يبدو ان قضية اسعار البترول المشتعلة منذ فترة, والتي يتقاذف جذوتها المنتجون والمستهلكون فيما بينهم, تزداد اشتعالا هذه الايام, بالرغم من اعلان منظمة اوبك (المنتجين الرئيسيين), رفع سقف الانتاج بمقدار 800 ألف برميل يوميا, في محاولة لاخماد لهيب الاسعار. لكن هذا الاعلان الاخير من اعضاء اوبك, لم يسكت الجدل الواسع الذي يتردد هنا وهناك حول المسئول عن ارتفاع اسعار النفط: المنتج ام المستهلك. ففي الاسبوع الماضي, وكانعكاس لأزمة البترول على صفحات الصحف الاوروبية نشرت على غلاف مجلة (الايكونوميست) الاسبوعية شديدة النفوذ في الاوساط الاقتصادية والسياسية في بريطانيا, صورة رجل يرتدي ملابس عربية, وتعلو وجهه سحنة عابسة, يحمل على يده صقرا متحفزا للوثوب, وقد كتب على الغلاف بخط عريض (النفط يستعد للهجوم) . في الاسبوع نفسه ظهرت مؤشرات تعكس تململ المزارعين وسائقي شاحنات النقل في بريطانيا من ارتفاع اسعار النفط, ثم ما لبثوا ان تنادوا الى حصار مخارج معامل التكرير المنتشرة في بريطانيا, هكذا فعل قلة منهم, فامتنع سائقو صهاريج النفط المكرر من الخروج من معامل التكرير, وفي اقل من اربع وعشرين ساعة اصبحت بريطانيا بكاملها رهينة لهذا التحرك الشعبي, مما دفع الحكومة البريطانية الى ان تطلب من الملكة اعلان حالة الطوارىء. في البداية حاول بعض المعلقين ان يلقوا بمسئولية ارتفاع اسعار النفط على كاهل المنتجين تمهيدا لالباسهم رداء الملامة, وفي الوقت نفسه الذي كان فيه اعضاء دول الاوبك مجتمعين في فيينا العاصمة النمساوية, للنظر في رفع سقف انتاج النفط الخام عالميا, كانت التعليقات في الاذاعة والتلفزيون تردد ان سعر برميل النفط منذ سنتين فقط كان عشرة دولارات, ولكنه الآن اصبح ثلاثة اضعاف ذلك الثمن, في اشارة ـ ولو ضمنية ـ الى وضع المسئولية على اكتاف المنتجين. الا ان هذا النوع من الدفاع المتبني لمواقف الحكومات لم يجد آذانا صاغية لدى هؤلاء الثائرين الذين حاصروا مصانع التكرير, ولا لدى الجمهور العام, فقد كان الهدف الذي يسعى المعترضون الى تحقيقه هو خفض الضرائب التي تفرضها الحكومة البريطانية على مشتقات النفط, والتي تصل في بعض الاحيان الى حوالي ثمانين في المئة من سعره عند البيع والمطالبة بمساواة الضرائب البريطانية على المحروقات, بنظيرتها في بقية دول اوروبا. التململ من الضرائب المرتفعة على مشتقات النفط ظهر في بريطانيا منذ اشهر عدة, حيث قاد بعض المزارعين تظاهرات صغيرة ومعزولة, احتجاجا على الضرائب المرتفعة بعد ان شعروا بالضيق الاقتصادي نتيجة ارتفاع اسعار المحروقات ولكن تلك التظاهرات كانت صغيرة وغير فعالة, حتى نهاية الشهر الماضي, عندما قاد السائقون والمزارعون الفرنسيون تظاهرات عارمة حاصرت موانىء فرنسا الشمالية, ومخارجها مع بريطانيا, حتى ان آلاف السياح البريطانيين حيل بينهم وبين العودة الى بلادهم بعد اجازة الصيف, وامام ذلك الوضع المتأزم, خضعت الحكومة الفرنسية لمطالب المزارعين والسائقين, فخفضت طوعا من الضرائب التي تفرضها على مشتقات النفط. وبرغم انه يقال دائما ان بريطانيا هي بلاد التقليعات الجديدة في اوروبا فقد جاءت هذه المرة التقليعة السياسية الاقتصادية من فرنسا, فعند نجاح المزارعين وسائقي سيارات النقل الفرنسيين في تحقيق مطالبهم, انتقلت جذوة الحماس الى عمال بريطانيا وانتعشت في قلوبهم الآمال, فاندلعت الحركة المضادة لارتفاع الضرائب على مشتقات الوقود, ثم سرعان ما اخذت طريقها