لم تخرج قرارات المجلس المركزي عن دائرة التوقعات, خاصة تلك التي لم تؤخذ بالضجيج الذي كان يملأ الساحة السياسية الفلسطينية حول اهمية دورة المجلس المركزي الاخيرة, وحول القرارات التي يمكن ان تصدر عنها. فقد جاءت هذه القرارات صدى لمتطلبات العملية التفاوضية واستحقاقاتها الدولية والعربية, اكثر مما عكست رغبة الشارع الفلسطيني الذي جرت تعبئته حول الاعلان المرتقب للدولة الفلسطينية العتيدة, بحيث تولدت لديه اوهام بأن الثالث عشر من سبتمبر سيكون يوما فاصلا في حياته. وبالنتائج التي افرزتها اجتماعات المجلس المركزي تكون القيادة الفلسطينية قد استجابت للنصائح والضغوط العربية والدولية التي قدمت لها او مورست عليها, والتي شكل البيت الابيض مركزها الاساسي, وبذلك منحت القيادة الفلسطينية ـ طوعا او كرها, او على مضض ـ الادارة الامريكية فرصة الاسابيع الخمسة التي طلبتها لانجاز عملية التسوية, وتوظيف ثمارها لكسب معركتها الانتخابية, كما مددت بهذا التأجيل عمر حكومة باراك القصير تحت وهم ان حكومة حزب العمل اقل سوءا في توجهاتها السلامية من حكومة اسرائيلية اخرى يقودها او يشارك فيها الليكود والاحزاب الدينية المتطرفة قد تأتي بها انتخابات اسرائيلية مبكرة, ومن ناحية ثالثة, اقنع الطرف الفلسطيني نفسه ان التأجيل قد يعفيه من اللوم والاتهام بعرقلة عملية التسوية من قبل خصومه, ويبرىء ذمته امام اصدقائه, وقد يكسبه المزيد منهم, مقدما هذه الاعتبارات الخارجية على الاعتبارات الداخلية التي احتلت دوما لديه المرتبة الثانية. والسؤال هنا ماذا بعد التأجيل؟ وهل هو التأجيل الآخير؟ وماذا يتوقع ان تفعل له, او فيه, هذه الاسابيع الخمسة المقبلة بعد ان لم تسعفه سبع سنوات من الرهانات الامريكية ووعودها الكاذبة. فالادارة الامريكية لم تطلب هذه المهلة لتمارس ضغوطها على الجانب الاسرائيلي, وانما طلبتها لتكثف من جهودها, وتحشد كل ادواتها العربية والدولية للضغط على الجانب الفلسطيني, او لتوجه له الضربة الاخيرة. فهي حين دعته على عجل لقمة كامب ديفيد الاخيرة كانت تعتقد انه قد انهك, او روض بما فيه الكفاية, او (استوى) كما يقال في اللغة الشعبية الدارجة. لكنها فوجئت ان نبضه الوطني ما زال قويا وان اصوات الشعب الفلسطيني ونداءاته كانت تملأ سمعه مخترقة كل الحواجز والجدران والاسوار التي احيط بها في كامب ديفيد, مانحة اياه المناعة التي مكنته من الصمود في وجه الضغوطات والتهديدات التي وجهت اليه. ومنذ انتهاء قمة كامب ديفيد لم تتوقف الحركة الامريكية الضاغطة مستنفرة الى جانبها كل القوى الدولية المؤثرة تقريبا بما فيها القوى العربية والاسلامية التي اراد الجانب الفلسطيني الاحتماء او الاستقواء بها من خلال اثارة موضوع القدس, ومحاولة استقطاب موقف عربي واسلامي حولها. لم تغير الادارة الامريكية موقفها, لكنها غيرت تكتيكاتها فبعدما كان ضغطها المباشر على الطرف الفلسطيني هو المظهر الغالب في سياساتها, وربما اعطت اولوية ـ ودون ان تتخلى عن دورها المباشر ـ للضغط غير المباشر عبر الاطراف العربية, وربما اصبحت القدس ـ للأسف الشديد ـ هي الثغرة التي يمكن من خلالها الالتفاف على الموقف الفلسطيني وايقاعه في الشرك. فحين ضخمت قضية القدس على حساب القضايا الاخرى بدت وكأنها نقطة الخلاف الوحيدة, فانصبت الجهود والوساطات عليها, وجرى تقسيمها الى احياء وحارات وشوارع وباحات وفوق الارض وتحت الارض, وانحصر البحث في كيفية توزيع هذه الحارات. فماذا لو امكن التوصل الى صيغة توفيقية تعالج موضوع الاقصى الذي اصبح عنوانا لقضية القدس؟ فهل يعني ذلك نهاية المطاف وغاية المنى بالنسبة للطرف الفلسطيني؟ وماذا عن الحقوق الوطنية الاخرى وفي مقدمتها قضية اللاجئين؟ وكيف سيعيد الجانب الفلسطيني الاهتمام العربي والدولي بها؟ ان الشعب الفلسطيني الذي لا يفوته تقدير اهمية القدس واعتزازه بها وحرصه عليها,يرى لكل حق من حقوقه الاخرى قدسيته الخاصة ايضا, وهو ما تدركه القيادة الفلسـطينية ولذلك فهو حين يستجيب للتأجيلات المتكررة, او يسكت عليها, ويمنح قيادته فرصة اخرى وقد تكون اخيرة للتجريب, رغم عدم قناعته بامكانية حدوث اي تغيير في الموقف الامريكي او الاسرائيلي فإنه يفعل ذلك على اساس واحد هو ان تصمد القيادة في وجه كل الضغوطات, وان تتمسك بكل القضايا دون تفضيل او تقديم لأي منها على حساب الاخرى. وهذا وحده هو المقياس الذي يعزز الثقة او يهزها بين القيادة والشعب. كاتب فلسطيني