في الليلة التي رأيت فيها صورة (الموناليزا) وهي تغمز بعينها, لم أستطع النوم. لقد أحسست بإهانة بالغة. طبعا أنا لا أتفق مع من يقولون انها أعظم لوحة في العالم, فما جعلهم يقولون هذا هو الشهرة الكبيرة التي حظيت بها اللوحة, التي اعتبرها اللوفر من مفاخره أو أعظم مفاخره.. ومهما قالوا ومهما اعترض البعض تظل (الموناليزا) من أجمل وأعظم لوحات العالم. ولذلك فأنا لا أتخيل أن يقوم (فنان) هزلي بأن يقدمها وهي تغمز بعينها. قد يجعل هذا البعض يضحك لكنه يسيء الى اللوحة الجميلة والى مبدعها ليوناردو دافينشي والى الفن الجميل. وفي الشهر الماضي شعر البرتو كوردا وهو مصور كوبي بنفس الاهانة التي أحسست بها عندما رأيت صورة الموناليزا, وبالتأكيد بدرجة أكبر بكثير, فلقد رأى اعلانا عن فودكا تنتجها بريطانيا مع صورة لأرنستو جيفارا. ورغم أن جيفارا مات في عام 1967 إلا أنه مازال يعيش في أوروبا وتزداد شهرته بالتأكيد أكثر من دول العالم الثالث التي أتى منها وأعطاها حياته. وربما كان ذلك لأن جيفارا كان مع شعارات الثورة الدائمة والثورة الشاملة, وهو ما يجد هوى في نفوس الشباب الأوروبي أما شباب العالم الثالث اذا آمن بالثورة فالهدف منها تحقيق شعار محدد. وجيفارا ليس كوبيا كما يعتقد البعض فلقد انضم الى كاسترو في حربه ضد النظام الكوبي وصار وزيرا عندما حكم كاسترو. لكنه على غير عادة الثوار أحس بعدم ارتياح في كرسي السلطة, وقدم استقالته وأخذ يبحث عن بلد يحتاج الى نضال. وانتهى به المطاف في بوليفيا حيث رصدته المخابرات الأمريكية وأسرته وقتلته. وظنت أنها أنهت أسطورة جيفارا. ولكن حجم ملابس الشباب المرسوم عليها صورة جيفارا منذ موته حتى الآن أكبر بعدة أضعاف من البيت الأبيض! ثورة البرتو كوردا كانت لأنه مصور الصورة التي ظهرت مع اعلان الفودكا. والرجل الذي تجاوز عمره السبعين يعتبر صورة جيفارا أهم ما قام به في حياته, رغم أنه مصور صحفي, ولديه عدد كبير من الصور المهمة بعضها لكاسترو الزعيم ورئيس الجمهورية والواقف وحده ضد أمريكا. وفي احدى المحطات الفضائية تحدث البرتو كوردا عن الصورة التي التقطها لجيفارا وكأنه يحكي قصة حب. قال كان هناك حفل تأبين لأحد الثوار وكان من المفروض أن يحضره كاسترو, وكنت أركز التصوير عليه, مازلت أذكر, كان ذلك في 5 مارس 1960 وفجأة ظهر بين القادة جيفارا, من الواضح أنه كعادته في الصفوف الخلفية, ولسبب ما تقدم الى الأمام أو ربما دفعه الزحام, ولم يكن هذا إلا لدقيقة واحدة استطعت اثناءها التقاط صورتين لجيفارا. والصورة صاحبة المشكلة تبين نظرة صلابة نادرة في عيني الثائر الأرجنتيني. ورفع البرتو كوردا قضية على شركة الخمور البريطانية قال ان جيفارا آخر من يصلح للدعاية عن الخمور. فهو لم يشربها في حياته. ولم يعرف من (نزوات) البشر إلا تدخين السيجار الكوبي الشهير بتأثير من صديقه كاسترو. ومع ذلك كان يكف عن التدخين في الأحراش حيث قاتل قوى كثيرة. وقال كوردا أيضا انه لا يليق أن توضع صورة جيفارا الثائر النبيل على زجاجة فودكا. وبالطبع استخدم حقه القانوني في ملكية الصورة. وعندما أتى جيفارا الى القاهرة وهو في طريقه الى أنجولا ليحارب مع أهلها في الغابات, تمنى الجميع أن يروا الثائر لكن لسوء حظي لم تتحقق هذه الأمنية. وعرفنا بعد ذلك