يمثل المتدينون فى اسرائيل حسب استطلاعات الرأى الأخيرة نحو 40% من اجمالى الاسرائيليين, وانطلاقا من ذلك, توجد شريحتان رئيسيتان فى التجمع الاسرائيلى الصهيونى: شريحة اليهودية الصهيونية أى الذين يعترفون بالصهيونية وبدولتها اسرائيل, وأفضل تعبيراتها (المفدال). أما الشريحة الثانية فهى الخاصة بالحريديم أى غلاة الأصوليين اليهود الرافضين للدولة الاسرائيلية والحركة الصهيونية, ويتعاملون على قاعدة الأمر الواقع ويعبر عنهم حزب اجودات يسرائيل وحزب شاس وغيرهم من حركات وجماعات صغيرة, ورغم وقوفهم جميعا على أرضية عقائدية واحدة وهى أن خلاص اليهود سوف يكون بأمر الهى وليس أمر أرضى ولا انسانى, وعند قدوم المسيح الى أن يتحقق هذا على اليهود أو ينتظروا. ورغم وضوح ذلك المنطلق اللاهوتى الا ان تلك الحركات والجماعات الحريديمية لم تتعارك أو تتصادم مع الدولة الاسرائيلية وتعاملت معها بمنطق الاعتراف بالأمر الواقع أو الوجود القائم, كما أن الدولة هى الأخرى لم تدخل معها فى صدام بل دخلت معها فى أحضان وفرت لها كافة السبل المالية والاجرائية والتشريعية والتعليمية التى تسمح لها بالحركة والنشاط واكتساب العناصر, فهى فى النهاية بالنسبة للدولة الصهيونية والحركة الصهيونية تصب فى نهر الصهيونية وتوسعاتها. وقد تم اكتشاف ذلك عندما تعاملت تلك الحركات الحريديمية مع الدولة بمنطق الأمر الواقع, بل تعاملت مع توسعاتها فى الجولان والضفة والقدس بنفس المنطق, وعبر برامجها كانت مع بعض التنازلات من أجل السلام الحقيقى لكنها لم تكن فى يوم من الأيام منذ بداية تكونها مع ادانة الاحتلال والاستعمار لأرض الغير. ومن هنا كانت رؤاها للسلام تعبيرا عن الأمن أولا وأخيرا والسلام الأكيد بمعنى الاعتراف العربى بقوتهم أى هزيمة العرب. اجوادات يسرائيل (جمعية اسرائيلية): حزب سياسى دينى معاد للصهيونية, أسس عام 1912 فى بولندا على يد حاخامات أصولية من ألمانيا ولتوانيا وهنغاريا وبولندا. وقد استند هذا الحزب على العقيدة اليهودية واستنكر بشدة محاولة علمنتها من قبل الحركة الصهيونية من خلال دفاعه عما يعتقده تصادم مع الحركة الصهيونية, وعارض مفهوم (الوطن القومى اليهودى) لكن هذا الصدام والعداء بهت وخف بمرور الوقت, ونشأت منذ أواسط الثلاثينيات أشكال من التفاهم والتواصل بين اجودات يسرائيل والحركة الصهيونية الاستيطانية والسياسية أدت عشية قيام دولة اسرائيل عام 1948 إلى سحب معارضة الحزب لقيام دولة يهودية والى مشاركته فى مجلس الدولة المؤقت وفى أول حكومة ائتلافية, وبعد ذلك دخل انتخابات الكنيست الاسرائيلى وأصبح جزءا من النظام السياسى (حكومة ومعارضة) رغم معارضة الحزب حتى الآن اعتبار اسرائيل دولة يهودية لها علم ونشيد وجيش لذا فهو يرفض خدمة المنتمين له فى الجيش الاسرائيلى. وقد تعرض اجودات يسرائيل إلى انشقاقات فى تاريخها الطويل, حدث أولها فى أواسط الثلاثينيات عندما انشقت عنه مجموعة وسمت نفسها (تطورى كارتا) (حراس المدينة بالآرامية) وحدث ثانيها فى أواسط الأربعينيات عندما انشقت حركة بو عالى اجودات يسرائيل (عمال جمعية اسرائيل) فى قوتة البرلمانية الى جمهور المتدينين المتزامتين (الحريديم) و(الاشكينازيين) الذين يسكن معظمهم القدس. وقد أتاحت له هذه القاعدة الجماهيرية الحصول على أربعة مقاعد