أعترف هنا بأنني إنما أتحدث عن نفسي.. وأن أحداً من الزملاء كُتَّاب هذه الاستراحة أو غيرهم من الكُتَّاب غير معني بما أقول.. وأن قرارا بالتوقف عن الكتابة لأسابيع لم تتجاوز الستة ـ هي مدة الاجازة لالتقاط الأنفاس, ومراجعة النفس ـ هو الذي فرض عليَّ عند معاودة الكتابة عنوان هذه الاستراحة قبل موضوعها. أعترف أيضاً ـ بعد هذه التجربة التي لا أنوي تكرارها في المدى القريب على الأقل ـ بأنني متعاطف جداً مع الزميلات والزملاء كُتَّاب الزوايا والأعمدة اليومية والمقالات الأسبوعية, وأحسدهم على ما يتمتعون به من جلد ومثابرة ومعين لا ينضب من الأفكار والموضوعات التي يقدمونها لقرائهم, وما يبذلونه من جهد كي تحافظ زواياهم ومقالاتهم على حيويتها, وأكاد أتصورهم طهاة مهرة يعرفون كيف تحتفظ أطباقهم بسخونتها كي لا يشعر قارئهم أنه أمام طعام بائت لا مذاق له فينصرف عن قراءة ما يكتبون وتذهب أصواتهم في فراغ يحرمهم سماع الصدى الذي يطرب الآذان ويحفظ للحبر قيمته. أعترف أيضاً للزميل والصديق صاحب القلم الرشيق محفوظ عبدالرحمن بأنني من أشد المعجبين بكتاباته وفي هذا المكان بالذات, وانني بصدد الاقتراح عليه بأن يرشح نفسه عميداً لكُتَّاب الاستراحة أو نقيباً لهم ـ لو كانت الظروف تسمح بذلك ـ خاصة وانه صاحب تجربة نقابية لم يحرمنا الاطلاع على خباياها في استراحة من استراحاته الممتعة, كما أعترف بأن روح إحدى تلك الاستراحات ترفرف على أجواء هذه الاستراحة وتجعلني أشاطره معايشة اللحظة التي تتجمع فيها عشرات الأفكار قبل البدء في كتابة الاستراحة ثم تتبدد وتتبخر فكرة إثر أخرى بمجرد الإمساك بالقلم والشروع في الكتابة. أعترف ـ ولا داعي لتكرار أيضاً حيث ستكرّ الاعترافات ـ بأن الكتابة هي الأخرى متعة لا تقل عن متعة القراءة أو متع أخرى لمن لا يعدّون القراءة متعة وان كانوا غير معنيين بكلامنا هذا على أي حال رغم انهم مادة خصبة للكُتَّاب يعملون فيها أقلاهم التي تتحول إلى مشارط يرتدون معها المعاطف البيضاء والخضراء ليتحولوا بدورهم إلى جراحين وأطباء شرعيين وخبراء في علم التشريح ولكن من صنف لا علاقة له بمحمد آدم عمر الشهير بسفاح صنعاء. أعترف بأن رغبة ملحة في التوقف عن الكتابة خلال الاجازة قد سيطرت عليَّ متصوراً لنفسي برنامجاً دقيقاً يبدأ بالقراءة وينتهي بالكتابة فإذا بالرياح تأتي بما لا تشتهي السُّفُنُ ـ أو يشتهي السَّفِنُ على قول ـ وإذا بالبرنامج يبدأ بالقراءة وينتهي بالقراءة وإذا بالكتابة تغدو عصية حين تبدّت تجارب الآخرين أكثر ثراء وأقلامهم أكثر سيولة, وحين تكشفت الحياة عن أناس ذاقوا من حلو الحياة ومرها ما يعجز عن إدراكه الخيال, وتتضاءل أمامه تجاربنا الذاتية وتقلّب أحوالنا, وقد أتيح لبعضهم أن يحوّل تلك التجارب إلى ملاحم اختلطت فيها الدموع بالضحكات وأجاد صياغتها لنأخذ منها العبرة, وندرك أن كل فرد على هذا الكوكب إنما هو عالم قائم بذاته.. فكم ترى من العوالم قد سبرنا أغوارها؟ وكم من العوالم ما زالت ألغازاً ومغارات مسدودة في وجوهنا لم يتح لنا رفع الأحجار عن بواباتها, وربما ظلت كذلك للأبد؟ أعترف بأن الكتابة مزاج, وأنها أشبه ما تكون بحالات الولادة يتيسر بعضها ويتعسر بعضها الآخر.. فَرُبّ مقالة تدفقت أفكارها وتزاحمت وانقاد لها القلم أيّما انقياد فلم يجد كاتبها صعوبة في تشكيلها وصياغتها على الكيفية التي يريد كأنه يغرف من بحر, ورُبَّ مقالة وجدت الأرض أمامها وعرة صلدة أو رمالاً متحركة يصعب الخروج منها فشحّت الأفكار وجفّ مداد القلم قبل اكمالها حتى لكأن كاتبها ينحت من صخر لتموت قبل أن تولد وتقبر قبل أن تلامس المهد.. وكذلك هو حال القراءة أيضاً فربَّ كتاب أو مقالة جعلاك تلتهم السطور التهاماً وحبساك عن قضاء حوائجك فغدوت وإياهما كالطائر وعشه الذي يألفه لا يكاد