سماها الصحفي الاسرائيلي (زيف شيف) (مراسل (هآرتس) العسكري في بيروت خلال الثمانينيات) (جريمة حرب) . ووصفها ابا ايبان وزير الخارجية الاسرائيلي الأسبق بأنها (مذبحة قبيحة لأناس ابرياء). تلك كانت المجزرة الرهيبة التي راح ضحيتها مئات من الأطفال والنساء والرجال في معسكرين للاجئين الفلسطينيين قرب بيروت عام 1982. والان وبعد 18 عاما من مذبحة (صبرا وشاتيلا) لايزال مدبروها ومنفذوها طلقاء يطلعون وينزلون لا يلاحقهم قصاص. اما ذوو القتلى فانهم يعجبون كيف دخلت المأساة ذمة التاريخ وطواها النسيان في عالم يدفع فيه تعويضاً بعد تعويض بمليارات الدولارات لمن تبقى من اقارب ضحايا الاسر اليهودية الذين قضوا في محارق نازية قبل نحو 60 عاما.. مشكوك في صحتها. ما بين مغرب يوم 16 سبتمبر 1982 ونهار 18 سبتمبر اقتحم رجال ميلشيا حزب (الكتائب) المسيحي اللبناني ومن ورائهم جنود اسرائيليون معسكري صبرا وشاتيلا وانهمكوا في عمليات تقتيل عشوائي بلا كلل: بالرصاص او السكاكين سقط المئات من الاطفال والنساء والرجال الفلسطينيين. لمدى 36 ساعة متصلة ظل رجال (الكتائب) منهمكين في سفك الدماء بينما احاط الجنود الاسرائيليون بالمعسكرين من الخارج من اجل الحراسة حتى تستكمل (المهمة) . أعداد الضحايا موضع جدل. لكنها في كل الاحوال تعد بالمئات. منظمة التحرير الفلسطينية تقول ان 1500 قتلوا بينما تقول منظمة الصليب الاحمر اللبنانية ان القتلى 328 لكن هناك 911 (مفقودون) . اما المصادر الاسرائيلية فتقول ان العدد يتراوح ما بين 700 و800. لكن ما الذي دعا الى ارتكاب المجزرة. وبهذه البشاعة؟ ان السبب المعلن غريب.. وهو في الحقيقة مجرد ذريعة لتنفيذ نية مبيتة اكثر منه سبب حقيقي. والدليل على ذلك ان قيادة حزب (الكتائب) احجمت عن إصدار بيان رسمي مكتفية بتسريبات الى الوسائل الاعلامية مفادها ان الاقدام على المذبحة كان بدافع الثأر لاغتيال الرئيس اللبناني بشير الجميل الذي كان حينئذ زعيم حزب (الكتائب) . لكن كل المؤشرات والشواهد والأدلة المتوافرة انذاك تفيد بأن مقتل بشير الجميل من تدبير وتنفيذ جهاز استخباراتي تابع لدولة عربية.. ولا علاقة للفلسطينيين بهذه العملية.. ولو حتى بصورة غير مباشرة. مذبحة صبرا وشاتيلا هي في الحقيقة الفصل الختامي لسيناريو عملية الغزو الاسرائيلية للبنان في صيف عام 1982. فالهدف الاكبر والمعلن لعملية (سلام الجليل) كان تصفية الوجود السياسي والعسكري لمنظمة التحريرالفلسطينية في لبنان. وعلى هذا النحو كان السيناريو يتضمن دوراً معينا لحزب (الكتائب) كطرف لبناني متواطىء مع الطرف الاسرائيلي. وقد جرى رسم السيناريو وترتيبه مسبقا في اجتماع سري بين الجنرال الاسرائيلي ارييل شارون قائد عملية الغزو وبشير الجميل. ولم تكن الولايات المتحدة بعيدة عن هذا التدبير.. فقد حصل شارون على ضوء اخضر لمباشرة الغزو من وزير الخارجية الامريكية انذاك الجنرال (الكساندر هيج) . واذا كانت عملية الغزو قد اسفرت عن رحيل عرفات والقيادة الفلسطينية نهائيا عن لبنان الى تونس فان مذبحة صبرا وشاتيلا التي وقعت عقب هذا الرحيل كان الهدف منها ارعاب جموع اللاجئين الفلسطينيين لحملهم على اللحاق بقادتهم او البقاء في لبنان كجموع بشرية مدجنة. ويبقى مجرمو الحرب طلقاء حتى اليوم: ارييل شارون والكساندر هيج مع امين الجميل.. الرئيس اللبناني وزعيم (الكتائب) اللاحق الذي نفذت المجزرة في عهده.