رقصة الموت لفرسان الساحات الخالية على الجانب الآخر من النهر كان خصوم هيكل ينصبون له المحاكم والمشانق, ويقرعون الطبول, ويرقصون حوله رقصة الموت, ويتلذذون بأكل لحمه نيئا, بينما هو وحيد, بعيد, لا يملك لمواجهة كل هذه العواصف والأعاصير سوى تجديد الثقة في نفسه. لقد كانت قائمة الاتهامات لا حد لقسوتها, ولا لضراوتها, من تدمير عقل الأمة إلى تزوير تاريخها, ومن انفراده بالسلطة الصحافية إلى تضليله السلطة السياسية, ومن ارتباطه بالأجهزة الخفية إلى تربحه من علاقاته العلنية, ومن التنكر لكل من ساعدوه إلى التنكر لتاريخه الشخصي. وقد ضمت كتيبة الرماة أسماء معروفة ومشهورة في الحياة الصحافية والسياسية والفكرية, مثل الدكتور فؤاد زكريا, مصطفى أمين, أنور السادات, موسى صبري, أحمد أبو الفتوح, إحسان عبدالقدوس, جلال كشك, ناصر الدين النشاشيبي, فتحي غانم, ومرشد الإخوان عمر التلمساني, وغيرهم ممن يصعب حصرهم من المحيط إلى الخليج. لقد خصص فيلسوف معاصر هو الدكتور فؤاد زكريا كتابا بالكامل عن هيكل نشره في ابريل 1984 بعنوان (كم عمر الغضب ـ هيكل وأزمة العقل العربي) , كان بمناسبة الضجة التي أثارها كتاب هيكل عن السادات وعصره والذي نشره بعنوان (خريف الغضب) . وأهم ما في الكتاب أن الدكتور فؤاد زكريا ينتقد منهج هيكل السياسي, ويتهمه بالتناقض مع نفسه, ولو كان هيكل يستخدم قوة سلاح (الأرشيف) في مواجهة خصومه فإن هذا السلاح يمكن أن يستخدم ضده أيضا, ولا يرى الدكتور زكريا فروقا جوهرية بين نظامي حكم جمال عبدالناصر وأنور السادات, الفروق شكلية, أما الجوهر فهو نظام حكم فردي, تختفي فيه الديمقراطية ويسود جو التكتم وتتفجر فيه القرارات الفجائية غير المحسوبة, ولا يسمح بالاختلاف معه, وإلا كان الثمن فادحا. إن السادات كان امتدادا لعبدالناصر, وهو الذي اختاره, فلو كان السادات خائنا فاسدا عميلا فلماذا أدخله عبدالناصر تنظيم الضباط الأحرار؟ ولماذا اختاره فيما بعد نائبا له وهو يعلم انه قد يخلفه في المسئولية؟ ولا يجوز أن تكون مبررات اختياره انه الوحيد من بقايا مجلس الثورة الذي لم يعين نائبا للرئيس, فالسلطة لا تدار بطريقة (القرعة) . كما ان هيكل (استثنى نفسه تماما من اللوم, وصب الاتهامات على الغير وكأنه كان طوال الوقت مشاهدا محايدا أو ناصحا أمينا) . (إن هيكل كان جزءا لا يتجزأ من معظم الأخطاء التي يعيبها على السادات وأن دوره قد بلغ ذروة التأثير في سنوات التكوين الأولى التي تشكلت فيها معالم السياسة الساداتية الجديدة والتي ترجع إليها معظم التطورات اللاحقة. هذه حقيقة لابد أن يثبتها التاريخ على نحو قاطع, ومع ذلك فإن من يبحث عند هيكل عن كلمة واحدة تعبر عن تأنيب الضمير أو مراجعة النفس أو نقد الذات سيكون بحثه قد ضاع هباء) . ولعل أخطر ما في نقد الدكتور فؤاد زكريا هو انه يتجه مباشرة نحو طريقة التفكير وخطورتها على العقل العربي الذي (أصابه التشويه بعد سنوات طويلة من الممارسات الملتوية المقيدة بألف قيد) . حسب تحرياتي تكاد مذكرات موسى صبري التي نشرها في عام 1992 بعنوان (50 عاما في قطار الصحافة) أن تكون طعنا