الوقت الراهن هو ما يسميه الصحافيون والمحللون السياسيون بـ (الموسم السخيف) في الحياة السياسية في نيويورك وهو (سخيف) بسبب ألوان السلوك الغريبة والمحيرة التي ينغمس فيها السياسيون, في محاولة منهم لكسب تأييد الناخبين اليهود. وبينما لا جدال الآن في ان الناخبين اليهود يشكلون كتلة انتخابية كبيرة في نيويورك حيث يقدر البعض ان اليهود يشكلون 12% من اجمالي الناخبين في تلك الولاية فإنه لابد من طرح تساؤلات جادة حول الاساليب المستخدمة في اجتذاب هؤلاء الناخبين. ولابد كذلك من تفهم التأثير الذي يتركه (الموسم السخيف) على الامريكيين العرب في نيويورك, لأن هذا (الموسم السخيف) ليس بالامر الذي يستهان به بالنسبة لهذه الجالية. لقد كان خطب ود الناخبين اليهود هذا سمة مميزة لانتخابات نيويورك منذ وقت طويل. وتبدو هذه السمة بارزة هذا العام بشكل خاص, لأن اعلان هيلاري كلينتون السابق عن تأييدها لقيام دولة فلسطينية والجهود التي يبذلها زوجها لاقرار السلام في الشرق الاوسط جعلت الجمهوريين يعتقدون ان بمقدورهم ان يشقوا طريقهم الى الكتلة الانتخابية اليهودية, وهي كتلة تصوت للديمقراطيين تقليديا. وهكذا فإن الجهد المبذول لاجتذاب الناخبين اليهود قد بدأ في وقت مبكر من الحملة الانتخابية. غير انه في الاسابيع الاخيرة بصفة خاصة اصبح هذا الجهد مكثفا وبشعا تماما. منذ البداية بذلت هيلاري كلينتون كل ما في وسعها لكسب التأييد اليهودي الى حد التصريح بأنها تعترف بالقدس عاصمة لاسرائيل. غير انها ترددت فيما يتعلق بنقل السفارة الامريكية الى هذه المدينة وهي حقيقة استغلها الجمهوريون في اجتذابهم للناخبين اليهود. ومؤخرا التقت هيلاري كلينتون في اطار جهد يستهدف الحصول على دعم يهودي اضافي لحملتها لدخول مجلس الشيوخ الامريكي ـ التقت بدوف هايكند, عضو مجلس النواب الديمقراطي عن الولاية. ويعد هايكند وهو احد الاتباع السابقين لمائير كاهانا سيىء الصيت, من المنتقدين المتشددين للجهود المبذولة لاقرار السلام في الشرق الاوسط, وهو يؤيد السيطرة الاسرائيلية الكاملة على فلسطين بأسرها, وقد ادين بارسال اموال من ارصدة حملته الانتخابية الى احدى الجماعات الاستيطانية المتطرفة في الضفة الغربية. وعلى الرغم من ان هايكند ديمقراطي من الناحية الشكلية فإنه في الماضي ايد المرشحين الجمهوريين ويعتقد انه قادر على التأثير في عدة عشرات من الألوف ممن يشاركونه في افكاره من الناخبين المحافظين, ولم يعلن حتى الآن تأييده لاي من المرشحين لشغل مقعد ولاية نيويورك في مجلس الشيوخ , هيلاري كلينتون او منافسها الجمهوري عضو مجلس النواب ريك لازيو. والقضية التي يطرحها هايكند, باعتبارها المحك الذي سيحسم عليه امر ولائه هي قضية الجهد الذي يبذل لاطلاق الجاسوس الاسرائيلي المدان جوناثان بولارد. وبولارد هو ضابط سابق بالبحرية الامريكية حكم عليه بالسجن مدى الحياة نظرا للجرائم التي ارتكبها في منتصف الثمانينيات. وقد رفض ثلاثة رؤساء امريكيين كل المناشدات لاطلاق سراحه. وبعد لقاء هيلاري كلينتون بهايكند, وبينما لم تبد استعدادا للقطيعة مع الموقف الرئاسي من قضية بولارد, الا انها حاولت ان تؤكد لهايكند ان هذه القضية اثارت قلقها وانها ستواصل دراستها, ومضت فأعربت عن اعتراضها على الجهود الجارية لنقل بولارد الى سجن اشد تضييقا على المودعين وراء اسواره. وفي اطار جهد بذله لازيو لشن هجوم في (الموسم السخيف) انتهز فرصة نشر صورة للرئيس كلينتون وهو يصافح الزعيم الكوبي فيدل كاسترو, ووجه اللوم بشدة