ـ ولأول مرة في مصر ـ نشر هذا الكتاب الذي كان من المحرمات والممنوعات, وكنا نهربه سراً, ونتداوله سراً. وعندما صدر الجزء الأول من كتابه (المفاوضات السرية بين العرب واسرائىل) في مارس 1996 أهداني هيكل نسخة منه وكتب على أولى صفحاتها الداخلية: (إلى الصديق عادل حمودة.. زميلاً وصديقاً ورفيق مشاكل مازالت تجرجر أذيالها.. مع كل الود) . والحقيقة أن هذا الإهداء لم يكن مجرد كلمات مجاملة عابرة كالتي اعتاد الكتاب أن يكتبوها للزملاء والاصدقاء.. ولكنه كان يعكس ويترجم ويلخص واقعاً قد حدث و(مشاكل مازالت تجرجر اذيالها) . ماذا لو..؟ على مدى ثلاثة أسابيع.. في الفترة من 17 ـ 31 يوليو 1995 نشرت حوارا مع هيكل بعد محاولة الاعتداء على الرئيس مبارك في اديس أبابا.. كان عنوان الجزء الاول منه على غلاف (روز اليوسف) ماذا لو نجحت عملية اغتيال الرئىس؟. ووصفت الاذاعات ووكالات الانباء العالمية العنوان بأنه (أخطر عنوان صحافي نشر في مصر منذ نصف قرن) . كان العنوان وحده كفيلاً بإثارة أزمة, وجاءت التفاصيل لتزيد من حدة الازمة, لقد تحولت مشاعر المصريين وفرحتهم بنجاة الرئيس الى زفة ومولد من دون ان تستغل الشعبية التي ارتفعت لنظام الحكم في التغيير والتحديث وانما استغلت في ذبح (العجول) على شاشة التلفزيون, ونقلت الكاميرات صور الذبائح الغارقة في الدم, ولم تفكر في التوقف لمناقشة ما حدث, وبدلا من البحث عن حلول لمشكلات كانت مستعصية وجدنا انفسنا مندفعين لمزيد من المشكلات تجاه السودان الذي اتهم بتدبير محاولة الاغتيال, ودقت الطبول لغزوه. وكان رأي هيكل (ان الدولة في حاجة لوقفة مع النفس) وقال (احيانا الظروف تمنحك فرصة من دون ان تريد وتكسبك آلية ذاتية, وهو ما حدث للسلطة في مصر الآن بعد محاولة اغتيال الرئيس مبارك في أديس أبابا) لكننا لم نتوقف مع النفس, ولم نتوقف للفحص والفرز, ولم نقرأ الواقع قراءة سليمة. وقال: (أنا أريد الدولة وهذا هو الاهم, واذا راح رمز الدولة في هذه الظروف من دون طريقة لنقل السلطة سنكون امام مجهولات قد تؤدي الى انفراط الدولة, وهو أكثر من غياب رئيس, كل بشر يمكن أن يعوض, لكن في الظروف الدولية الراهنة يمكن فعلا نجد أن الدولة نفسها قد انفرطت, القلق الذي اصاب الناس مثلما اصابني بسبب الحادث هو خوف على المستقبل وليس مبايعة لما كان, لكن فوجئنا بمن يستغل مشاعر الناس ويطالب بمبايعة جديدة لفترة رئاسة رابعة, أنا لم أر سوءا لقراءة واقع أكثر من هذا لأن هناك عدم رضاء عما هو قائم, وكان من الممكن توظيف لحظة القلق ايجابيا في اتجاه التغيير, لكن ذلك لم يحدث) . وتخيل هيكل سيناريو لما يمكن ـ لا قدر الله لو نجحت المحاولة ـ وقال: (سيدخل الجيش ويأخذ السلطة, فليس هناك نائب رئيس, والحكومة الموجودة لاتتمتع بمصداقية, الوضع المتوقع ان يمد الجيش ذراعه ويأخذ السلطة, والجيش منطقة محرمة لا نتكلم عنها ولا نعرف ما فيها, ومن ثم فصورة الحكم القادم في هذه الحالة مجهولة, وهذه هي الكارثة) . وحذر هيكل من التورط في حرب في السودان, وطالب بأن تترفع مصر عن ردود فعل النظام السوداني التي تخفض من هيبتها, وقال إن الحرب في السودان قد تؤدي بنا الى فيتنام اخرى افريقية, خاصة وأنه يتعين على الجيش المصري عبور 1500 كيلو متر من الاراضي المكشوفة على طول المسافة بين القاهرة والخرطوم ورفض هيكل تأكيدات بعض المسئولين المصريين بأن القوة الجوية