في هيكل. وقد رصدت في هذه المذكرات, التي نشرتها دار الشروق قبل وفاة صاحبها بالسرطان 25 واقعة منشورة بالتفاصيل تتعرض لهيكل, فمصطفى أمين رفض أن يعينه رئيسا لتحرير (الأخبار) مراعاة لهيكل, وقبل ذلك رفضوا رفع مرتبه في (آخر ساعة) حتى لا يتقاضى أكثر من هيكل. ورفض إحسان عبدالقدوس ـ وكان رئيسا لمجلس إدارة (أخبار اليوم) ـ نشر مقالة له لانه يهاجم هيكل. إن هيكل يكاد يكون هاجسا نفسيا وعصبيا لموسى صبري, ليس في مذكراته فقط وإنما في كتبه السياسية الأخرى أيضا, بل ان هناك من يعتقد انه كان يقصد هيكل في روايته المتواضعة (دموع صاحبة الجلالة) التي أنتجها التلفزيون الحكومي مسلسلا دراميا, ثم تحولت إلى فيلم سينمائي, وحسب تحرياتي فإن إبراهيم سعدة أرسل الرواية لهيكل قبل النشر كي يقرأها ويحذف منها ما يشاء, لكن هيكل رفض ذلك. وحسب تحرياتي أيضا فإن هيكل رفض اقتراح الكاتب الصحافي محمود عوض برفع قضية على موسى صبري, بدعوى أن بطل الرواية هو مزيج من شخصيتهما معا, ويبدو ان اعتذار هيكل عن رفع القضية أضعف من العلاقة الإنسانية بينه وبين محمود عوض الذي يحمل بطل الرواية محفوظ عجب الحرفين الأولين من اسم محمود عوض, الميم والعين. وحسب تحرياتي, فإن هيكل رفض الاستجابة لضغوط محمود السعدني بزيارة موسى صبري وهو على فراش الموت. كان موسى صبري هو الذي أراد رؤية هيكل قبل الرحيل, لكن هيكل كان يرى أن ما فعله مع موسى صبري لم ينل منه إلا جزاء سنمار. وهناك واقعة لا يرويها هيكل إلا لأصدقائه المقربين, هي أن موسى صبري اتصل به وقال له وهو في غاية الانزعاج: (يا فندم حدثت مشكلة لا أعرف كيف أتعامل معها, لقد اتصل بي أمين الاتحاد الاشتراكي في القاهرة عبدالمجيد فريد وقال لي ان علي صبري لا يريدني صحافيا في (أخبار اليوم) . كان هيكل في ذلك الوقت مشرفا على (أخبار اليوم) وقد رد على موسى صبري قائلا: (يا موسى.. أنت بتأخذ أوامرك من مين؟ مني أم من الاتحاد الاشتراكي؟.. ابقى في مكانك وانس كل ما سمعت!) . واتصل هيكل بإدارة تحرير (الأخبار) وسأل سكرتير التحرير وكان عبدالسلام داود: (متى ينشر موسى صبري يومياته في الصفحة الأخيرة؟) . وجاء الرد: (موعده غدا... لكنه خاف أن يكتبها) . فقال هيكل: (دعه يكتبها!) . فقال عبدالسلام داود: (مفيش وقت... المطبعة تنتظر على عجل) .. فسأل هيكل: (ومن كتب اليوميات بدلا منه؟) . وعرف انه أحمد زين, فطلب رفع اسم أحمد زين من على يومياته وطلب وضع اسم موسى صبري عليها حتى لا يبدو أن تهديد الاتحاد الاشتراكي قد أثمر. وفي اليوم التالي تلقى هيكل مكالمة أكثر انزعاجا من موسى صبري الذي كان هيكل قد رفع مرتبه من 3600 جنيه إلى 5000 جنيه في السنة وعينه رئيسا للتحرير. العقل والظل لم يكن موسى صبري هو الوحيد الذي لجأ إلى حيلة الكتابة الروائية للانتقام من هيكل, لقد اجتهد البعض في تفسير روايتي (زينب والعرش) و(الرجل الذي فقد ظله) لفتحي غانم بحثا عن ملامح لهيكل بين أبطالهما, خاصة وان الروايتين تدوران في كواليس عالم الصحافة بكل ما فيه من براعة وشراسة, لكن فتحي غانم أنكر ذلك في آخر مقالاته التي كتبها قبل