أن جمال عبدالناصر اعترض على مشروع جيفارا. قال له على كل منا أن يحارب مع أهله وبين ناسه. أما أنت فتحارب مع ثوار يختلفون معك في اللون واللغة. مستحيل أن يستقيم هذا. مهما فعلت لن تكون المعبر عنهم وقائدهم. ثم هل أهل أنجولا عاجزون عن أن يكون من بينهم قائد لثورتهم. بالطبع نحن لنا دور علينا أن نساعدهم , لكن عن بعد. وبصراحة وجهة نظر جمال عبدالناصر صحيحة تماما. وثبتت صحتها في أكثر من مرحلة خاصة في تلك النهاية التراجيدية مع مصرع جيفارا في بوليفيا. ولكنني مع ذلك معجب أشد الاعجاب بجيفارا. ومازلت أحمل سلسلة مفاتيح مزينة بصورة جيفارا على عملة كوبية صغيرة. وفي عيد ميلادي الذي لا يتذكره إلا زوجتي وحفيدي ربما لأنه مولود في نفس الشهر أهدتني زوجتي سلسلة مفاتيح ذهبية فاخرة, لكنني لم أستطع أن أترك صورة جيفارا. ومازلت أيضا أعلق صورة جيفارا أمامي. وقد احتج علي ّ صديق واتهمني أنني ذو مزاج ناري. وأشار في غرفة المكتب الى صورة جمال عبدالناصر وجيفارا. فقلت له هون عليك يا صاحبي, هذا هو تمثال غاندي صاحب المقاطعة السلبية فقال محتجا: وكان أيضا ثوريا لايقل عنهما ثورية, وقضية البرتو كوردا جعلتني أخشى أن يحدث عندنا شئ كهذا خاصة أنه ليست لدينا القوانين التي تحمي تراثنا. أي شخص بسوء نية أو حتى بحسن نية من الممكن أن يقدم مسرحية أو أي عمل يقول فيه ان المتنبي كان متزوجا من راقصة, وان صلاح الدين الأيوبي كان نادلا في بار, ولن يجد قانونا يرده. وذات مرة اتصل بي أحد كبار رجال التلفزيون.. وقال انه يريد رأيي في نص مكتوب بشكل شخصي. وقرأت نصا بديعا من الناحية الفنية. لكنه يقول ان أحمد عرابي يعيش في بنسيون في الاسكندرية وان زوجته سيدة سيئة السيرة وغلى الدم في عروقي, وطلبت من المسئول احراق النص. لأننا اذا فقدنا احترامنا لتاريخنا وتراثنا فماذا يبقى لنا. وفي الأيام القادمة ستبدأ تنهال الشتائم على جمال عبدالناصر من البعض, فهي ذكرى وفاته الثلاثون. وكراهة عبدالناصر ظاهرة نفسية تستحق الدراسة , بالطبع أنا أحترم الاختلاف في الرأي. و بالطبع أن عبدالناصر أخطأ في كذا وكذا, فلا يوجد انسان لا يخطئ. ولكن اقرأوا هذا.. ( كان جمال عبدالناصر جالسا بين زملائه في المكتب, وأغفى وبدأ يتكلم وهو نائم, فأخذوا يسمعونه وهو يقول سأحكم هذا البلد, وسأذل أهلها, وأخون كل شئ, وأبيع كل شئ.. الخ) أي كلام هذا؟! بالطبع كاتب هذا الكتاب لايملك ولا ذرة من الذكاء.. فلا أحد يصدق أنه سمع هذا الكلام من عبدالناصر نفسه! وبالطبع لم يكن يعرفه. ولا أحد يصدق قول انني سأفعل بالناس كذا وكذا. فليس هذا ما يقال حتى لو كان القائل اسماعيل صدقي أو أمين عثمان أو حافظ عفيفي. فهؤلاء جميعا دافعوا عن وجهة نظرهم وأن ما فعلوه كان لصالح الوطن. صاحبنا هذا كما قلنا لا يمكن أن نتهمه بالذكاء. لكن بالتأكيد يملك قدرا كبيرا من الحقد على عبدالناصر أخرجه في هذه القصة الغريبة. ومع ذلك لم يحاسبه أحد. ولم يحاكمه أحد. ولا أظن أن لدينا قانونا يدينه. ومن الممكن أن يأتي من يكتب على لسان هذا الرجل: لقد قررت أن أشوه صورة عبدالناصر ولأنني غبي فسأقول كذا وكذا. لو كتب أحد هذا الكلام لن يجد عقابا لا لأنه من السهل اثبات أن صاحبنا هذا غبي. بل لأننا لا نملك القوانين التي تحد بين الرأي واللارأي.