نحن لا نمتلك الحقيقة, نحن في الحقيقة نسعى مخلصين للاقتراب منها, ففيها خلاصنا من الكثير من المحن والظلمات والأخطاء, لكن كثيرين ـ للأسف ـ يصرون على اقناعنا بأن الاقتراب من الحقيقة ضرب من الجنون أو ... الحماقة. أعرف بأنني يجب أن أبدأ معكم اليوم بعد فترة انقطاع ـ أخبرني الكثيرون بأنها طويلة ـ بشكل آخر ربما أكثر نعومة وتلطفا, لكنها طبيعة الأشياء تفرض علينا فنفرضها على غيرنا, هذه هي الحياة.. كما يقول الفرنسيون, فاحتملونا قليلا. سأبدأ من بروكسل, ففي أحد صباحات شهر أغسطس الماضي, وبينما كنت أتناول افطاري في أحد فنادق العاصمة البلجيكية, إذ بهاتفي النقال يرن, وإذ بالمتصل شخص لا أعرفه يسألني: لماذا توقفت عن الكتابة؟! أجبته سريعا بأنني في اجازة وسأعاود الكتابة فور عودتي, لكنه لم يقتنع فألح في معرفة سبب توقفي عن الكتابة! حينها اضطررت ـ ضاحكة ـ أن أقسم له ألا سبب سوى انني في اجازة, وأقفلت السماعة سريعا! وعندما عدت من اجازتي منذ أكثر من أسبوع, وعادت يداي وعيناي تصافح صحف الصباح اليومية, تذكرت تلك المحادثة, وعرفت لماذا سأل ذلك القارئ في قلق ذلك السؤال الذي حسبته بريئا!! ومع ذلك فقد انتظرت طويلا حتى قررت أن تكون (الأبجديات) ضيف صباحكم هذا اليوم.. سواء كنتم من الذين انتظروا عودتها أو من الذين اعتقدوا شيئا آخر! فلكل هؤلاء أقول: صباح الحب.. صباح الورد.. صباح النفوس البيضاء والقلوب الجميلة.. واسمحوا لي أن أرش عليكم شيئا من دعوات الشوق والسلام, خاصة وان الطقس في هذه الأيام يبدو أكثر رحمة مما سبق. عندما نغيب, وعندما نمعن في الغياب, فنحن لا نهرب, ولا نتهرب ولكننا نمارس حقا طبيعيا في التنعم بالهدوء والاقتراب من رحمة الطبيعة ورحمة الإنسانية, ومعانقة غواية الحياة العظمى ... الحرية. إننا نغيب بهدوء, بهدوء جدا, لكن فرقعات كثيرة تحدث خلفنا, وبناءات عديدة تنهار بسهولة خلف ظهورنا.. لماذا..؟ أهي طبيعة الحياة في بلاد الشرق المرصوف والمنبني على حزام الزلازل والبراكين؟ أظن ذلك, ولا أستبعد شيئا, وانتظر ما هو أكثر لكنني أتأمل فيما هو أجمل دائما, فالانهيارات ليست قدرنا الدائم. صباح الحب لكل الذين تساءلوا, وسألوا, واتصلوا, بحب وبقلق وبخبث وبنزاهة, وبعقلية من يتصيد في المياه غير الصافية فهكذا هم البشر, وهؤلاء هم نسيج مجتمعنا, ونسيج حياتنا, نعود بهم وإليهم, لننجدل معا في أفراحنا وهمومنا وأقدارنا, دون أن نعتقد لحظة واحدة بأن الهزيمة قدر أمة أو فرد, وان الصمت دائما حكمة من ذهب, أو ان المياه لن تجري من تحت كل الجسور, طالما كانت الجسور منصوبة على بحار متلاطمة. لكل ذلك قلت بداية نحن لا نمتلك الحقيقة لكننا نسعى مخلصين للاقتراب منها.