ربما تظن ان دولة نفطية افريقية مثل نيجيريا, وهي من اكبر منتجي النفط في العالم, صارت تسبح في الفلوس بسبب ازدياد اسعار النفط العالمية بمقدار اكثر من ثلاثة اضعاف خلال اقل من سنتين. لكن ما تقبضه الحكومة النيجيرية باليمين تضطره الى تسليم جله الى الدائنين الخارجيين ـ مجموعة دول ومؤسسات مالية وبنوك في الغرب. ومع ذلك فإن الامر لا يخلو من ابتزاز فاضح. فإن جملة ما تلقته نيجيريا من قروض من هذه الدول والمؤسسات على مدى سنين تم سداده بالكامل فعلا. لماذا اذن تواصل الحكومة النيجيرية مع تعاقب الانظمة عملية الدفع؟ الارقام تقدم الاجابة عن السؤال: فوفقا لأحدث احصاء البنك الدولي تبلغ جملة الديون النيجيرية حتى نهاية عام 1999 نحو 21 مليار دولار. لكن اربعة مليارات فقط هي اصل المبالغ المقترضة. اما الباقي وهو 17 مليار دولار, أي 80 في المئة من اجمالي الديون فهو يمثل فوائد بسيطة ومركبة ورسوم تأخير وغرامات. وهكذا نفهم لماذا اطلق فيديل كاسترو على ديون العالم الثالث صفة انها (قضية لا اخلاقية) . فما هو اصل القضية؟ ابتداء علينا ان نفرق بين نوعين من الديون: ديون حكومية وديون غير حكومية اذ ان هناك قروضا اخذتها الدول النامية من حكومات غربية. وهذه فوق ان شروط اقراضها غير قاسية نسبيا فانها لا تمثل الا نسبة بسيطة من اجمالي مديونية الدول النامية.. ربما خمسة في المئة او اقل. قروض المؤسسات المالية الخاصة الغربية ـ البنوك وصندوق النقد الدولي ـ هي التي تمثل جوهر المأساة. ومع ذلك فإن القروض التي قدمتها هذه المؤسسات الى حكومات الدول الفقيرة ليست من حر مالها. بداية القصة تعود الى منتصف عقد السبعينيات في القرن المنصرم عندما امتلأت خزائن البنوك الغربية بفوائض اموال الدول النفطية الغنية الناشئة في فترة (الفورة النفطية) الاولى التي اعقبت حرب اكتوبر 73 بين مصر واسرائيل حين تصاعدت اسعار النفط العالمية بأكثر من 13 ضعفا في مدى بضع سنين. بصورة فجائية تدفقت مئات المليارات من الاموال البترودولارية الى بنوك الغرب كودائع فائضة عن حاجة الدول النفطية الغنية. ولكي لا تبقى هذه الاموال الضخمة عبئا دون تشغيل فتسبب للبنوك الغربية خسائر بمقدار ما كانت تدفع البنوك الى اصحاب الاموال من حكومات وهيئات وافراد من فوائد جرى ما اطلق عليه (عملية اعادة تدوير الفوائض المالية) . وهذه العملية اشتملت على حركة اقراضية واسعة النطاق وغير مسبوقة الى حكومات العالم الثالث. هذا هو اصل المسألة. والعملية لا غبار عليها من حيث المبدأ.. فهي من المفترض ان تعود بالنفع على كافة الاطراف المعنية: حكومات العالم الثالث تتوافر لها امكانيات لتمويل برامجها التنموية.. والبنوك الغربية تحصل على ارباح معقولة.. ودول النفط الغنية تتلقى ارباحا عن ودائعها. لكن على الصعيد العملي لم تسر الامور على هذا النحو النظري. فالبنوك المقرضة تصرفت ازاء الدول النامية بأعلى درجات الجشع. نعم.. قدمت قروضا الى حكومات العالم الثالث. لكن الشروط كانت غاية في الاجحاف والقسوة. فقد كانت اولا قروضا شحيحة. ولآماد قصيرة مما يجعل تمويلات استهلاكية لا تنموية وواجبة السداد في مدى زمن قصير.. ثم كانت الفوائد عليها باهظة. وابتداء من اوائل الثمانينيات بدأت الكارثة اخذت مجموعة الدول المدينة تتعثر في السداد مع تصاعد تراكمات الاقساط عليها. ومع التعثر والتأخير في السداد اخذت الفوائد تتضاعف بمعدلات متسارعة افضت بالدول المدينة الى حالات افلاس.. فصارت تستدين من اجل سداد الديون. وما ينطبق على نيجيريا الآن ينسحب على بقية الدول المدينة: مواصلة سداد ديون سددت اصلا كقروض اصيلة على حساب الصرف على التعليم والعلاج والمأكل والمشرب.. فصارت القضية مسلكا لا اخلاقيا.