كانت الشمس تتعجل كسر قشرة الظلام.. مثل جنين اكتمل في رحم.. ويضغط للخروج الى الحياة.. ولم يكن ذلك صعبا في الساحل الشمالي.. غرب مدينة الاسكندرية.. فالليل هناك لا يقاوم الصباح طويلا. في تلك اللحظة التي يكون فيها كل المصطافين في سبات عميق.. ويفرك فيها البحر عينيه من النعاس قررت امرأة منقبة في إحدى القرى المنتشرة هناك أن تنزل الماء وتستمتع بالسباحة بعيدا عن العيون التي كانت لاتزال نائمة.. لكنها نزلت الماء بكامل ملابسها الثقيلة.. متعددة الطبقات.. وقبل أن تتلقى الماء بصدرها اطمأنت أن زوجها الذي يصر على ارتداء الزي الباكستاني ويترك لحيته الى صدره يقف حارسا لها على الشاطىء. لم تستمتع المرأة المنقبة بالبحر طويلا.. فقد سحبتها الأمواج بعيدا عن حدود الأمان.. وبدأت الدوامات تربك حركتها.. ومع ثيابها التي تضاعف ثقلها بتشرب المياه بات مؤكدا أنها ستغرق.. ستغرق.. وبالفعل راحت المرأة تغطس وتطفو.. تصرخ وتصيح.. ترفع يديها تارة وتضرب بها الماء تارة أخرى... ولم يجد الزوج ما يفعله سوى أنه تسمر في مكانه. لكن.. كان من حسن الحظ أن عامل الانقاذ على الشاطئ كان يقظا.. على أنه ما كاد يقفز في الماء لإنقاذها حتى وجد الزوج ينهره بشدة.. ويمسك بيده بقوة.. ويحذره بعقاب صارم لو نزل الماء و(أمسك) بها.. فهي (عورته) التي لايجوز لرجل آخر أن يلمسها حتى لو دفعته الضرورة لإنقاذ حياتها.. حتى لو غرقت وماتت.. و بدا عامل الانقاذ في حيرة.. وشعر بأن روحا تزهق على بعد أمتار منه وهو عاجز عن القيام بوظيفته التي يتقاضى عليها أجره.. ولم يجد مفرا من أن يقفز في الماء لإنقاذ المرأة.. وليكن ما يكون.. لكن الزوج المتشدد أمسك به قبل أن يصل الى الماء وهو في حالة هيستيرية لا يمكن تصورها أو تصديقها. بدأ عامل الانقاذ يفقد أعصابه.. فصرخ في الزوج المتشنج.. (تفضل أنت وأنقذها).. لكن.. جاءت إجابة الزوج قاطعة بالرفض.. فهو لايجيد السباحة.. وكل علاقته بالمياه لا تخرج عن حمام بيته.. ولم يصدق عامل الإنقاذ ما يسمع وما يرى.. رجل زوجته تغرق.. ولا يعرف كيف يعوم.. لا يعرف كيف ينقذها.. ولا يريد غيره أن ينقذها.. ما هذا النوع من البشر؟.. وهل يمكن للتشدد أن يغلق العقل الى هذا الحد؟.. هل يمكن للتشدد أن يجعل صاحبه يقبل أن يموت من يحب على أن لا يلمسه غريب؟ وبينما هذا الجدل قائما لثوان مرت كالدهر على الرجلين كانت المرأة على وشك أن تلفظ أنفاسها الأخيرة.. لكن من حسن حظها أن عامل إنقاذ آخر في منطقة أخرى لم يسمع الحوار العدمي العبثي الذي دار بين الرجلين بعيدا.. وشاهد المرأة وهي تودع الحياة قبل أن يولد النهار فألقى بنفسه في المياه.. ونجح في إنقاذها.. استيقظت القرية التي كانت قد نامت للتو بعد سهرة صيفية معتادة على المكافأة السخية التي منحها الزوج للرجل الذي أنقذ حياة زوجته.. ضربات.. ولكمات.. وصراخ.. وسباب.. وتهديد.. ووعيد.. ووصل الأمر الى ادارة القرية.. وكانت شكوى الزوج أن رجلا غريبا تجرأ وألقى بشرفه في الوحل.. وأمسك بزوجته أمام عينيه.. وطالب بعقابه فورا.. أو تركه له ليقيم عليه الحد. وعبثا حاول عامل الإنقاذ المتهم بجريمة إنقاذ أن يقنع الرجل أنه قام بعمله الذي لو أهمل فيه لعوقب بالرفد والحبس.. وحاول أيضا اقناع ادارة القرية بذلك.. لكن ادارة القرية