وحدها كافية لأن السودان يمكنه التلاعب بمياه النيل التي تشكل الامن القومي الحقيقي لمصر. وقال هيكل ما هو اكثر من ذلك, وتحمسنا للنشر, واقتسام المسئولية, إيمانا منا بأن مقدرات الامة في الظروف الحرجة لا يجوز العبث بها, لكن قامت الدنيا ولم تقعد, وبدأ المحرضون يجتهدون ويتآمرون ويدسون ويوقعون بيننا وبين قيادة الدولة, واعترف أن قيادة الدولة كانت أكثر وعيا وفهما, فكان ان تراجعت كل محاولات الاطاحة بي واخراجي من (روز اليوسف) , وكانت بعض الصحف المصرية ـ مثل (الأهالي) و(الشعب) و(الوفد) ـ قد توقعت ان ادفع منصبي الصحافي ثمنا لهذا الحديث الذي لخصته وكالات الانباء وطيرته الى اربعة انحاء الدنيا وعلى رأسها وكالة (رويترز) في برقيتها التي حملت رقم 112 بتاريخ 17 يوليو 1995 والبرقية رقم 306 بتاريخ 24 يوليو 1995, وفيما بعد تركت منصبي في (روز اليوسف) بسبب أزمات اخرى, لكن يبدو ان ظلال ازمة هذا الحوار لم تكن قد تلاشت تماما. واغلب الظن ان هيكل نفسه دفع هو أيضا الثمن, لقد أجريت الحوار معه وهو في قرية (الرواد) في الساحل الشمالي, كان يراجع بروفات الطبعة العربية من كتابه (المفاوضات السرية بين العرب واسرائىل) تمهيداً لنشرها في اكتوبر التالي ـ اكتوبر 1995 ـ بعد 3 أشهر على نشر الحوار ـ الأزمة, وكان قد اتفق على أن تقوم مؤسسة الاهرام بالنشر كما جرت العادة بعد ان اصبح نشر كتبه مباحاً في مصر, لكن الكتاب صدر عن دار نشر اخرى.. قطاع خاص. وفي مقدمة الطبعة العربية التي نشرتها دار الشروق اعترف هيكل بأن هذه الطبعة (واجهت ظروفاً غير مألوفة أو على الاقل غير عادية) كان من نتيجتها أن (الطبعة الانجليزية الاصلية من هذا الكتاب صدرت في لندن يوم 8 يناير 1996 بينما تأخرت الطبعة العربية, وكان المقرر لها أن تسبق, وذلك تقليد حرصت عليه منذ أن سمح لكتبي ان تطبع وتصدر من القاهرة بعد قرابة عشر سنوات من المنع والحظر كنت فيها أمارس عملي من وطني من دون وسيلة لنشره في هذا الوطن) . (وفي هذا الكتاب تصرفت كما جرت عليه العادة منذ عام 1985 وحتى الآن, تقدم الأهرام بطلب حقوق الطبعة العربية كلها, سواء للنشر الصحافي أو على شكل كتاب. وتحمست حتى قبل أن تجيء موافقة دار (هاربر كولينز) التي تملك حق التصرف في أي تعاقد. وكنت واثقا على أي حال من انهم يعرفون من تجارب سابقة سلفت انه حين يكون الامر متعلقا بالاهرام فإن الموافقة تسبق التفاصيل بصرف النظر عما تقول به أصول صياغة العقود. واستعدت الطبعة الانجليزية من الكتاب للصدور من دار (هاربر كولينز) ومعها الطبعة اليابانية في الوقت نفسه. لكن الطبعة العربية التي ترجمت نصوصها بنفسي وتوسعت فيها وزدت عليها وألحقت بها وثائقها ـ واجهت ما أشرت اليه من ظروف غير مألوفة أو على الاقل غير عادية. وحاولت تقدير الدواعي, واظنني فعلت مستجيبا لمشاعر وولاءات تعلو فوق الحقوق والعقود, وحافظا لصلات وصداقات تسبق في حسابي أي حساب. (وقد اضيف الى ذلك انني لم اطلب تفسيراً ولا تفصيلاً, وبدا لي ان الطلب قد يحمل شبهة الحاح لا أحتاجه, أو شبهة ضغط لا أبتغيه) . وحسب تحرياتي فإن هيكل أعاد للأهرام ما تقاضاه من مال (نحو ربع المليون جنيه) مقابل حقوق النشر الصحافي ونشر الكتاب, وارفق هيكل بالشيك خطاباً للمسئول عن الاهرام ابراهيم نافع يعتذر فيه عن عدم قبول المبلغ ولو على سبيل تعويضه عن عدم النشر وتأخيره, وعن ما يمكن أن