للرئيس الامريكي على هذه الايماءة, واستخدمت حملته الانتخابية هذه المناسبة لاحياء الهجوم القديم على هيلاري كلينتون لتقبيلها لسهى عرفات زوجة الرئيس الفلسطيني خلال زيارتها في عام 1999 لمدينة رام الله. ورد البيت الابيض في محاولة من جانبه لتفنيد هذه الهجمات بنشر صورة لعضو مجلس النواب الجمهوري لازيو في مصافحة ودية مع الرئيس عرفات. وكان لازيو قد صحب الرئيس كلينتون في رحلته الى غزة في ديسمبر 1998 حيث حيا الزعيم الفلسطيني. وتبدد القصد الاصلي للبيت الابيض وانحدر الامر الى نقاش بشع حول التقبيل والمصافحة مع الفلسطينيين الذين بدوا كما لو كانوا (منبوذين) وجعل عمدة نيويورك رودلف جيلياني وهو جمهوري ومرشح سابق لشغل مقعد نيويورك في مجلس الشيوخ, الامور تزداد سوءا عندما شارك في النزاع وأدان لازيو لـ (مصافحته لقاتل) على حد تعبيره. وجاءت الضربة الاخيرة في هذه القصة الكئيبة خلال الاسبوع الماضي عندما كشفت حملة لازيو النقاب عن انها قد اكتشفت ان المندوب السابق لجامعة الدول العربية دكتور كلوفيس مقصود, وهو مواطن امريكي, قد ساهم بمبلغ خمسمئة دولار في حملة هيلاري كلينتون. وادانت الحملة الجمهورية هيلاري كلينتون لقبولها هذه المساهمة وقالت (اننا نعتقد ان هيلاري كلينتون ينبغي ان تعيد هذه المساهمة على الفور. وفي ضوء عثراتها الموثقة جيدا فيما يتعلق بقضايا ذات اهمية بالغة بالنسبة لاسرائيل وبالتالي بالنسبة للجالية اليهودية في نيويورك فإن مما يثير اشد الانزعاج ان تتقبل هذه المساهمة المالية من فرد صدر عنه خطاب حاد بل وسام ضد اسرائيل) . ان ما يثير اشد الانزعاج هو المنحنى المتردي الذي اتخذ هذا (الموسم السخيف) ففي الجزء الاول من الحملة الانتخابية تسابق المرشحان المتنافسان حول ايهما يعد (افضل صديق لاسرائيل) تم انحدرا الى شن هجمات على الفلسطينيين والآن مع الاندفاعة الاخيرة من جانب حملة لازيو, ثم التردي الى التصعيد الواضح الموجه الى الامريكيين العرب. وبينما يراد بكل هذا السلوك الغريب اكتساب الاصوات فإنه لابد من طرح قضيتين خطيرتين: هل يؤتي هذا ثماره؟ من الجلي ان الامر ليس كذلك. فقد اشار استطلاع اخير اجرته صحيفة (نيويورك بوست) الى ان ناخبي نيويورك من اليهود لم يتأثروا كثيرا بهذه الاساليب. وفي حقيقة الامر فإن نتائج هذا الاسطتلاع مثيرة للاهتمام الى حد كبير. فقد اوضح الاستطلاع الذي اجرته مؤسسة زغبي الدولية, وهي مؤسسة مقرها الرئيسي نيويورك, ان هيلاري كلينتون. وتحظى بالفعل بتأييد 61% من الناخبين اليهود في نيويورك. ويحظى لازيو بتأييد 33% منهم, وتبدو قوة التأييد الذي تحظى به واضحة بشكل اكبر عندما يتم ادراك انها تحظى بتأييد 71% من يهود نيويورك الديمقراطيين. وبتعبير آخر فإن التأييد الذي يحظى به لازيو يأتي من اليهود الذين هم جمهوريون في حقيقة الامر. هل اثار تقبيل هيلاري كلينون لعرفات الاضطرابات في نفوس الناخبين اليهود؟ يبدو ان الاجابة بالنفي ذلك ان 94% ممن يؤيدونها لم يكترثوا بتلك القبلة. والناخبون اليهود الوحيدون الذين اعربوا عن ضيقهم بتلك القبلة هم مؤيدو لازيو من الجمهوريين الذين ما كانوا ليؤيدوا هيلاري كلينتون بأي حال. وكذلك لم تتأثر نسبة عالية بالمثل هي 91% بمصافحة لازيو لياسر عرفات. وقد كان السؤال الاكثر ايضاحا لمواقف من جرى استطلاعهم هو ذلك الذي تضمن الطلب من الناخبين اليهود في نيويورك الايضاح ما هي (بحسب اختيارك للكلمات القضية الاكثر اهمية في هذا السباق نحو مجلس الشيوخ الامريكي) . وتبدو النتائج