وفاته في مجلة (صباح الخير) . ففي عدد يوم الخميس 21 يناير 1999 كتب فتحي غانم: (كان يوسف عبدالحميد السويفي بطل رواية (الرجل الذي فقد ظله) شخصية بريئة وماكرة وانتهازية في نفس الوقت. وكان قد مضى على ثورة 23 يوليو أكثر من ثماني سنوات فسقطت خلال هذه السنوات هالات أحاطت برجال الثورة كانت ترفعهم إلى مصاف الأبطال الأسطوريين وظهرت بينهم أعراض الضعف الإنساني) ... (ومن هنا كان تفكيري في براءة يوسف وطفولته من ناحية وأمانته في النفاق من ناحية أخرى, وكان لابد أن يكون قد شق طريقه إلى القمة بعد معارك اقتحمها ببراءته ومكره ونفاقه. كنت أتصوره الصحافي الأول في مصر, ومن هنا قلت لجمال كامل وهو يسألني عن شخصية يوسف ليرسمها, انه محمد حسنين هيكل لانه كان الصحافي الأول في مصر, وكان مقربا من جمال عبدالناصر, لكنه كان أبعد ما يكون عن شخصية يوسف عبدالحميد التي أريد كتابتها ولا يقتصر البعد عن اختلاف حياة كل من يوسف وهيكل فلا صلة بين وقائع حياة الشخصية الروائية ووقائع حياة الشخصية الحقيقية) . (ولقد كانت الصداقة التي جمعتني بهيكل تعود إلى بداية حياته كصحافي, وكان يتعامل في عالم الصحافة بيقظة شديدة وانتباه مستمر لكل ما يدور حوله وكان سلاحه الذي ينتصر به هو الخبر الذي يحصل عليه, ولذلك كان بعيدا تماما عن مفهوم البراءة والمكر والنفاق عند يوسف) ... (وللحقيقة لم يصل هيكل إلى القمة بالطرق التي لجأ إليها يوسف. وكان هيكل يقول لي: أنا أمام عبدالناصر لا أختلف عن بقية الصحافيين الذين يتصلون به ومن بينهم محمد التابعي ومصطفى أمين, لكن عبدالناصر رآه أكثرهم نشاطا وكان يجد عنده في أي وقت أحدث الأخبار, والحاكم يحتاج إلى صحافي ناجح يثق فيه كما يحتاج الصحافي إلى حاكم يزوده بأخباره. ولقد جرب عبدالناصر صحافيين قبل هيكل, فكان يسأله عنهم ويطلب الاتصال بهم في ساعة متأخرة من الليل فلا يجدهم, وتمر ساعات قبل أن يتصلوا به, وتأتيه أخبار هؤلاء الصحافيين فإذا بأحد الذين يبحث عنهم يقضي سهراته في عوامة يتعاطى الحشيش وآخر يقضي ليلته في شقة خاصة وثالث يلعب القمار مع من يشنعون على الثورة. (وعندما طلب مني هيكل أن أعمل معه في (آخر ساعة) قضى وقتا طويلا معي ونحن نسير على غير هدى في الشوارع. وكان يحذرني من التورط مع هؤلاء الصحافيين أو الانضمام إلى شللهم, وكان يرى انهم تقاعسوا أو تشككوا في عبدالناصر وقدرته على الاستمرار في قيادة الثورة فأبعدوا أنفسهم بأنفسهم, وهكذا توطدت العلاقة بين هيكل وعبدالناصر لانه اعتمد على كفاءته ولا شيء آخر, ولا أظن أن شيء آخر كان ينفعه مع عبدالناصر. (هذا هو هيكل الذي عرفته وهو يختلف تماما عن يوسف السويفي مظهرا ومخبرا فلا صلة بين الاثنين سوى أن كليهما يحتل المركز الأول المقرب من عبدالناصر, ويبدو ان هذا يكفي عند القراء سواء في مصر والعالم العربي أو العالم الخارجي, فقد نوه كاتب في (نيويورك تايمز) بأن (الرجل الذي فقد ظله) مكتوبة عن محمد حسنين هيكل. ولقد حدث التساؤل من هيكل نفسه فقد فاجأني محمد التابعي وأنا في بيته قائلا: هل اتصلت بمحمد (يقصد محمد حسنين هيكل).. قال: لا, فقال: أفضل أن تتصل به لانه سألني إذا كانت الرواية التي أكتبها عنهما... التابعي وهيكل أم ماذا؟. وذهبت إلى هيكل في مكتبه بـ (الأهرام) فقابلني ضاحكا في سخرية قائلا بالانجليزية: أهلا بالرجل الذي فقد عقله.. ولم يستغرق الأمر أكثر من دقيقة لنضحك معا, لانه يعرف ان يوسف شخصية أخرى, وإن كانت الناس تتحدث بأن يوسف هو هيكل, ولا فائدة في مثل هذه الأحوال من الحديث عن الرواية والفرق بين الواقع والوقائع واختلاف الشخصية في كل منهما لأن الذي يسمع هذا الكلام كان يرفضه, وقد استراح إلى أن يوسف هو هيكل وإذا صدق أي كلام آخر فسوف يشعر بالاحباط. (وتناول ديزموند ستيورات الروائي الانجليزي الذي ترجم (الرجل الذي فقد ظله) إلى الانجليزية موضوع هيكل في مقال له كتبه في مجلة (انكونتر) الانجليزية بمناسبة الخلاف الذي وقع بين السادات وهيكل وأدى إلى خروج هيكل من (الأهرام) . قال ديزموند: إن هيكل كان في وضع يستطيع فيه أن يلحق الضرر بفتحي غانم إذا أراد ولكنه لم يفعل وهو يعلم ان الرواية بعيدة عنه ويفهم أسباب الحرص بين الناس على إلصاق شخصية يوسف به. ولقد ظل السؤال يلاحقني أينما ذهبت, في لندن أو موسكو أو الكويت أو الدوحة, أينما وجدت الفرصة لسؤالي كان لابد أن أسمع الصلة بين هيكل ويوسف, وعلى الرغم من ان الاجابة قد نشرتها عشرات التحقيقات الصحافية في الصحف العربية إلا ان السؤال يظل مطروحا لان هيكل أصبح يوسف برغبة القراء وليس برغبة المؤلف, غير ان هناك مفاجأة لابد من البوح بها, ذلك ان جمال كامل رأى بحسه الصحافي ان ما جاء على لساني لأول وهلة أني أفكر في محمد حسنين هيكل هو ما يجب أن يحرص على تسجيله في لوحاته للنشر مع الفصل الأول من كتاب يوسف وهو الكتاب الرابع في رباعية (الرجل الذي فقد ظله) تصور اللوحة شابا في مقتبل الحياة وفي الركن الأسفل للوحة تاريخ ميلاد الشاب 23 سبتمبر 1923 وهذا هو تاريخ ميلاد محمد حسنين هيكل وكان جمال يعرف التاريخ لأننا تحدثنا معا طويلا عن هيكل, وكنت أقول له انه يكبرني بخمسة أشهر وهكذا ساهم جمال بطريقة ما في اشاعة العلاقة بين يوسف وهيكل وان كان أحد لم يفطن لدلالة هذا التاريخ. (وكان مخرج مسرحي شاب درس الاخراج في الاتحاد السوفييتي وعاد إلى مصر من بعثته, فأعجبه النص الروائي للرجل الذي فقد ظله ووجده في تقسيمه إلى أربعة كتب تحديا, فطلب اخراجه على المسرح, وهكذا ساهم جلال الشرقاوي في تقديم الرواية على المسرح بنجاح كبير وزاد الاهتمام بالرواية لانها تقدم للجمهور على مسرح التلفزيون وسرت شائعة ـ لا أدري عن تفاصيلها شيئا ـ مفادها ان الدكتور عبدالقادر حاتم وزير الثقافة والاعلام شجع على تقديمها لانها تهاجم هيكل الذي ينافسه في مجال الدعاية والاعلام) . انتهى ما كتبه فتحي غانم قبل وفاته, لكن هل يكفي أن يفك الناس الارتباط القديم والمزمن بين شخصية يوسف السويفي وهيكل؟ لا أعتقد. ولم يكن فتحي غانم فقط هو الذي فسرت شخصيات بعض رواياته على انها تشير إلى هيكل. كان هناك أيضا رواية إحسان عبدالقدوس (وغابت الشمس ولم يظهر القمر) على الرغم من ان بطل الرواية ليس صحافيا وإنما يعمل في البيزنس. قل كلمتك وامش وفي الحقيقة ليس كتاب جلال كشك (ثورة يوليو الأمريكية) الذي نشره في حوالي 650 صفحة عام 1988 سوى رد على كتابات هيكل التي روى فيها قصة (حب الثلاثين سنة) .. وجلال كشك كان شيوعيا ثم انقلب على نفسه وعلى أفكاره, وبعد أن كانت مهمته في الاتحاد الاشتراكي العربي (التنظيم السياسي الوحيد في العهد الناصري) مراجعة ما تنشره الصحف للتأكد من انها (تمشي على الخط) ترك مصر ليعمل في صحافة بيروت, وبعد أن ساد النفط كان أبرز انتاجه كتاب (السعوديون والحل الإسلامي) الذي كان يباع بسعر أقل بكثير من سعر الورق المطبوع عليه. ولا يمكن حصر الكتب والصحف والمقالات والكتابات التي راحت تهاجم هيكل, لكن كان السؤال المحير هو كيف نجا هيكل من هذا الهجوم الضاري؟ كيف صمد في وجه الضربات الثقيلة التي تعرض لها؟ كيف جعلته الحروق والرضوض والكدمات أكثر تمسكا بخشبة صليبه وأكثر ادراكا للعلاقة العضوية المصيرية التي تربط الكتابة بالحروف والمعارك, وربما بالموت والاستشهاد؟. إنني أعرف اننا حين نكتب نكسر شيئا ومن طبيعة الشيء المكسور أن يصرخ دفاعا عن نفسه, وقد كانت كتابات هيكل في بعض الأحيان دبوسا في عصب الذين أرادوا اخفاء تجربة وطنية متميزة خاضها جمال عبدالناصر بحلوها ومرها, والذين أرادوا وضع هذه التجربة على مائدة التخدير, خاصة وان هيكل لا يحترم التاريخ كنصب تذكاري, ولا يتعامل معه وكأنه برشامة كتب على غلافها الخارجي (ليس في الامكان أبدع مما كان) . وإنما يتعامل مع التاريخ كشرارة تضيء المستقبل, وربما لهذا السبب كان هناك الكثير من الخلط بين الهجوم عليه والهجوم على جمال عبدالناصر, وان كان هذا الخلط قد جعل تيارات عريضة من الناصريين تغفر له وقوفه إلى جانب السادات في انقلابه على رجال عبدالناصر في 15 مايو 1971, كما ان تجربة السجن (وهي بمثابة شهادة نضال في العالم الثالث) دعمت طريق الغفران. وينكر هيكل في كثير من الأحيان انه يقرأ الهجوم عليه, وهو انكار يعفيه من صداع مناقشة أمر يراه غير لائق بالاقتراب منه حتى مع أقرب الناس إليه. وهو يقول: (لقد عودت نفسي منذ زمن طويل أن أتجنب الرد على الكثير مما يمكن أن ينشر عني أو يذاع, ولم يكن ذلك ـ فيما أرجو عن بلادة حس أو عن مركبات غرور وإنما كان دافعي إليه انني أعرف من واقع الحال وعن طبائع الظروف ما يغنيني, وأكاد أقول يرضيني, إنني تمثلت بنصيحة الفيلسوف القديم (قل كلمتك وامش) . وقد قلت كلمتي ومشيت, ولم أسمح لنفسي بأن أتلكأ على باب أو أن أقف في انتظار دقة جرس, وهكذا فانني منذ تركت مكاني القديم في (الأهرام) وفي ظروف ليس هذا مجالها الآن, كان قراري ـ ولم أحد عنه ـ أن تكون حياتي في مصر وليس خارجها وأن يكون عملي لها حتى وإن حكمت الأيام عليه بأن يظهر في بلاد أخرى غيرها) (1). وفي موضع آخر يقول: (انه في العادة عزوف عن استعمال حق الرد (وهو حق شرعي) خصوصا في ظروف لا تسمح بالحق من أصله, ومن ثم تصبح ممارسة الفروع ـ أو محاولة ذلك ـ نوعا من ضرب الرؤوس في الجدران, وحتى لو لم تكن كذلك فإن القول المأثور عن (برنارد شو) يبدو مقنعا لي: (انهم يقولون.. ماذا يقولون؟ دعهم يقولون!) (2). أي انه يفرق بين القول والتقول. واعتبر الهجوم عليه والتشهير به من فصيلة التقول, لا يجوز التوقف عنده. وفي الظروف السياسية المعادية له اعتاد هيكل أن يصف من يهاجمونه بأنهم (فرسان الساحات الخالية) , هؤلاء الذين يرمحون في ميادين يعرفون مقدما انه ليس فيها (عدو) وبالتالي ليس عليها قتال) .(3) وحين وصلت اليه من بعيد صرخات هذا الطراز من الفرسان لم يجد ما يغريه أو يدعوه إلى الاصغاء لأصواتها أو انتظار اصدائها, ولم يخرج سوى مرات نادرة عن ما آثر الالتزام به. عندما تتكسر النصال لهيكل عبارة خاصة به, ينفرد بها منذ سنوات بعيدة, يجدها مناسبة للرد والتعليق على كل ما لا يعجبه, هي: (يلا.. بلا دوشة) .. وأحيانا يقول: (يلا.. بلا خوتة) .. والدوشة أو الخوتة تعبير مصري دارج يعني الصخب والضجيج الذي بلا طحين. لكن الخوتة أو الدوشة أحيانا كانت تزيد عن الحد, وكثيراً ما كانت تأخذ شكل الضجة المؤثرة, أو الضجة التي لا يمكن الفرار من تأثيرها, وفي هذه الحالة لابد من الرد. وهو ما فعله هيكل حين نشرت إحدى الصحف عنوانا رئيسياً في صفحتها الأولى تعليقا على رأي أبداه خارج مصر بمعارضة رحلة السادات للقدس قالت فيه بالحرف الواحد (واحد من مصر) وكان رده على ذلك بعبارة واحدة في نهاية مقال نشر ايضا خارج مصر هي: (بل واحد من مصر) . وهو مافعله هيكل أيضا في كتاب (بين الصحافة والسياسة) المنشور في عام 1984 وهو أول كتاب يحمل إهداء خاصا لم يعتد عليه في كتبه من قبل, كان الإهداء لاولاده الثلاثة: علي وأحمد وحسن, و(الى عشرات الملايين غيرهم من شباب مصر وامتها العربية وحتى لا يضيع منهم الغد لسبب بسيط لا ذنب لهم فيه هو انهم لم يكونوا معنا بالامس) , والكتاب يكشف طبيعة العلاقة بين الصحافة والسياسة في مصر على امتداد الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية (أي منذ بدأ هيكل مشواره الصحافي تقريبا) وحتى فترة كتابته في منتصف الثمانينات, وهي قصة يصفها هيكل بأنها واحدة من أغرب القصص في علاقة الصحافة والسياسة في مصر, والتي مازالت مستمرة في تأثيرها تتواصل كل صباح) . وعلى الرغم من أن القصة تبدو وكأنها قصة الصراع بين هيكل ومصطفى أمين, او تبدو وكأنها (قصة صراع حيتان هائجة في البحر حولته بجراحها الى بقعة حمراء من الدم) , أو كأنها (قصة تسوية حسابات قديمة كان يجب ان تذهب الى زوايا النسيان لكن نوازع النفس البشرية الامارة بالسوء اعادت بعثها مرة أخرى الى الحياة) , فإن هيكل يرفض ذلك ويرى ان صراع الأبطال الظاهر على المسرح يخفي في الكواليس صراعا لتشويه تجربة للتحرر الوطني والتقدم الاجتماعي والاقتصادي جرت في عصر عبدالناصر, وقد جرى تشويهها باستخدام (اسلحة العصر ووسائله, ومنها بطاريات الاعلام الثقيلة, وعندما تختلط الامور ـ كما هو الآن ـ فإن ما يضيع ليس العلم والتجديد فقط وإنما يضيع الحلم الوطني والقومي ولا يكون هناك بديل غير القمع والقهر(4)) . وعندما يضيع الحلم فإن الانظمة لايعود امامها غير طريق واحد بدايته قناة تلفزيون أو محطة اذاعة أو جريدة, ونهايته دبابة أو مدفع أو