فى الكنيست باستثناء الكنيست الحادى عشر (1984) عندما حصل على مقعدين وخسر مقعدين من جراء انشقاق اليهود الشرقيين وتأسيسهم لحزب شاس. وقد حصل أجودات يسرائيل فى الكنيست الاول 1949 على 6 مقاعد بالتحالف مع بوعالى اجودات يسرائيل وفى الكنيست الثانى 1951 حصل على 5 مقاعد بالتحالف مع بوعالى اجودات يسرائيل. وفى الكنيست الثالث 1955 حصل على 6 مقاعد بالتحالف مع بوعالى اجودات يسرائيل تحت اسم جبهة التوراة الدينية. وفى الكنيست الرابع 1959 حصل على 6 مقاعد فى إطار جبهة التوراة الدينية. وفى الكنيست الخامس 1961 حصل على 6 مقاعد فى إطار جبهة التوراة الدينية. وفى الكنيست السادس 1965 حصل على 6 مقاعد فى إطار جبهة التوراة الدينية. وفى الكنيست السابع 1969 حصل على 6 مقاعد فى إطار جبهة التوراة الدينية. وفى الكنيست الثامن 1969 حصل على 5 مقاعد فى إطار جبهة التوراة الدينية. وفى الكنيست التاسع 1977 حصل على 5 مقاعد فى إطار جبهة التوراة الدينية. وفى الكنيست العاشر 1981 حصل على 4 مقاعد فى إطار جبهة التوراة الدينية. وفى الكنيست الحادى عشر 1984 حصل على 6 مقاعد بالتحالف مع شاس. وفى الكنيست الثانى عشر 1988حصل على 13 مقعدا بالتحالف مع شاس وديجل هتوراه (راية التوراة). وفى الكنيست الثالث عشر 1992حصل على 10 مقاعد بالتحالف مع شاس ويهودت هتوراه (كتلة التوراة). (6 + 4). وفى الكنيست الرابع عشر 1996حصل على 14 مقعدا بالتحالف مع شاس ويهودت هتوراه (كتلة التوراة). (10 شاس + 4). وفى الكنيست الخامس عشر 1999حصل على 5 مقاعد بالتحالف مع يهودت هتوراه (اجودات يسرائيل) و(راية التوراة). ويرفع حزب اجودات يسرائيل ومن بعده حزب يهودت هتوراه مبدأ (الرب منح أرض اسرائيل للشعب اليهودى, تماما مثل مبدأ انقاذ النفس يعلو فوق أى مبدأ). وهكذا عاش الحزب دوما انطلاقا من هذا المبدأ وبرجماتية الموقف المستند للدعم المقدم من الحكومة لحركته الدينية ولم يعارض فى أى وقت مبدأ التوسع فى احتلال أرض الغير وتعامل معها بمنطق الأمر الواقع وواجب الاعتراف به. (1983ـ 1999) شاس من عام التأسيس وحتى الآن فى عام ,1983 تم تشكيل (شاس) (اتحاد حراس التوراة السفارديم) بعد اعلان التمرد من قبل جمهوره من الناخبين السفارديم (المتدينون الشرقيون المتعلمون فى المدارس الغربية والشرقية الذين يرون فى الحاخام عوفاديا يوسف زعيما لهم) بالاضافة الى عدد من حاخامات الطوائف الشرقية المتمردين على (اجودت يسرائيل) بسبب عدم تعبيره الكافي عن ابناء الطوائف الشرقية. وهكذا تأسس فى عام 1983 (اتحاد السفارديم حراس التوراة) وفى (بنى باراك) (مقر المتشددين الأرثوذكس) قامت حركة على نفس النهج مؤيدة من الحاخام مناحم شاخ الذى كان آنذاك رئيس (مجلس كبار علماء التوراة) تحت اسم (حاى). وعند انتخابات الكنيست الحادى عشر ,1984 اتفق كل من (شاس) و(حاى) على نزول الانتخابات بقائمة واحدة وذلك بعد ان تم الاتفاق بين كل من الحاخامات عوفاديا يوسف وشمعون بن شلومو ويعقوب يوسف والحاخام اسحق برتس الذى ترأس القائمة والحاخام اسحق رفائيل بنحاس نائب رئيس بلدية (بنى باراك) وهكذا كان ميلاد حزب شاس فى انتخابات 1984 حيث حصل على أربعة مقاعد فى الكنيست الحادى عشر وكان ذلك بمساعدة الطائفة اليهودية اليمنية واللتوانية. وقد طرحت شاس برنامجها