أمام حالة الزوج الثائر كالبركان لم تجد مفرا من انزال العقاب بعامل الانقاذ.. وسط ذهول كل من شهد ما جرى. في المساء.. كانت الواقعة المثيرة الغريبة حديث الناس في القرية.. وفي الليلة التالية انتقلت الواقعة الى القرى المجاورة.. وفي الليلة الثالثة كانت قرى الساحل الشمالي كلها تتداولها.. وتتناولها. كان هناك من قال في سخرية: (إن الزوج قد وجدها فرصة ليتخلص من زوجته).. وكان ذلك هو التعليق الفوري الذي نال الأغلبية. وكان هناك من قال في جدية: (لا.. إن حالة الزوج هي حالة مرضية سببها التشدد والتطرف.. وهي حالة توصف في العيادة النفسية بالوسواس القهري.. إن المريض بالوسواس القهري يعرف أن تصوره خاطىء لبعض الأشياء لكنه لا يقدر على رفض هذا التصور.. كأن تعتقد امرأة أنها ستصبح حاملا بمجرد أن تصافح رجلا.. هي بعقلها الواعي تعرف أن ذلك مستحيل.. لكن بسبب الوسواس القهري تخشى أن تصافح الرجال.. وتتجن بهم.. وأشهر حالات الوسواس القهري هي حالة المتدين الذي يشعر باستمرار أن وضوءه قد نقض.. مع أنه متأكد أنه لم ينقض.. وفي حالة الزوج المتشدد الذي رفض إنقاذ زوجته خوفا من أن يلمسها غريب نجد نموذجا صارخا للوسواس القهري.. فالزوج يعتقد أن زوجته عورة وعار لا يجوز لمسها حتى وهي تغرق.. ويعتقد أنه لو لمسها أحد ولو في ظروفها الصعبة بين الأمواج المتلاطمة فإنه سيلمسها كرجل لا كعامل انقاذ.. وهو سيرفض أيضا أن يلمسها رجل إسعاف أو طبيب أو متطوع يخرجها من تحت سيارة مقلوبة .. سيفضل أن تموت على أن يلمسها أحد غيره.. وأغلب الظن أنه سيطلقها بعد أن لمس ثيابها المبلولة عامل الإنقاذ.. فهو يعتقد الآن أنها فرطت في نفسها.. فرطت في شرفها.. خائنة .. هو يعتقد ذلك حتى وإن كان عقله الواعي يرفضه.. لكن ما باليد حيلة.. فهذه هي مأساة المريض بالوسواس القهري). وكان هناك من قال في جدية أيضا: (إن المرض هنا ليس مرضا نفسيا.. إنه مرض اجتماعي.. فنحن ننظر للمرأة على أنها فضيحة يجب إخفاؤها باستمرار.. وتعتقد أن من يمسك بيد امرأة كمن يمسك بجمرة مشتعلة.. ونعتقد أن التورط في علاقة معها كالتورط في عملية تهريب.. أو عملية سطو على بنك.. إن المرأة في العقلية السائدة للرجل الشرقي هي مخلوقة من الدرجة الثالثة يمكن تخويفها وتعليبها وإذلالها واستعمارها ونهب ثرواتها العقلية والجسدية دون أن تملك حق الاعتراض.. المشكلة هي في الرهن التاريخي الذي وجدت فيه المرأة نفسها.. وهو رهن يبيح للرجل ذبحها وسلخها وطردها وتركها تغرق وتموت دون إحساس بالذنب.. ودون إحساس بتوقع العقاب.. إن هذه النظرة الدونية للمرأة هي واحدة من أشهر أمراضنا الاجتماعية الآن.. ولن نتجاوز الكثير من متاعبنا النفسية الجماعية مالم نغير هذه النظرة.. فالمرأة رغم تعاملنا الردئ معها تستحوذ على النصيب الأكبر من اهتمامنا.. ولا تترك لنا سوى مساحة صغيرة.. ضيقة لباقي الحياة). وكان هناك من قال في جدية كذلك: (إن الحالة التي نستغرق في الحديث عنها هي حالة ليست فردية.. لو تأملتم كثيرا مما يجري في حياتنا العملية فلن تندهشوا مما فعله الرجل المتشدد الذي رفض أن ينقذ زوجته شخص آخر مع أنه لا يعرف كيف يعوم.. تأملوا كثيرا مما يجري حولنا لتتأكدوا أن هذا الرجل لم يخرج عن المألوف.. ولم يشذ عن القاعدة.. إننا نرى بعض الأشياء