جمعني حديث عن هموم المنظومة التربوية التعليمية بالدولة مع أحد التربويين الذين قضوا ربع قرن من العمر في شتى أروقة الميدان والديوان حتى ترك العمل الرسمي إلى آخر مع الاستمرار في المسار, وخلاصة الحديث تكمن في أن التربية هم كل إنسان صغيرا أكان أم كبيرا لانها النفق الذي يجب أن يتخطاه بسلام إذا أراد لنفسه مكانة مرموقة في المجتمع بعيدا عن تهمة الأمية بشتى أنواعها. أول ملاحظة تبدو في البون الشاسع بين الميدان والديوان, فمن النادر جدا أن يصدر قرار ديواني يتفق عليه أهل الميدان في غالبيتهم, أما البقية فعندهم السكوت ليس من علامات الرضى بل خوفا مما لا تحمد عقباه وأبسطها التجميد غير المباشر. يتبع هذه الملاحظة واحدة أخرى أشد وطأة من الأولى, فالقرار الديواني يكون أحاديا من وحي ما يفكر به الخبير الذي من النادر أن يعرف البيئة التربوية والاجتماعية للدولة حتى وان جاب طرقاتها. فأهل مكة أدرى بشعابها التربوية وغيرها فلم لا نشارك الخبراء فيما هو آت, فما الحكمة من وجود خبير أو عشرة من الخارج دون محاولة التلاقح الفكري المتوازن بين ما يريد وما نريد؟ إن التربية حتى تصقل تحتاج إلى تقوية روح الانتماء إلى مؤسستها, وهذا هو الفاقد الواضح من خلال الذين تركوا بعد عقود هذا الميدان الثري في العطاء إلى ميادين أخرى بعيدة كل البعد عن التربية و(صدعة الرأس) . فإذا كان الأخذ على قدر العطاء فإن الذي يجنيه رجل التربية والتعليم من الناحية المادية والمعنوية مقارنة بالكثير من الوظائف الأخرى بالدولة شيء لا يذكر, ففي اليابان على سبيل المثال راتب المدرس يوازي راتب وكيل وزارة, أما عندنا فما زال المدرس يعيش على أمل 30% الزيادة التي صارت من ضمن أضغاث الأحلام. ما هو العطاء المطلوب من المعلم؟ كمثال فقط أن يواصل جهده منذ الصباح الباكر وحتى ساعات الفجر الأولى في كثير من الأحيان وهو ليس من حقه إداريا أن يذهب إلى الدوام الساعة التي تبدأ فيها حصته, لأن عليه أن يثبت حضوره في الميدانين مع عقارب الساعة التي تكاد تسمم روحه قبل بدنه. د. عبدالله العوضي E-Mail: DrAbdulla@albayan.co.ae