يترتب على ذلك من أضرار وخسائر وتنفيذا لعقود وأعراف قانونية جرى احترامها والعمل بها. يتداعى الى فكري يواصل هيكل روايته: (ولعدة ايام كان امامي عرض لاصدار هذه الطبعة العربية في بيروت وعاودتني ذكريات ازمة المنع والحظر وأظن ان ذلك جعلني اتردد. (إن بيروت كانت ومازالت كريمة مع ما أكتب, حفية وحانية عليه, وهي تظل في كل الاوقات مركز اشعاع عربي يساير مركز القاهرة ويضاهيه, لكن الامر هذه المرة تخالطه اعتبارات نفسية من نوع آخر. (لم تكن اعتباراتي النفسية تتعلق ببيروت من حيث هي بيروت, وانما كانت تتعلق بإحساس يخشى مظنة قبول طوعي بما يمكن ان يتبدى ولو بالرمز أو بالشكل درجة من درجات المنع والحظر على عمل يكتب في القاهرة ثم يصدر وينشر خارجها كما حدث من قبل. (ولعل من هذه النقطة بالذات أنني رحبت وسعدت بعرض من دار الشروق لطبع الكتاب ونشره في مصر, ومنها الى بقية الوطن العربي الذي لا أفرق فيه بين بلد وآخر عن ايمان عميق بأمة واحدة لها كل خصائص الامة الواحدة بما فيها ذلك التنوع الخلاق الذي يميز الامم العظيمة. (ويتداعى الى فكري ـ دون ضرورة لرسم مسار التداعي هنا ـ سؤال كثيرا ما يواجهني به اصدقاء في الفكرة والكلمة, يسألونني: لماذا لا اكتب بانتظام في الشئون الجارية؟) . وفي العادة فإن ردي يقتصر على عبارة عامة مرسلة لأن واقع المشكلة التي تواجهني في الكتابة بانتظام عن الشئون الجارية في مصر معقد بأكثر مما يظهر على السطح, ذلك أن الصحف التي تصدر في مصر الآن نوعان: نوع يسمى بالصحف القومية ونوع يعرف كصحف حزبية. (وأشعر على نحو ما بأن كتابتي بانتظام ـ أو بغير انتظام ـ في الصحف القومية قد تكون مسئولية ومخاطرة بالنسبة للقائمين على أمورها, وذلك ليس مطلبي, ثم ان الكتابة بانتظام في الصحف الحزبية تبدو لي استعارة لهوية ليست لي, وذلك ليس من حقوقي. (وفوق ذلك ـ وربما قبله ـ فإنه يخطر لي أنني كتبت كثيراً ومازلت اكتب احيانا ـ وتكلمت طويلاً ومازلت أتكلم مرات ـ وقد يكون من المناسب أن اترك المجال لآخرين وأن أقرأ مع القارئين وأن اصغي مع السامعين, ولعله يرضيني ان يسأل أحد: (لماذا لا يكتب هذا الرجل بانتظام؟ خير من أن يسأل أحد: لماذ يكتب هذا الرجل بانتظام؟) . (أكرر ذلك برضاء كامل ومودة خالصة مع الزمن وناسه, فلقد قلت كلمتي في كل العصور والظروف, وفي كل الاحوال فإن العالم مفتوح أمامي وسماواته فسيحة رحبة) . فرسان الساحات الخالية أكثر من ذلك فإن (فرسان الساحات الخالية) الذين لا يطيقون رأياً آخر غير رأيهم وجدوا فرصتهم لتكرار دق طبول الحرب من جديد دون ان يكون هناك ميدان قتال, أو مبرر للقتال, ففتحت الصحف القومية نيرانها بلا حدود, وفي هذه المرة تقدم الصفوف الدكتور عبدالعظيم رمضان. إن الدكتور عبدالعظيم رمضان هو استاذ التاريخ الحديث في جامعة المنوفية, وهو تلميذ لواحد من أهم أساتذة التاريخ, هو الدكتور محمد أنيس, وقد قدم الدكتور رمضان رسائله الجامعية عن تطور الحركة الوطنية في مصر, وهي من افضل الدراسات التي قدمت في هذا المجال, وقد رحبت مجلة (روز اليوسف) بنشر دراسته عن (عبدالناصر واليسار وأزمة مارس 1954) في وقت كانت فيه المجلة تمثل المعارضة اليسارية في سنوات ما بعد حرب اكتوبر عندما وضعها السادات وجها لوجه أمام صحيفة تعبر عن التيار اليميني هي (أخبار اليوم) تمهيداً لإعلان ما وصف فيما بعد بالتعددية السياسية والحزبية. (5) في