الانتخابى المعبر عن رؤيتها للقضايا الاسرائيلية الامنية والخارجية والداخلية والكاشف لمفهومها للصراع العربى الاسرائيلى وللسلام من منظورها التوراتى وتمثل برنامجها فى: مادامت الجهات الآتية فى الدولة الإسرائيلية مقتنعة بأن أمن الدولة يتطلب استمرار بقاء الجيش الاسرائيلى فى لبنان فستحظى هذه الجهات بتأييد شاس بكل جرأة. ان أرض اسرائيل كلها تابعة لشعب اسرائيل بحكم وعد التوراة ويجب عدم اعادة أية منطقة الى العدو, ومواصلة تعزيز زخم البناء والمستعمرات فى أجزاء أرض اسرائيل كافة. وعلى الرغم من ذلك وبمقدار ماينشأ من امكان للسلام الفعلى, فإن جهات أمنية متعددة وكيان مشرعي التوراة فى اسرائيل, هم الذين سيقررون ما إذا كان من الممكن التخلى عن أية منطقة من أجل السلام. رفض قاطع لقيام دولة فلسطينية منفصلة, إذ أن هذه ستشكل خطرا على وجود دولة اسرائيل لكن اذا كان لابد من اقامة دولة فلسطينية خارج حدود اسرائيل, فان اقامتها ستلقى الترحيب. ولعل هذا البرنامج يكشف لنا بوضوح برجماتية حاخامات شاس الذين يرون ويتمسكون برؤية خبراء الأمن الاسرائيلى وحاخامات التوراة عند التنازل عن شبر من أرض فلسطين الأرض المحتلة, وإذا كان ولابد من الدولة فلتكن بعيدة عن فلسطين!! بعد ذلك وفى انتخابات الكنيست الثانى عشر عام 1988 حصلت قائمة شاس على 6 مقاعد بزيادة مقعدين عن الدورة السابقة الحادية عشر, كما زادت مقاعد الأحزاب الدينية الى 18 مقابل 13 عام 1984. وافتى الحاخام يوسف بشأن (اعادة مناطق) قائلا: (إن أرض اسرائيل ليست قيمة مقدسة, ومن أجل سلام حقيقى وسلم حقيقى فقط, يجوز التخلى عن مناطق, بيد أن السلام لا يبدو فى الأفق, لأنه لا يجوز تصدى العرب, وبالتالى فإن كل كلام عن السلام انما هو اهدار للوقت كما أفتى فى مسألة المفاوضات مع الفلسطينيين, بأنه لا لزوم لها فحتى المعتدلين منهم يريدون تدميرنا, لا حل, لا أمل أن يسلموا بوجود الدولة). كما صرح الحاخام بيرتس زعيم شاس عقب انتخابات 1988 قائلا: بأنه لو لم تكن قائمة (شاس) موجودة لما تردد فى التصويت لصالح قائمة (موليدت) التى يتزعمها رحبعام زئيفى والتى قامت على فكرة طرد العرب من الأرض الترانسفير. كما دعا الحزب فى عام 1988 الى (قبضة أكثر قوة) ضد الانتفاضة. وفى انتخابات الكنيست الثالث عشر عام ,1992 حصلت شاس على 6 مقاعد أى مثل مقاعد الدورة السابقة, وفى هذه الانتخابات عاد حزب العمل فى ثوابته الصقرية واختار رابين زعيما له, واختار الحاخام بيرتس الانضمام الى قائمة (اجودات يسرائيل). وفى هذه الانتخابات توصلت كتلتا حزبى العمل وشاس الى اتفاق على اقامة ائتلاف بينهما, يظل سارى المفعول طوال فترة ولاية الكنيست الثالث عشر. وقد جاء فى هذا الاتفاق مايلى: كل اتفاق سلام تعاقدى يتضمن تنازلا عن منطقة تقع اليوم تحت سيادة دولة اسرائيل أو سيطرتها, الى طرف آخر فى الاتفاق, أو الى أى طرف ثالث, يعرض على الشعب لبته فى استفتاء عام أو فى انتخابات للكنيست ولرئيس الحكومة, وتجرى قبل توقيع السلام ويتم التنسيق بين الكتلتين فى شأن طريق البت. تصوت كتلة شاس فى الكنيست فى أمور الشئون الخارجية والأمنية وفقا لقرار مجلس حكماء التوراة. هذه الملامح وفقا لما هو مطروح تتشكل لمرونة ما, لكنها مرونة خادعة مرتبطة بأمن اسرائيل وفتاوى الحاخامات