طائرة, اذا عجزت الانظمة عن تطويع ارادة الناس بالكلام تولي السلاح مهمة اخضاعهم بالحديد والنار(5). لم يكن هذا الكتاب في خطة هيكل, كانت خطته ان ينشر كتابا عن (ظهور وتراجع القوة العربية) , وهو يضيف: (لقد بدأت المحاولة ثم كنت انا الذي تراجعت مؤقتا عما اعتزمت, فقد وجدتني اصف عالما عربيا احواله تدعو للرثاء, ولم أشأ أن يكون ما اكتبه سهما جديداً تتكسر به النصال على النصال) (6). وهكذا انتقل هيكل من مشروعه الكبير (وهو تاريخ المنطقة العربية من أعقاب الحرب العالمية الثانية ـ منتصف الاربعينيات ـ إلى أعقاب حرب اكتوبر ـ منتصف السبعينيات ـ وشخصية جمال عبدالناصر امام الخلفية الواسعة الهائلة) . ويستطرد هيكل: (لم اكن احلم بموسوعة علمية وانما كنت اريد أن احاول ما حاوله غيري من الكتاب والصحافيين ممن أتاحت لهم الظروف فرصة ان يروا حقبا لها معنى ورجالا لهم أدوار, فراحوا يرون شهادتهم كما عاشوا الحوادث ورأوها تتوالى وتتعاقب, لكن وأنا أجرب هذه المحاولة لاحظت كثافة النيران الموجهة الى جمال عبدالناصر وخطر لي ان استكشف مصادرها, ووجدتني امام سبب اضافي يحفزني على تناول موضوع هذا الكتاب(7). كتاب (بين الصحافة والسياسة) . وأصر هيكل على أن ينشر الكتاب وكل الاطراف ـ وعلى رأسها مصطفى أمين ـ على قيد الحياة, وقبل أن ينزل على هذه الاطراف ستار الابدية, وحتى لا يقول قائل (لماذا لم يتكلم وكان في مقدوره الكلام.. او يقول آخر: بعد فوات الأوان جاءوا يتكلمون) .. وهكذا كان على هيكل أن يحسم أمره.. وليكن ما يكون..) عارفا مسبقا أنها مهمة دونها أهوال, فلدى الآخرين سلطة وليس في يده شيء, ولدى الآخرين منابر ضخمة كأنها الحصون وهو في الهواء الطلق أو العراء, وبالتالي فهي موازين غير متكافئة, وعلى أي حال وفي النهاية اطاع نداء داخليا راح يهيب به أنه: (الآن وقت الكلام وإلا فلا كلام) وكان ذلك بعد 14 سنة من الهجوم عليه وعلى عبدالناصر, بدا فيها ان للصبر حدوداً, مهما طالت أو تباعدت الأيام. ولعلي أكشف سرا لو قلت أن بعضا من وثائق الكتاب التي تتعلق بمصطفى أمين وأخبار اليوم كان مصدرها محمد التابعي, الاب الروحي لجيل مصطفى أمين وهيكل, وللصحافة المصرية الحديثة, ولعلي لا أكشف سرا لو قلت أن هيكل كان يتوقع ان يلجأ مصطفى أمين للقضاء, على الاقل حماية لماء الوجه الذي اريق على صفحات الكتاب, وهو ما جعل هيكل يحتفظ بعدد من الوثائق لم ينشرها في الكتاب في انتظار ان يقدمها للقضاء, لكن مصطفى امين لاذ بالصمت واكتفى بتحريك غيره للرد, وخذل هيكل بعدم اللجوء للقضاء, على حد تعبير هيكل نفسه, فكان ان بقيت الوثائق في مأمنها, لأن هيكل وجد أنه ينشر الكتاب وبرحيل مصطفى أمين قد أغلق الملف. الهوامش: (1) خطاب من هيكل لجريدة الشعب الناطقة بلسان حزب العمل المعارض في 30 سبتمبر 1980 رداً على مقال للدكتور محمد عصفور نشرته الجريدة بعنوان (ديمقراطية آمين) . (2) مقدمة كتاب (أحاديث في العاصفة ـ الناشر دار الشروق ـ عام 1987. (3) المصدر السابق. (4) كتاب (بين السياسة والصحافة) . (5) المصدر السابق. (6) المصدر السابق. (7) المصدر السابق.