يغادره حتى يعيده الشوق إليه.. ورب كتاب أو مقالة أقمت بينك وبينهما سداً منيعاً بعد الصفحات الأولى أو ربما السطور الأولى وغادرتهما إلى غير رجعة.. وهما في ذلك أشبه ما يكونان بالبشر, نستلطف بعضهم ونودّ لو أن صحبتهم امتدت حتى آخر العمر ونستثقل بعضهم فلا نطيق مجالستهم دقائق نحسبها دهراً ثم نلغيها من حساب العمر. أعترف ـ والاعتراف بالحق فضيلة ـ أن في قلبي مكاناً للغيرة تجاه ما تقع عليه عيناي من نتاج الأقلام وحصاد الإلهام! فكم من كتاب قرأته تمنيت لو كنت كاتبه.. وكم من مقالة أعجبتني تمنيت لو كنت صاحبها. ولا أحسبني بدعاً من البشر أو فرداً في ذلك, ولا أحسبها غيرة مذمومة تلك التي تدفع المرء إلى مجاراة الحسن والتمثل به ومحاولة الاقتراب منه. فعذراً أيها الكُتَّاب إن وجدتم أنفسكم محسودين من القراء أمثالي, وإن كانت العرب قد نفت صفة الحسد عن هذا النوع من الفعل وسمته غبطة.. فأنتم إذن ـ أيها الأعزاء ـ مغبوطون ولستم محسودين, وقاكم الله شر الحسد والحاسدين وألحقنا بكم. أعترف بأن للكتابة طقوساً طالما كانت محلّ استغراب مني أو ظننت ـ ظلماً ـ أن بعض حملة الأقلام يدّعونها مبالغة أو سعياً إلى إضفاء شيء من الإثارة والغموض على صنعتهم حتى لا يتطفل عليهم أحد. وأعترف بأنني لم أتصور كاتباً لا يأتيه الإلهام إلاّ إذا استخدم نوعاً معيناً من الأقلام, أو رصّ عدداً غير قليل منها أمامه وهو يكتب, أو كتب على نوع معين من الورق, أو في ساعة معينة من النهار أو الليل حتى وجدت نفسي ـ ولمّا أنل بعد شرف الانتساب إلى فئة الكُتَّاب ـ أمارس بعضاً من هذه الطقوس بشكل من الأشكال دونما إرادة أو افتعال, فسبحان مغيّر الأحوال ومن له وحده الكمال. أعترف ـ وإن جاء ذلك متأخراً ـ بأنه لم يدر بخلدي عندما بدأت كتابة هذا المقال أن في جعبتي كل هذا الكم من الاعترافات, وانها قد تدفقت بشكل تلقائي ولم ينتزعها مني أحد انتزاعاً كما يدّعي المعترفون عادة إذا ما راحت السكرة وجاءت الفكرة وأوشكوا أن يقعوا في شر أقوالهم.. وأعترف بأن ذلك كان باعثاً للقلق لديَّ وأن مصدر ذلك القلق هو تلك السهولة التي توالت بها اعترافاتي دونما عوامل خارجية ضاغطة.. فكيف يكون الحال لو جلست ـ لا قدّر الله ـ أمام واحد من أولئك المحققين الشداد الغلاظ أو وكلاء النيابة المهرة الذين نقرأ عنهم في القصص والروايات ونراهم في الأفلام والمسلسلات؟ إذن لأخذت هذه الاعترافات منحى آخر أجاركم الله وأبعد عني وعنكم هذا الخاطر كي لا يفسد عليَّ متعة الكتابة وإن كان لن يفسد عليكم ـ بالضرورة ـ متعة القراءة إن لم يزدها إثارة وتشويقاً, وفي إقبالكم على صفحات الجريمة والحوادث خير شاهد. أعترف ـ ولا أدّعي فلسفة ـ بأن قليلاً مما يعرف يكتب, وأن قليلاً مما يكتب يقرأ, وأن قليلاً مما يقرأ يفيد, وأن قليلاً مما يفيد يؤثر, وأن قليلاً مما يؤثر يغيّر, وأن قليلاً مما يغيّر ينشر, وأن قليلاً مما ينشر يعلق بالذاكرة.. فرغم ادعائنا بأننا ذاكرة الأجيال إلاّ أن مهنتنا كثيراً ما برهنت لنا أنها مهنة بلا ذاكرة.. ولذلك فإنني أعترف بأن حنيناً جارفاً للكتابة قد دفعني إلى الامساك بالقلم لأسجل هذه الاعترافات كي لا أفقد ذاكرتي, وكي لا أبتعد كثيراً عن دائرة الذاكرة, وكي تسهم في تخليصي من عقدة ذنب أحسست بها تجاه نفسي ـ بالطبع ـ لانقطاعي عن الكتابة فترة تجاوزت الشهر.. فعذراً ـ أيها الأعزاء ـ إن كنت قد أثقلت عليكم ببثكم نجوى النفس وفيض الخاطر, وما ذلك إلا لأنكم غاية كل بث.. لولاكم ما خط يراع أديب ولا جادت قريحة شاعر, ولظلت الأفكار حبيسة العقول وبقيت المشاعر حبيسة القلوب, ولما كان للإنسانية هذه الكنوز العظيمة من أسفار الأوائل والأواخر فلا أقلّ من أن تكون هذه الاعترافات عهداً أرجو ألا يحالفه حظ عاثر أو أن يحول دون وصوله إلى غايته ظرف عابر.