تلك الفترة دخل الدكتور عبدالعظيم رمضان روز اليوسف والصحافة مؤرخاً يساريا للحركة الوطنية, وللناصرية, لكن تغير الرياح والظروف حول دفته وشراعه للناحية العكسية, فوافق على زيارة السادات لاسرائىل, وهاجم الناصريين واليساريين, وكان أن انتقل بقلمه من مجلة (روز اليوسف) الى مجلة (اكتوبر) . وفي مجلة اكتوبر فتح الدكتور رمضان النيران على هيكل في أربعة مقالات نشرها تحت عنوان (هيكل والكهف الناصري) , لم تزد بأي حال من الأحوال عن كونها دعاية مباشرة ومتواضعة للنظام, أتصور ان النظام لم يكن في حاجة اليها, وتحمست الهيئة العامة للكتاب لنشر المقالات في كتاب, لكن حجم المقالات لم يكن يكفي, فكان ان طلبت من صاحبها ان يزيد ويتوسع لكنه كان في طريقه الى لندن فاعتذر, لكن كان هناك من كان متعجلاً وقال: إذا لم يضف هو ابحثوا عن غيره ليضيف في سابقة لم تحدث, ولم يجد الرجل سوى أن يفعلها بنفسه بدلاً من أن يفعلوها نيابة عنه. سر لا يعرفه هيكل ربما يكون مثيراً للدهشة ان اكشف سراً ربما لا يعرفه هيكل بعد ذلك الحوار ـ المشكلة معه, لقد رفع احد كتبه التقارير السرية تقريراً يتهمه فيه بتشكيل تنظيم غير معلن في الصحافة المصرية, انا واحد من اعضائه, ولم يقل التقرير ما هدف هذا التنظيم, ولا كيف يعمل. ولا متى يلتقي اعضاؤه؟ وقد رفض العقلاء في السلطة هذه (التخاريف) وكان ردهم: إن هيكل شخصية صحافية لامعة ومؤثرة ولابد للأجيال الجديدة ان تقترب منه لتفهم وتتعلم وتستفيد, ان الحلاقين والكناسين والنحاسين والفحامين لهم كبير, فلماذا نستكثر على الصحافيين ذلك؟ لكن فيما بعد, بعد ان تركت موقعي في (روز اليوسف) كان هناك من يلمح الى أن الاحاديث التي اجريتها ونشرتها في (روز اليوسف) مع هيكل كانت أحد أسباب الغضب الرسمي ـ ولو بأثر رجعي ـ مني, ولم أشأ ان اصدق, وكنت أميل لتفسير هيكل الذي قاله في حواره مع محمد عبدالقدوس في جريدة (الشعب) عقب خروجي غير المفهوم من (روز اليوسف) : (إن عادل حمودة من ألمع الصحافيين المصريين الذين ظهروا في الفترة الاخيرة بصرف النظر عن اختلاف البعض معه في اسلوبه وآرائه, ومن مميزاته انه اعطى هامشا من الحرية يزيد عما هو مألوف, وهذه ايجابية لصالحه فمهمة الصحافي باستمرار أن يعمل على توسيع هامش الحرية المسموح له بها بحكم الظروف وواقع الحال الذي لايمكن انكاره, ولست في الحقيقة اعرف الدوافع والاسباب التي ادت الى انتقاله من روز اليوسف الى الاهرام, وما تم إعلانه في هذا الصدد لا يبدو لي مقنعاً, لكن يبقى انه انتقل الى الاهرام واعتقادي ان عمله هناك يمكن ان يكون بداية ممتازة لنقلة اخرى نوعية في عمل صحافي لامع) . (6) الهوامش: (1) محمد حسنين هيكل: (مصر والقرن الواحد والعشرون ـ ورقة حوار (الناشر دار الشروق. (2) نزار قباني: (الكتابة عمل انقلابي) صفحة 38. (3) الاهرام ـ 11 يونيو 1995. (4) عادل حمودة: (لعبة السلطة في مصر) الناشر دار الشروق. (5) كان على رأس هذه الفترة في روز اليوسف والتي استمرت من ابريل 1974 الى ابريل 1977 عبدالرحمن الشرقاوي وصلاح حافظ وفتحي غانم وقد وقع الخلاف بينهم وبين الرئيس السادات بعد مظاهرات الطعام في 18 و19 يناير 1977 وكان رأي السادات أن هذه المظاهرات (انتفاضة حرامية) وكان رأي (روز اليوسف) انها انتفاضة شعبية. (6) أجرى الحوار محمد عبدالقدوس ونشر في عدد جريدة (الشعب) الصادر في 20 مارس 1988.