في التنامي. وفي ايام قلائل جثت بريطانيا على ركبتيها امام ذلك الحصار المقام على مخارج معامل التكرير, فتعطلت المدارس, واعلنت اقصى درجات الاستنفار في الخدمات الصحية, وتوقفت سيارات النقل العام, واصبح من المألوف ان ترى مشهدا متكررا لطوابير طويلة من اصحاب السيارات تقف بالساعات على محطات البنزين طمعا في قطرات قليلة منه تبعث فيها الحياة. وقد هدد رئيس الوزراء باستخدام القوات المسلحة لايصال مشتقات النفط للمراكز الحساسة في الدولة, وانشغل الرأي العام والسياسيون بالازمة التي اصبحت بعدها بريطانيا كلها عطشى للنفط, وتعمها الفوضى الى الدرجة التي حدت بأحد المعلقين الصحافيين على ان يكتب قائلا: (الحمد لله على ان الاتحاد السوفييتي لم يغز بريطانيا, وإلا لوقعنا في اضطراب اعظم) , في اشارة الى ان نفرا قليلين من المتظاهرين استطاعوا ان يصيبوا بالشلل الحياة العامة في بريطانيا, التي ما ان اشتد عود الازمة فيها حتى تبعتها بعض بلدان اوروبا ليتكرر السيناريو في بلجيكا وألمانيا, بل حتى سائقو الشاحنات الاسبان بدأوا يشغلون الطرق من خلال قيادة سياراتهم ببطء بهدف تعطيل المرور. لقد فرضت هذه الازمة مناقشة وضع جديد في المجتمعات الصناعية الغربية, منها ان هذه المجتمعات متداخلة النسيج الى ابعد الحدود, حتى انها تتبادل الاعتماد بعضها على بعض, فإن لم يكن هناك وقود لسيارات النقل, فإنه لا توجد بضائع استهلاكية في المحلات, ولا تدريس في المدارس ولا ادوية في المستشفيات, ولا خبز في المطاعم ولا بريد... حتى جمعيات نقل الموتى انذرت العامة بأن المتوفين لن يجدوا احدا ينقلهم الى مقرهم الاخير! هذا التشابك في المجتمع الحديث يعني ان تدار الدولة بالتراضي من خلال مؤسسات, وتتوزع هذه المؤسسات بين الدولة والمعارضة والنقابات التي تمثل المصالح المختلفة للشرائح الاجتماعية والاقتصادية. اما في هذه الحالة فإن النقابات البريطانية وقفت على الحياد, لأن القيام بالاضراب وحصار منشآت صناعية او اي شيء من هذا القبيل, ينظمه القانون, وتكون للفئات القائمة به حقوق وعليها واجبات, وكل الازمات السابقة في الدول الصناعية كانت تحتدم بين نقابات العمال والحكومة, إلا ان هذه الحركة الشعبية, قد وصفت بأنها ثورة المستهلكين, التي اندلعت نتيجة لتفاعل عناصر العولمة, وتقدم وسائل الاتصال, بحيث يستطيع الناس, المتضررون من اي تصرف للحكومة, ان ينظموا انفسهم للدفاع عن وجهة نظرهم في وقت قصير. ما تم في بريطانيا في الاسبوع الماضي هو عصيان مدني على الطريقة الحديثة, لم يخترق احد القانون كما هو قائم ولكن تم تنظيم العصيان والحصار عن طريقين (لعلك عزيزي القارىء قد استنتجتهما), هذان الطريقان هما الهاتف النقال, والانترنت, فأصبح لأول مرة هناك قوة اجتماعية خارج القوى المتعارف عليها, اسمها (قوة المستهلك) او (ثورة دافعي الضرائب) . نعم بهذه الطريقة نظم مجموعة صغيرة من الناس هم مجموعة من المزارعين وسائقي سيارات النقل ـ نظموا انفسهم ثم لحق بهم الآخرون بعد ان نشرت اخبارهم في وسائل الاعلام, وهي طريقة رأى رئيس الوزراء البريطاني انها (غير ديمقراطية) , ذاهبا الى ان البلاد يجب الا تحكم من خارج البرلمان, بل من داخله, وهو امر يضع الديمقراطية الغربية كما عهدناها في موضع المحك, فلأول مرة, ونتيجة لتقدم وسائل الاتصال يستطيع الناس ان (يدافعوا عما يعتقدون انه صحيح) دون وسيط برلماني او نقابي. (قوة المستهلك) ظاهرة حديثة سوف تجذب انظار