ربما لا يعرف القراء العرب (روز هوبارت) الممثلة الامريكية المتقاعدة التي توفيت الاسبوع الماضي عن 94 عاما. لكن نبأ رحيلها لابد ا يكون قرع جرسا في اذهان اجيال من الامريكيين, خاصة اجيال ما بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة. فاسم (روز هوبارت) رمز من رموز ضحايا مرحلة الارهاب الفكري التي تميزت بها فترة ما بعد الحرب واشتهرت حتى باسم (المكارثية) . والسؤال الذي يجب ان يطرح هو: كم من الامريكيين يدركون ان (مكارثية) الخمسينيات التي افرزتها حقبة الحرب الباردة بين القوتين العالميتين العظميين.. الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي اعيد انتاجها اليوم بعد زوال الاتحاد السوفييتي وبروز (النظام العالمي الجديد) احادي القطبية تحت اسم جديد؟ عهد الارعاب الفكري والدعائي في خمسينيات القرن الماضي كان يحمل اسم (محاربة الارهاب الشيوعي) .. اما العهد الجديد فيحمل اسم (مكافحة الارهاب الاسلامي) وفي كلا الحالتين فإن شعار محاربة الشيوعية وشعار محاربة الاسلام ليسا سوى ستار دخاني مفتعل لقمع الدول والجماعات ذات التوجه الاستقلالي في الخارج وارهاب الشخصيات والجماعات المحتمل ان تساندها او تتعاطف معها داخل الولايات المتحدة. وفي كلا الحالين ايضا فإن الاسلوب الرئيسي يتمثل في تلفيق اتهامات باطلة. على عهد المكارثية الاولى كان يتولى هذه المهمة لجنة تابعة للكونجرس يرأسها السيناتور جوزيف مكارثي الذي اشتق اسم عهد الرعب من اسمه. اما الآن فيتولاها ذلك الجهاز الذي جعل من تلفيق الادلة المزورة حرفة.. (مكتب التحقيقات الفيدرالي) . (روز هوبارت) عاشت وماتت دون ان يكون لها اي علاقة بالماركسية او الاتحاد السوفييتي. كل (ذنبها) انها واجهت لجنة مكارثي بشجاعة حين رفضت اعطاء اقوال كاذبة من شأنها مساعدة اللجنة في تلفيق تهم باطلة ضد عدد من العاملين في صناعة السينما كانت اللجنة تستقصدهم. وكانت النتيجة ان هوبارت وضعت على (القائمة السوداء) مما اضطرها الى اعتزال مهنة التمثيل. في مذكراته التي نشرها في كتاب بعنوان (القمر بالونة) يروي الممثل البريطاني الراحل ديفيد نيفن قصة شبيهة فقد تحدث عن لجنة متفرعة عن لجنة مكارثي جاءت على نحو فجائي الى هوليوود ورئيسها يحمل قائمة اسماء طويلة اصحابها من ابرز الممثلين والمخرجين وكتاب السيناريو من ذوي النزعات الاستقلالية بغرض توريطهم في اتهامات ملفقة عن طريق اغراء او ارهاب زملاء لهم للادلاء بمعلومات كاذبة عنهم. ويقول نيفن ان كل من رفضوا الكذب بشأن زملائهم ومن بينهم اشهر المخرجين في زمانه, اورسون ويلز, وضعوا على القائمة السوداء وظلوا كذلك تقاطعهم شركات الانتاج لمدى سنين الى ان انتهت المرحلة المكارثية عند اواخر عقد الخمسينيات. ومن اعاجيب هذه القصة ان رئيس لجنة التحقيق كان (السيناتور) ريتشارد نيكسون الذي صار فيما بعد رئيسا للولايات المتحدة وفقد منصبه قبل اكمال دورته الرئاسية, تطارده فضيحة (ووترجيت) الى ان مات. وكان في مقدمة من شهدوا زورا امام اللجنة ضد زملائهم (الممثل) رونالد ريجان الذي بدوره ايضا صار رئيسا.. ويقضي الآن ما تبقى له من العمر يعاني من مرض فقدان الذاكرة (الزهايمر) والخرف. وما بين الامس واليوم يبدو الامر في اجماله وكأن امبراطورية الاستخبارات الامريكية تتعمد اشاعة جو ارعابي عام داخل الولايات المتحدة وخارجها عن طريق المبالغة واثارة حالة من الهستيريا المتجددة حول (عدو عام) ومن ثم اللجوء الى ترويع افراد وجماعات بوسائل فن التلفيق. مثل هذا المناخ الدرامي هو الذي يتيح لقادة امبراطورية الاستخبارات الامريكية ممارسة الفساد المالي على اوسع نطاق, والنفوذ المتميز بطلب المزيد تلو المزيد من الاعتمادات المالية الضخمة. وعلى هذا المنوال باتت الامبراطورية الاستخبارية الامريكية فوق البنية الديمقراطية وسيادة القانون.. يخشاها البيت الابيض والكونجرس بقدر ما يخشاها القضاء.