منذ اسابيع, كنت اراجع فصلا من كتاب لي بعنوان (الملفات القضائية للشاعر احمد فؤاد نجم) قبل ان ادفع به للنشر, على صفحات جريدة (القاهرة) التي أرأس تحريرها.. وهو كتاب يضم نصوص التحقيقات التي اجرتها النيابة العامة معه, ومع زميله الملحن والمغني الراحل الشيخ امام عيسى, وكان جسم الجريمة موضوع التحقيق فيها, هو قصائد الفها (نجم) ولحنها وغناها الشيخ امام. وهذه الملفات, التي انتهيت من نشرها, قبل اسبوعين افتتحت عام 1968 حين اعتقل القضائي (نجم) و(إمام) اداريا, لأول مرة, في عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر.. واغلقت في عام 1981, حين قدم (نجم) الى محاكمة عسكرية, بسبب تأليفه لقصيدته الشهيرة, (بيان هام) , التي تتقمص ابياتها, بشكل ساخر الطريقة التي كان الرئيس الراحل انور السادات, يصوغ بها بياناته وخطبه العامة, وكان نجم يقلد اثناء القائه لها في الندوات الجامعية والجلسات الخاصة, تقليد نبرات صوت الرئيس السادات, وطريقته المميزة في القاء تلك الخطب والبيانات, مما يدرجها فيما يمكن ان نسميه بـ (الشعر المسموع) قياسا على مصطلح (الشعر المهموس) الذي صكه الناقد الراحل الدكتور (محمد مندور) , خاصة وان هذا التقليد لصوت الرئيس, كان السبب الوحيد الذي استندت اليه المحكمة العسكرية في ادانته بتهمة اهانة رئيس الجمهورية, والحكم عليه بالسجن لمدة سنة اذ ان القصيدة ذاتها لم تكن تتضمن اية اشارة الى شخص الرئيس, ليكون (نجم) اول شاعر عربي يحاكم ويدان امام محكمة عسكرية, بسبب طريقة القائه لقصيدة! وكنت اثناء مراجعتي لفصول الكتاب, قبل دفعها للنشر, اتصل بـ (نجم) هاتفيا, لكي اتثبت من صحة معلومة, وردت في التحقيقات, او لأسأله عن خلفيات احدى الوقائع, او معلوماته عن بعض الشخصيات.. وحين اتصلت به في ذلك المساء, لسبب من هذا النوع, قالت لي ابنته (نوارة) التي تلقت المهاتفة, انه مريض. ولم انتبه حين جاءني صوته الى ان به بعض الوهن, وربما لأن هذا الوهن قد اختفى سريعا لتسترد نبرات صوته عافيتها ويندفع ـ كالعادة ـ ساخرا من كل شيء فقد اكتشف الطبيب انه مصاب بارتفاع في ضغط الدم, ووصف له ادوية وامره بالراحة التامة وبعدم الكلام وبعدم اكل المخللات وبعدم التدخين وبعدم الاقتراب من كل شيء على وزن المخللات, وهو ما اصابه ـ كما قال لي ـ بارتفاع مضاعف في ضغط الدم. واكد لي (نجم) ان الارتفاع في ضغط الدم وباء اصاب المنطقة كلها, وان مصدره هو الرئيس الامريكي (بيل كلينتون) الذي لا يزال يواصل الضغط على العرب, لكي يقوموا بالضغط على عرفات, ليقوم بالضغط على الفلسطينيين لكي يقبلوا التنازل عن القدس الشرقية, وقال (نجم) : انا مش عارف يا اخي الجدع كلينتون ده مصر لي يبعث لنا الضغط بس.. لوهوا صاحبنا صحيح.. كان يبعث لنا (مونيكا او اثنين.. يخففوا الضغط اللي عندنا! واندفعنا نضحك, ونتحاور حول ما كان لدي من اسئلة, ولم انتبه الا فيما بعد, ان (نجم) كا يخدعني حتى لا استجوبه عن حالته المرضية, وانه اراد ان يوهمني الا شيء هناك, وانه نجح في خديعة المحيطين به جميعا ومنهم ابنته (نوارة) التي ورثت خفة الظل عن ابيها وامها الناقدة المعروفة صافيناز كاظم ـ ولم يبد عليها وهي تسوق الي الخبز اي قلق, وقالت لي: تصدق يا عمو ان ابو النجوم عيان! ولم يكن فيما قالته (نوارة) مبالغة فالذين يعرفون (نجم) حتى قبل ان تولد (نوارة) لا يتذكرون انه شكى يوما من مرض, وبدا لهم دائما, حريصا على ان يظل سائرا على قدمية, ضاحكا ومتفائلا, متمردا على نصائح