تحتل بعض الأخبار صدر الصفحات الأولى في الصحف والمجلات, وتستمر لتشغل صفحات أخرى داخلية, بينما تمر أخرى مرور الكرام, فلا تشغل كاتبها وقارئها, وفي الوقت الذي يصبح فيه خبر معين قضية, رأي عام لأن توقيته جاء متزامنا لانتخابات تشريعية وخلافه, يصبح نفس الخبر خبرا عاديا ليس له رنين في الأوقات الاعتيادية, ومن هنا يأتي توظيف الخبر وتسييس صناعة الاعلام بشكلها العام. ومن تابع الانتخابات اللبنانية مثلا يجد ذاك السيل من الأخبار المرسومة والموسومة بتلك الصناعة للتأثير على الرأي, فتوقيت كشف قضية ما لا يأتي اعتباطا عند صناع السياسة والاعلام, لذلك ما ان تبدأ صناعة رئيس قادم حتى تبدأ معه لغة أخرى, لغة تعتمد فضح أو ترميم الشكل العام, وبين هذا وذاك تتواصل اللعبة بأشكالها المختلفة, ومؤخرا تابعنا جميعا من خلال الأخبار المتلاحقة عن الانتخابات اللبنانية مطالبة وزير التربية اللبناني محمد يوسف بيضون النيابة العامة اجراء تحقيق حول الكتاب الذي رفعه والذي ينسب فيه للنائب المنتخب ناصر قنديل الاستحصال على شهادة مزورة من إحدى الجامعات في كندا. وقد بدأت النيابة العامة التمييزية تحقيقاتها الفعلية حيث استحصلت من وزارة الخارجية على المصادقات العائدة لشهادات قنديل التي أبرزها بيضون في مؤتمر صحفي للتأكد من صحتها, وكان بيضون قد اتهم قنديل قبل ثلاثة أيام من الانتخابات النيابية في بيروت باعتباره منافسه الأوحد بالحصول على شهادة دكتوراه مزورة من إحدى جامعات كندا, وما زالت الحكاية التي بدأت وفق توقيت محدد لم تنته بعد! ولأن السياسة صناعة اعلامية قبل أي شيء آخر, فها هو كلينتون يظهر في اطار الصورة من جديد بفضيحة ذات وجوه متعددة, فقد اختلطت السياسة بالعشق واختلط العشق بالخصوم السياسيين, وبين هذا وذاك تلقف الاعلام تلك الحكاية وبدأ بطبخها على نار غير هادئة, فلعنة متدربي البيت الأبيض ما زالت تطارد الرئيس كلينتون وعائلته, ويبدو ان الحكاية لم تخرج هكذا اعتباطا, وان التوقيت محسوب بشكل دقيق, فالمعركة بين الجمهوريين والديمقراطيين مستعرة لهذا كانت هذه الحكاية, فقبل أن يتبدد دخان فضيحة المتدربة مونيكا لوينسكي مع كلينتون تعلقت ابنته تشيلسي بمتدرب جديد وزميل لها في جامعة ستانفورد ووقعت في غرامه ماضية على خطى أبيها. هكذا وفي هذا التوقيت بالذات تنكشف الحكاية, فجيرمي كين الشاب الذي حولته الآلة الاعلامية إلى بطل جديد, ربما يكتب فيما بعد مذكراته أو يصبح مستقبلا رئيس أكبر دولة في العالم, طالب في السنوات الأخيرة بجامعة ستانفورد, وحلَّ ضيفا على عائلة كلينتون أثناء مؤتمر الحزب الديمقراطي الذي عقد في لوس انجلوس الشهر الماضي. وكان كين قد بدأ فترة تدريبه في البيت الأبيض الصيف الماضي بقسم كتابة الخطب, واليوم أصبح كين السلاح الذي يشهره الجمهوريون في وجه الديمقراطيين, كلما أرادوا أن يثبتوا بياض ثوبهم! وبين الشهادة التي أبرزها الوزير اللبناني وادعى انها مزيفة وشهادة كلينتون أمام المحقق المستقل ستار في غضون توجيه مجلس النواب له في ديسمبر من العام 1998 تهمتي الحنث باليمين وعرقلة سير العدالة, بين تلك الشهادتين التقط حكاية أخرى, فعلى غرار الشهادة المزيفة التي تحقق فيها النيابة العامة في بيروت, قدم مدير منشأة أمريكية خصصت لايواء أكبر وأقوى أجهزة الليزر في العالم استقالته من منصبه بعد تدفق سيل من رسائل الفاكس إلى المسئولين في المختبر التابع لوزارة الطاقة الأمريكية يؤكد ان مدير المختبر لا يحمل شهادة دكتوراه. واضطر أي.. مايكل كامبل المدير المساعد لأجهزة الليزر في مختبر لورنس ليفرمور القومي في كاليفورنيا إلى ترك منصبه والاكتفاء بصفة مستخدم في اجازة. وكان كامبل يتمتع باعتراف واسع باعتباره أبرز خبراء الليزر فائقة القدرة في العالم, وقد احتل موقعا رئيسيا في المختبر باعتباره مديرا لبرنامج بناء منشأة الدمج التي تختص بأبحاث الدمج النووي والتي تلعب دورا هاما في الحفاظ على جاهزية الأسلحة النووية الأمريكية المتطورة تحسبا للحرب. وقد اضطر كامبل إلى ادعاء حمله لشهادة دكتوراه نظرا لمستلزمات المنصب الذي يتطلب من شاغله إما شهادة دكتوراه أو خبرة تعادلها, والمثير في الأمر ان كامبل وضع عددا من الأبحاث العلمية المميزة وتلقى جوائز تقديرية في الأعوام 1985 و1990 و1994 من مؤسسات فيزيائية مرموقة. وفي القاهرة اعترف مدرس رياضيات بقيامه بتزوير شهادة بكالوريوس قبل 30 عاما وكان المدرس الذي خرّج أجيالا من المهندسين والأطباء والفنيين ليس إلا خريج صنايع, وقد اضطر إلى تزوير الشهادة الجامعية بحثا عن فرصة عمل وقد وجدها في مدرسة خاصة أوصلته بعد 30 عاما من الخدمة إلى نائب مدير المدرسة ولكن الأقدار لم تمهله حيث كشف من قبل أحد أولياء الأمور الذي أكد ان هذا المدرس لا يحمل شهادة حقيقية, وبعد التدقيق والمعاينة اكتشفت الحقيقة واعترف المدرس الذي أكد انه نسي عدم حمله شهادة جامعية بعد مرور هذه السنوات الطويلة في مجال التدريس. يبدو ان كثيرا من الوجوه في زمن العولمة الذي نعيشه ما زالت ترتدي الأقنعة. فعليكم أيها الأعزاء قبل أن تقرروا أمرا أن تدققوا في الوجوه فربما يسقط القناع من نظرة صادقة!