واتفاقات الائتلافات الحكومية والمصالح الخاصة لجمهور شاس من المنتخبين, مرونة تبدأ وتنتهى عند الحفاظ على أرض اسرائيل وإذا تم تنازل من أجل السلام, فلابد من الحفاظ على أرض اسرائيل فى ذات الوقت وأمن اسرائيل الذى لن يتحقق الا على حساب أرض فلسطين وأمن فلسطين. بعد ذلك وبداية من الكنيست الرابع عشر ,1996 حصلت شاس على 10 مقاعد بزيادة أربعة مقاعد عن الكنيست الثالث عشر عام ,1992 ويعنى ذلك زيادة فى القوة السياسية لحزب شاس فى بيئة تزداد تطرفا حيث فاز الليكود بهذه الدورة الرابعة عشر بقيادة نتانياهو, كما كانت قائمة شاس فى هذه الانتخابات بقيادة الحاخام أريده درعى (الذى حكم عليه بالسجن فيما بعد ويقوم بتنفيذ الحكم هذه الأيام). وكان حزب شاس قد دخل تحالفا مع الليكود والمفدال ويهودت هتوراه واسرائيل بعاليا والطريق الثالث 66 مقاعدا لتشكيل الحكومة بقيادة نتانياهو بعد أن خسر شيمون بيريز الانتخابات بعد مقتل رابين, وكان من ضمن الـ 66 مقعدا 23 مقعدا لتمثيل الأحزاب الدينية. وأخيرا جاءت انتخابات الكنيست الخامس عشر عام ,1999 والذى حقق فيه حزب شاس طفرة فى مقاعده من 10 فى الكنيست الرابع عشر 1996 إلى 17 مقعدا فى عام 1999 بزيادة سبعة مقاعد وعاد مرة أخرى حزب العمل بقيادة الصقر باراك الى الحكم وعاد الائتلاف بين العمل وشاس رغم توقع بعض المحللين بتقارب طبيعى بين حزبى شاس والليكود حيث يصبوان لنيل أصوات المدن الفقيرة, الا أن صقرية باراك ساعدت كثيرا فى الاقتراب من شاس الذى يعبر عن غلاة الحريديم اليهود والمتشددين والمعترفين بحقيقة الوجود السياسى لاسرائيل ويعارضون مسيرة التسوية وأكثر تشددا فى الحفاظ على الكيان الاسرائيلى رغم المرونة البادية من خلال برنامجهم المقدم فى انتخابات الكنيست الخامس عشر 1999 والذى جاء فيه: تسوية المشكلة الفلسطينية على أساس الانسحاب من بعض المناطق لأن اسرائيل ليست يهودية وأوان الخلاص لم يحن بعد. الحفاظ على القدس لأسباب دينية. إمكانية تفكيك عدد من المستوطنات. الانسحاب من الجولان لأن حياة اليهود أكثر قداسة من الأرض, طالما لم يحن (زمن الخلاص) و(الغريب هنا استخدام تعبيرات من قبيل بعض المناطق) و(عدد من المستوطنات) و(اليهود أكثر قداسة من الأرض) ورغم استناد تلك الرؤية إلى النص التوراتى وتقديم فهم ورؤية تتسم بالمرونة والسماح الا انها رؤية براجماتية لا تقف كثيرا عند صاحب الأرض التى سوف يتم التنازل عن بعضها ولا عند مشروعية احتلالها ولا عند تفكيك بعض المستوطنات, وليس كلها, ولماذا بعضها وطبيعة هذا البعض, كما أنها لا تقف أمام الإنسان صاحب أرض الجولان ولماذا هو لا يكون ذات قداسة مثل اليهودى؟ والاجابة بسيطة فهى رؤية تنطلق من عنصرية ومن كراهية شديدة للعرب, ومن براجماتية فى رؤية السلام الذى تستفيد منه دولة اسرائيل. ولعل تصريحات الحاخام الأكبر للحريديم عوفاديا يوسف والخاصة برؤيته للعرب والفلسطينيين كأفاعى وموقف حزب شاس بالانسحاب من حكومة باراك بعدما رأى من وجهة نظره شبه تنازلات من المفاوض الاسرائيلى لصالح الفلسطينيين أولاد الافاعى تؤكد لكل من يتصور أن الحريديم ليس لهم علاقة بالسياسة خطأهم فى فهم هذا التجمع مثل خطأهم فى فهم بقية التجمع الصهيونى العنصرى الصهيونى الاستيطانى المتشدد على حساب العرب. باحث مصرى