الاطباء. وذات مرة في اواسط السبعينيات دخلت عليه في الحجرة التي كان يقيم بها في حارة حوش قدم, فوجدته مريضا بنزلة حادة في القولون, فأخذ يلعن الاطباء الذين يجبرونه على تناول كمية كبيرة من الادوية وجدتها على منضدة الى جواره, وحين ايدت موقفهم ونصحته بما نصحوه به, اصابني رذاذ من شتائمه. وفي مرات اخرى, سمعت ان اصدقاء له من الاطباء المعجبين به, كانوا يحملونه عنوة الى مكان ما خارج القاهرة, حتى يستطيعوا علاج ما يصيبه من امراض. وبعد حوالي اسبوع اتصل بي الشاعر (احمد طه) ليخطرني بأن (نجم) في المستشفى, وان ضغط الدم قد ارتفع على نحو أثر في قدرته على تحريك الجانب الايسر من جسده, وان صديقا له هو الدكتور الشاعر (محمود عبدالظاهر) قد نقله الى مستشفى صغير يديره في احد احياء القاهرة وانه يشتبه في ان يكون ما حدث هو مقدمة لجلطة في المخ, وقال لي احمد طه: ان نجم في حاجة الى ان يوضع تحت المراقبة الطبية الدقيقة, وان يجري فحوصا في مستشفى مجهز لهذا الغرض, وطلب الي ان استخدم ما وصفه بأنه (نفوذي) لكي تضعه الدولة تحت رعايتها. انفطر قلبي حزنا فها هي أنباء السوء تترى, وقبل اسابيع قليلة شاركت في جهود بذلها كثيرون, لكي توفر الدولة رعاية طبية للفنان التشكيلي (جودة خليفة) الذي ظل على امتداد 67 عاما, يضرب في مناكبها, يضحك ويسهر والمرض يضرب في مناكبه, الى ان صدر قرار بهذا الشأن. وابتسمت في اسى وأنا اتأمل تعبير (نفوذي) الذي استخدمه احمد طه ومع انني بحثت عنه فلم اجده, الا انني تساءلت جادا عن مغزى ان يكون لأمثالي نفوذ لدى حكومة امضينا اربعين عاما, نعارضها, ولم نحصل منها, في مختلف العهود, إلا على الزنازين لا النياشين, والقيود لا الورود.. فهل نحن الذين تغيرنا؟ ام هي التي تغيرت؟ ام هو الزمان الذي تغير؟ وكانت المشكلة انني لم اعرف طوال حياتي مسئولا او صاحب نفوذ, الا بعد ان ينتقل الى الحالة سابقا, اي بعد ان يصبح غير مسئول ومن دون نفوذ وكان فاروق حسني وزير الثقافة المصري هو المسئول الوحيد الذي عرفته وهو في الحالة حاليا, وقد ادهشني حين عرض علي في اول لقاء يجمعنا قبل شهور ان اتولى رئاسة تحرير صحيفة (القاهرة) الاسبوعية التي كانت وزارته تخطط لاصدارها.. فأخذت اعدد له المبررات التي تدفعني للاعتذار, والمتاعب التي قد يتعرض لها فيما لو قبلت عرضه وكان من بينها ارقام ملفاتي في اجندة الامن.. لكنه لم يهتم بما قد يواجهه, بقدر اهتمامه بمبرراتي للاعتذار, ومع اننا اتفقنا في النهاية, الا انني آليت على نفسي الا اطلب منه شيئا يخصني واعتذرت لكثيرين عن التوسط لديه في امور تخصهم, مع اقتناعي بعدالتها حتى لا تختلط الامور, او تتداخل في بعضها البعض. اما والامر يتعلق بالمرض, وبمرض (نجم) بالذات, فإن كل شيء قابل للمراجعة, وكان ما شجعني على ذلك, انني كنت قد تعرضت لموقف مشابه قبل ثلاث سنوات, حين اكتشفت فجأة, ان خمسة من شرايين قلبي قد سدت, وأوشكت ان تخرج من الخدمة, ولا يوجد غيرها لكي يقوم بعملها, وانها في حاجة الى عملية سباكة تتطلب نفقات لا قبل لي بها, وكنت قد ورثت عن امي تعففها عن ان تطلب شيئا من احد, حتى لو كان في حياتها, وحتى لو كنت انا نفسي, ابنها الذي حملته وهنا على وهن, وارضعته وسهرت عليه وضحت من اجله بالكثير.. لذلك عز ان اجد نفسي وانا في خريف العمر, في موقف اختار فيه بين الموت وبين ان امد يدي لاحد المسئولين في الحكومة التي اعارضها او اصحاب النفوذ لديهم! وبعد موازنة بين البدائل المطروحة امامي, ولم تكن كثيرة اخترت (مكرم