المراقبين والمحللين في اوساط المجتمعات الغربية الحديثة, خاصة انها قد جربت في فرنسا فنجحت, وكانت قد جربت على نطاق ضيق في بريطانيا, عندما قاطع المستهلكون مواقع سحب النقود من اجهزة الصرف الآلي, لأن البنوك كانت تفرض رسوما عليها فنجحت الفكرة, فألغت البنوك تلك الرسوم, وفي الثمانينيات وقع مثل هذا العصيان المدني عندما فرضت حكومة السيدة مارجريت تاتشر ضريبة سميت شعبيا (ضريبة على الرقبة) مع اختلاف ان ذلك الاحتجاج كان بأعداد كبيرة ودام لفترة طويلة. ما يلفت الانتباه هنا ان السياسيين وقفوا بعيدا عن هذه الضجة فلم يتورطوا في عمل ينظرون اليه على انه غير ديمقراطي, على عكس بعض السياسيين في العالم الثالث, الذين يفرحون كثيرا عندما يجدون (جنازة سياسية) يلطمون فيها خدودهم, فالسياسي هنا لا يسير في الغالب وراء الجمهور حقا او باطلا, بل ان اطاره المرجعي الذي يحكم سلوكه السياسي هو مدى قرب هذا السلوك من الديمقراطية او بعده عنها, وهل هو نابع من المؤسسات الديمقراطية ام من قوى ضغط صغيرة تسعى طبيعيا وراء مصالحها. من جانب اخر فإنه حتى القلة السياسية التي وقفت مؤيدة لما قام به المحتجون, اعتبر الجمهور العام انها اصوات تنتهز المواقف, لتحقيق مصالح خاصة او آنية وليست اصواتا مؤيدة حقيقة للمواقف الاحتجاجية. المهم بالنسبة الينا نحن بعض منتجي النفط انه رغم المحاولات التي ارادت ان تقذف بالكرة الى ملعب المنتجين واتهامهم ـ كالعادة ـ بأنهم هم السبب في ارتفاع اسعار مشتقات النفط, فظهرت رسوم كاريكاتورية (للعربي القبيح) على صفحات الجرائد, مذكرة بفترة السبعينيات ومكررة اللوم على (العرب), بالرغم من هذا فإن هذا التوجه لم يجد له قبولا لدى القوى الجديدة, قوى الاستهلاك الاجتماعي, بل لم تناقش في اوساطهم, واستمرت المطالبة مركزة على (الضرائب) وليس اسعار النفط الخام. معنى ذلك ان الرسالة التي احتضنتها دول الاوبك منذ فترة طويلة وبح صوت الحكومات المنتجة بالمناداة بها, والقائلة ان ارتفاع اسعار مشتقات النفط لدى المستهلك الغربي عموما, ليس سببها ارتفاع اسعار النفط الخام, بل ان السبب الحقيقي هو الضرائب المرتفعة التي تفرضها الحكومات في بلاد الاستهلاك على مستخدميه, اصبحت هذه الفكرة الآن, وبفعل (العولمة) حقيقة لا يجادل فيها رجل الشارع, الذي نظم حصاره الاخير في بريطانيا على مخارج مصانع تكرير النفط, احتجاجا على هذا السبب (الضرائب المرتفعة) لا غير. مما يثير الابتسام في هذا الامر ان برامج الدعاية للسيارات لم تتوقف في التلفزيون البريطاني, ففي الوقت الذي يشح فيه الوقود, تستمر شركات السيارات في الاعلان عن سياراتها الجديدة التي تحتاج الى كذا لتر من النفط. اما ما يثير الضحك في الامر كله فهو ما لجأت اليه صحيفة عربية تصدر في لندن دأبت على وضع العصي في الدواليب, فقد قرأت هذه الصحيفة الازمة كلها على انها (نقص في كميات الانتاج وزيادة في الطلب, مما يضع العراق في موقف قوي, وان هذه الازمة تحتم رفع (الحصار) عن بغداد) ! يحضرني في مثل هذا التعليق وما ذهبت اليه الصحيفة المثل السائر الذي يقول (فلان ذاهب الى الحج والناس عائدة منه) , ومثلها في هذا الامر كمثل الحكومات الغربية, تريد ان تضع الملامة على المنتجين, والمستهلك الغربي يعرف ان حكوماته هي التي تستحق اللوم. ترى متى سوف يعود الوعي الى مثل تلك الصحيفة وامثال من يفكر بطريقتها حتى يضع اللوم على الجهة الحقيقية التي تستوجب الملام, بل المحاسبة؟!