رائعة لان واحدا في المئة فقط من الاشخاص البالغ عددهم 401 شخص الذين اجري استطلاع الرأي لهم ردوا بأن هذه القضية هي اسرائيل. والنتائج هي في صورتها الكاملة كالتالي: القضية الاكثر اهمية في السباق الى مجلس الشيوخ في نيويورك * التعليم 31% *الاقتصاد 4.8% * الضمان الاجتماعي 6% * الضرائب 5% * الجريمة 2% * البيئة 2% * اسرائيل 1% * قضايا اخرى 35% وبتعبير آخر فإن كل هذا السلوك الغريب كان فيما يبدو ضجة بلا طائل, فالناخبون اليهود في نيويورك, شأن الامريكيين الاخرين يقترعون على اساس قضايا اخرى, وهناك يهود ليبراليون يقترعون تقليديا لصالح الديمقراطيين بسبب التزامهم بأجندة سياسية واجتماعية ليبرالية. ومن ناحية اخرى فإن اليهود المشتددين والاكثر محافظة يقترعون بصورة متزايدة لصالح الجمهوريين بسبب موافقتهم على الاجندة الجمهورية السياسية الشاملة. غير انه كما يشير مثال دكتور كلوفيس مقصود فإن هناك درسا اخر ينبغي تعلمه من هذا كله. ان المنتج الجانبي الاكثر اهمية لاساليب (الموسم السخيف) هو ان الجالية الامريكية العربية في ولاية نيويورك التي يبلغ قوامها 250 ألف نسمة يتم حرمانها من حقها في العملية السياسية. ولأن سياسي نيويورك يقومون بشكل زائف بتنميط الجالية اليهودية وتصنيفها باعتبارها كتلة مؤيدة لاسرائيل تتحرك وراء قضية واحدة فإنهم يبدون خائفين من المخاطرة بابعاد هذه المجموعة عنهم بمد ايديهم للامريكيين العرب وحتى الآن فإنه لم يتم وضع اي برنامج لقاء بين الجالية الامريكية العربية وسياسي نيويورك في اطار الحملة الانتخابية الحالية. وانني لأتذكر انه في عام 1989 قامت حملة سياسي بارز في نيويورك بإبلاغي بأن المسئولين بها لن يرحبو بالتأييد الامريكي العربي خوفا من ابعاد المؤيدين اليهود عنها. وفي حقيقة الامر فإنهم علقوا لافتة كتب عليها (لا يسمح للعرب بالمشاركة) على باب مقر حملتهم وعندما قامت احدى صحف نيويورك باجراء مقابلات مع جميع القادة اليهود في المدينة حول ما اذا كان من الصواب ابعاد الامريكيين العرب وعما اذا كان اشراكهم سيكلف من يقوم بذلك ثمنا هو فقدان التأييد اليهودي, اصبح جليا ان معظم القادة اليهود قد احسوا بالضيق من هذا الجهد المبذول لابعاد الامريكيين العرب. وكنت قد علقت الآمال على ان درسا قد تم بالفعل تعلمه في هذا الشأن. ومن اساليب السلوك التي تم اتباعها في الاسابيع الماضية يبدو ان هذا الدرس لم يترك ادنى بصمة على تفكير بعض السياسيين. والآن اذا شئنا ان نطرح الحقيقة التي لا مراء فيها فإنه لابد من ملاحظة ان هذا الاستبعاد للامريكيين العرب ليس سمة شاملة في انتخابات هذا العام, فهو ليس ممارسة ملحوظة في متشيجان ولا اوهايو ولا إلينوي ولا بنسلفانيا حيث يتم الاعتراف بحضور الامريكيين العرب في الحياة السياسية. وفي نيويورك وحدها تستمر هذه السخافة لتصل الى مثل هذه الدرجة الضارة. وهي مسألة بالطبع تلحق الاذى بالامريكيين العرب في تلك الولايات وتضر بالديمقراطية الامريكية. ولكن المرء يمكنه ان يشير الى ان ذلك يعد حماقة من جانب السياسيين كذلك. ففي انتخابات يتقارب فيها الفارق ين المتنافسين كما في السباق على مجلس الشيوخ هذا العام فإنه من المحتمل الى حد كبير ان الامريكيين العرب في الولاية البالغ عددهم 250 ألف نسمة يمكن ان يشكلوا الفارق في حسم النتيجة. ولكن نزع لافتة (لا عرب) ومد اليد الى الجالية سيقتضي القليل من الشجاعة وهي شجاعة لا وجود لها حتى الآن في (الموسم السخيف) لنيويورك. رئيس المعهد الأمريكي العربي