هل نصدق قول الحكومة السودانية بأن ما جرى من مظاهرات عنيفة مصحوبة بعمليات احراق وصدامات بين جموع المتظاهرين وقوات الامن في ثلاث مدن كبرى على التوالي, ليس سوى شغب مدبر سلفا لغاية سياسية بواسطة قادة حزب الترابي المسمى (المؤتمر الشعبي الوطني) ؟ لقد وقعت هذه المظاهرات الغاضبة في مدن الفاشر والابيض وبورتسودان: الاولى والثانية عاصمتان اقليميتان عريقتان.. والثالثة هي الميناء البحري الرئيسي للبلاد. في الفاشر استدعت خطورة الموقف انزال قوات من الجيش بعد ان احرق المتظاهرون مبنى رئاسة الولاية ودار الاذاعة المحلية وصادموا قوات الشرطة. وفي الابيض تصادمت جماهير المتظاهرين مع قوات من الجيش بعد ان قتل شاب دهمته سيارة عسكرية مندفعة بسرعة (دون قصد فيما يبدو). وحيث ان قوام هذه المظاهرات في المدن الكبرى الثلاث ـ وهي مظاهرات ضخمة بأي مقياس ـ هو جموع طلابية اساسا فإن ادعاء الحكومة بأن جماعة الترابي وراء تدبيرها ربما يبدو صدقيا للوهلة الاوى.. ذلك ان من المعلوم ان جماعة الترابي تستند جماهيريا الى القاعدة الطلابية في الجماعات والمدارس بعد انفصامها عن التنظيم الاسلامي الاصلي (الجبهة القومية الاسلامية) . وتأسيسا على هذا الافتراض فإن جماعة الترابي هي القوة المحركة للمظاهرات في سياق حربها السياسية ضد الحكم بعد انشطار الحركة الاسلامية. لكن حتى نوضح هذا الافتراض فإنه لا يمثل الا نصف الحقيقة.. نصفها الاضعف في الواقع فما هو النصف الثاني الاساسي والاهم؟ الاجابة على هذا السؤال في تقديري كالاتي: سواء كانت جماعة الترابي هي القوة المحركة لما جرى او لم تكن فإن المظاهرات وما تبعها من اعمال عنف وصدامات ومواجهات لها اسبابها الموضوعية المستقلة. فمما يستفاد من الهتافات التي كانت تردد ان جموع المتظاهرين كانت تعبر عن غضب عام تجاه قضايا معاشية محددة ابرزها عدم فتح المدارس للموسم الدراسي لأن المدرسين لم يقبضوا رواتبهم لشهور متتالية. والانقطاع المتصل في التيار الكهربائي وخدمات الماء ورفع الرسوم المدرسية الباهظة اصلا وعمليات تصيد الطلاب والصبية لأخذهم قسرا لأداء الخدمة العسكرية في معسكرات تجمع بين سوء المأكل والمشرب وسوء المعاملة. ان هذه الازمات جميعا تمثل تراكمات جماهيرية من الغضب الجماهيري. ولهذا فإن هبة الطلاب في المدن الكبرى الثلاث لقيت تجاوبا فوريا في الشارع. هي اذن ازمات حقيقية معاشة تعكس تفاقم الشظف المعيشي بين كافة طبقات المجتمع وبطول البلاد وعرضها. بالطبع تعمد جماعة الترابي, وقد تجردت من مسئولية المشاركة في ادارة السلطة الى استغلال هذا الوضع العصيب واستثماره بدوافع الكيد الحزبي الرخيص من أجل احراج السلطة وقلقلتها لكن تبقى السياسات والممارسات الحكومية هي السبب في تأزم الاوضاع المعيشية. واذا لم تعد السلطة النظر في هذه السياسات والممارسات لايجاد حلول جذرية وفورية للازمة المعاشية العامة فإنه ليس من الصعب رؤية ان ما وقع في الفاشر والابيض وبور تسودان مرشح للتكرار في مدن كبرى اخرى بما في ذلك الخرطوم العاصمة القومية. ان من الانصاف ان نقول ايضا التحسن الاقتصادي النسبي الناتج عن عائدات النفط يحتاج الى فسحة زمنية الى ان ينعكس على اوضاع الحياة اليومية للناس. ولكن كيف يتذرع الناس بالصبر الجميل وهم يرون الى جانب الشظف المتضاعف شريحة ضئيلة من مليونيرات يتطاولون في البنيان ويتبارون في ضخامة الحسابات المصرفية في الداخل والخارج؟