محمد أحمد) رئيس مجلس ادارة دار الهلال ـ لكي اطلب اليه التوسط في الامر, ربما لأنني اعرفه منذ الستينيات, واعجب به, واقدر مواهبه ولأننا ـ على الرغم من اختلافنا في الرأي الى حد الشجار احيانا ـ ظللنا نتبادل الاحترام والمحبة على ندرة لقاءاتنا وربما لانني عملت معه لمدة اربع سنوات حين كان نقيبا للصحفيين وكنت عضوا بالمجلس الذي يرأسه لمست فيها عن قرب مزاياه العقلية والانسانية, ومدى ما يتمتع به من حس انساني دافق ولا صنعة فيه, اذا ما تعلق الامر بمرض احد الصحفيين كان من مظاهره انه جنبي مشقة الالحاف في الطلب, اذ لم احدثه في الامر سوى مرة واحدة, كانت كافية لكي يتولى الامر كله عني واشرف بنفسه على متابعة كل الاجراءات, حتى صدر القرار بعلاجي على نفقة الدولة, وظل يواصل الاتصال بي حتى تم تسليك الشرايين المسدودة. فيما بعد سجل الناقدون لي في كشف سيئاتي الثورية, انني قبلت العلاج على نفقة حكومة اعارضها وحاولت ان اقنعهم بأنني مواطن من حقي ان احصل على نصيبي من رعاية الدولة بصرف النظر عن موقفي من الحكومة, وهو حق لا يجوز لها ان تحجبه عني, ولا يجوز لي ان اتنازل عنه او ان ارفض قبوله, لأن معنى ذلك ان نشجع الحكومة او دوائر فيها على اهدار حقوق معارضيها, فلما لجوا في النقد قلت لهم: خلاص اعتبروا ما دفعته الحكومة في علاجي تعويض عما اصدرته ضدي من قرارات فصل واعتقال ومنع من الكتابة فضلا عن النكبات والنكسات والهزائم والوكسات التي جلبتها على الامة لأن ذلك كله هو ما ملأ شرايين دهونا ـ وهموما سدتها.. فقالوا: ولو.. كنت لازم ترفض حتى لو مت.. قلت: (انشاء الله بكرة شرايينكم تتسد.. ابقوا ارفضوا العلاج وموتوا.. وانا اعدكم بأن أزور قبوركم واوزع فطيرا (رحمة ونور) على روحكم الثورية. بعد دقائق من وصول الخبر الي اتصلت هاتفيا بـ (فاروق حسني) وزير الثقافة في منزله, وابلغته بالخبر, فقال: يا ساتر يارب.. وطلب الي ان ارسل له الاوراق, لكي يتخذ اجراءات استصدار قرار من وزير الصحة لعلاج (نجم) على نفقة الدولة, واستأذنته في ان يتولى ذلك بعض الاصدقاء, لأنني ساغادر القاهرة في اجازة قصيرة, فرحب بذلك. واثناء الاجازة عرفت ان الوزير ـ رأى اختصارا للاجراءات, ان يتصل بالمشير طنطاوي, وزير الحربية, الذي وافق على دخول (نجم) أحد مستشفيات القوات المسلحة وان (نجم) الذي غادر مستشفى الدكتور عبدالظاهر وعاد الى مسكنه, ظل يراوغ الجميع لمدة ايام, الى ان امكن اخيرا حمله اليها عنوة حيث اقام في جناح فاخر, وخضع لرعاية طبية مكثفة تحسنت خلالها صحته, ومع ان الاطباء امروا بابقائه تحت الرعاية الطبية, الا انه غافلهم وهرب من المستشفى ليعود الى منزله. وكان ذلك ما عرفته حين اتصلت بابنته (نوارة) لكي اسأل عن اخباره, واحدد موعدا لزيارته, وحين دخلت عليه في منزله أعلى هضبة في المقطم وجدته راقدا على سريره واكد لي في لهجة واثقة ان صحته تحسنت وانه لم يجد مبررا للبقاء بالمستشفى وقال متندرا ان الجلطة ظلت تتجول في رأسه بحثا عن مخ فلم تجده, فانصرفت.. ولاحظت كيس ادوية ملقى الى جواره فأخذت اتفحص محتوياته واحاول معرفة الحالة من خلال ما كتب على علب الادوية, وانتابني بعض القلق بسب كثرتها غير المعهودة, وتزايد القلق لأن (نجم) تجاهل اسئلتي الكثيرة عن المدة التي نصح له الطبيب بأن يتناول فيها كل دواء, وعن الموعد الذي حدده له لكي يعود اليه ليتابع حالته, ولم يجب سوى عن سؤال واحد, عن الممنوعات التي حظر عليه الطبيب ان يقترب منها, وجاءت اجابته على شكل نكتة عن الرجل الذي ذهب للطبيب يقول له ان اسرته جميعها تموت في سن الثانية والخمسين, وانه وقد بلغ الخمسين, يريد ان يطمئن على نفسه, وبعد ان فحصه الطبيب ولم يجد فيه شىئا, سأله بتدخن؟ فقال: لا. فسأله: بتاكل لحمة حمرة؟ فقال: لا.. سأله: بتشرب منكر؟ قال: لا.. سأله: بتعرف ستات؟ قال له: لا.. فدفعه الطبيب خارج غرفة الكشف وهو يقول له: امال عايز تعيش ليه يا حيوان! اندفعنا نضحك, وشاركنا (نجم) الضحك, وكان يحاول اثناء ذلك ان يعتدل في رقدته, فلاحظت لأول مرة ـ وبعد ساعة كاملة من وصولي ـ انه لا يستطيع تحريك جانبه الايمن, وانه احتاج الى يده اليسرى لكي يحرك ساقه اليمنى فشككت في الامر, اذ كان ما لدي من معلومات يقول بأنه استعاد قدرته على الحركة كاملة, فكففت عن الضحك وبدأت تحقيقا دقيقا استمعت فيه الى اقوال زوجته واقوال (نوارة) واقوال ابنته الصغرى (زينب) فإذا بالحقائق تتكشف: غادر (نجم) مستشفى القوات المسلحة على قدميه, وامضى يوما ونصف يوم, وهو في حالة عادية تماما الى ان اتصل به صديق له هاتفيا, فجرت بينهما مناقشة عصبية توتر خلالها, وفي اعقابها غافل الجميع ودخن 15 لفافة على الرغم من ان الطبيب كان قد حذره من التذخين, ونام ليستيقظ في الصباح وقد عادت اليه حالة ثقل الاطراف. في تلك الاثناء اتصلت (صافيناز كاظم) بابنتهما (نوارة) وسألتها عن الحالة, فلما عرفت تفاصيل ما جرى اصرت على اعادته للمستشفى وبدأت تجري اتصالات لهذا الغرض, وفي الصباح قال الاطباء انه اصيب هذه المرة بجلطة حقيقية في المخ.. وقال (نجم) ضاحكا: انا مش عارف الجلطة دي جابت المخ منين في طريقي للعودة, تتالت على ذهني لقطات سريعة من ذلك الزمن البعيد, الشيخ امام يغني من ألحانه وكلمات (نجم) المقطع الاخير من قصيدة (جيفارا مات) التي تعودا ان يختتما بها حفلاتهما: (صرخة جيفارا: يا عبيد في كل موقع او مكان يا تجهزوا جيش الخلاص يا تقولوا على العالم خلاص, يتصاعد صوته الى اعلى طبقاته بالاغنية التي هي مرثية باكية ونشيد حماسي, حتى يكاد كيانه النحيل القصير, يتحول كله الى حنجرة يتصاعد حماس الطلبة فيندفعون في تصفيق متواصل, يقف امام على المنصة ليرفع ذراعيه على امتدادهما فوق رأسه وهو يحمل العود الذي كان يعزف عليه كأنه يحمل رايته او سلاحه, ويرفع (نجم) ذراعيه بالطريقة نفسها وقد ضم كفيه في قبضة قوية يلوح بهما لجيل كان يتمنى ان يأتي الخلاص على يديه, فأين ذهب ذلك كله. وفي اي مكان من التاريخ تستقر الآن احلام جيلنا واين ذهبت قوة (نجم) الذي لم يشك يوما من مرض ولم يعن لقسوة الظروف, الآن فقط استطيع ان افهم لماذا يتهرب (نجم) من العلاج, فهو لم يعرف المرض, ولا يريد ان يعترف به, فقد عاش على امتداد اكثر من سبعين سنة, حياة شاقة لا تعرف الراحة ولا التدليل, فاكتسب منها صلابة مكنته من مواجهة كل صعابها, من دون ان يشكو او يتبرم او يفقد لحظة تفاؤله, أو يقول يوما: آه, لأن الشكوى ضعف لا يليق به, والمرض ترف لا يقدر عليه.. تأمل (كمال عبدالجواد) اصغر ابناء السيد احمد عبدالجواد بطل ثلاثية نجيب محفوظ ما آل اليه امر اسرته شاخ الاب الذي كان مثار اعجابه ورعبه في طفولته, فأرتد طفلا, واصبح عليه هو ان يرعاه واقعد المرض امه التي كانت لا تكف عن العمل والحركة منذ مطلع الفجر الى منتصف الليل, واصيبت عائشة بفقد زوجها وابنائها فذهب عقلها وترصدت الخيبة احلامه هو تذكرت فجأة قوله: ان مصاحبة اسرة حتى شيخوختها امر يمرض القلب.. قلت: فعلا ان مصاحبة جيل حتى شيخوخته امر يمرض القلب فعلا.