في حياتنا وهي تغرق.. والمسئول عنها لايعرف العوم.. أي لا يعرف كيف ينقذها.. وفي الوقت نفسه لايسمح لأحد ممن يعرف العوم ويملك القدرة على الإنقاذ أن ينزل الماء وينقذها.. ما الفرق بين هذا وذاك.. لا فرق.. إنه سلوك عام يحتاج لوقفة.. وربما أفزعتنا واقعة الغرق لأنها تتعلق بحياة إنسانة تهوي أمام عيوننا مباشرة.. لكن.. هذه الواقعة تتكرر في أماكن أخرى.. وما يهوى ويغرق أشياء مادية تؤثر بطريق غير مباشر على حياتنا.. لذلك فنحن لا نشعر بنفس الحجم من الانزعاج). كان الصيف على وشك الرحيل.. وكان الذين جلسوا للدردشة يشعرون بأن لياليه الطويلة على وشك أن تنقضي.. فراح الكل يمدون حبال الود والسمر الى آخر لحظة.. فبعدها ستكون العودة للزحام والتوتر والتلوث والأعصاب المنفلتة لأقل سبب.. وكأن الدردشة نوع من العلاج النفسي الجماعي لايملكون سواه في ظل حالة الكساد التي تحاول الحكومة جاهدة أن تخرج منها سالمة.. وفي ظل مسلسل الهروب الاقتصادي والبوليسي لبعض رجال الأعمال الذي بدأت بعض حلقاته المثيرة تفرض نفسها علينا في هذا الصيف الساخن. ولأن دردشة آخر ليالي الصيف ليس لها جدول أعمال محدد.. ليس لها بداية.. ولا نهاية.. وتبدأ بنكتة.. وتنتهي بمأساة فإن خطوط الكلام المتقاطعة كانت سمك لبن تمر هندي.. فقد كان هناك من راح ينتقد ترك بعض رجال الأعمال غير مصريين يشترون ويحتكرون شركات السينما والموسيقى ويسيطرون على عقل هذه الأمة ومصادر ابداعها وإلهامها.. دون أن نعرف من أين جاءوا بهذه الأموال السخية التي يلقونها بلا حساب.. وكانت الأسئلة متدفقة بلا حساب.. وكانت الأسئلة متدفقة بلا حساب.. من هم؟.. وماذا يريدون؟.. ومن وراءهم؟.. ولماذا لم نجد أحدا يتحرك لمواجهة ما يحدث؟. وكان هناك من راح يتحدث عن ظاهرة جنون أسعار المطربين في مصر والتي تجاوزت كل حدود.. فشريط الكاسيت الواحد مع الفيديو كليب قد يتكلف أحيانا 3 ملايين دولار.. وهو مبلغ من المال يمكن أن يفتح مشروعا منتجا.. مثمرا.. ولا مانع أن ندفع أكثر من ذلك لكن بشرط أن نستمتع بالطرب.. ولا نعاني من الصخب. وكان هناك من لفت النظر الى أن الناس لم تقبل على المصايف هذا العام بنفس الدرجة التي كانت عليها من قبل.. ولم يتحمس أصحاب الحفلات الشهيرة في العجمي الى اقامتها هذا الصيف.. وبعضهم كان حريصا عليها لمدة ثلاثين سنة.. فهل السبب هو نقص السيولة؟.. أم أن أصحاب هذه الحفلات كانوا في حالة حداد على زملائهم الهاربين بالقروض أو المتعثرين في سدادها.. أم أنهم شعروا أخيرا بمشاعر الناس؟.. ويبدو أن هذه الحالة قد انتقلت الى مارينا فلم نسمع عنها هذا الصيف ما كنا نسمعه من قبل.. لقد اختفت مارينا هذا الصيف من صفحات الحوادث.. والتعليقات الحادة لكتاب الأعمدة في الصحف . وكان هناك من راح يروي واقعة أعادت الدردشة الى ما كان عليه من تركيز واهتمام.. لقد قدر له أن يسهر في بيت أحد رجال الأعمال في الساحل الشمالي.. وراح المضيف يروي قصة كفاحه في الحياة.. كيف بدأ المليون الأولى بتجارة المواد التموينية في السوق السوداء.. ثم كيف تطور درجة واحترف تجارة العملة.. ثم كيف نجح في التهرب من الجمارك وهو يستورد السلع التي يتاجر بها.. وراح الرجل (العصامي).. (المكافح).. الذي بدأ من الصفر (يشرح خبرته في (رشوة) الموظفين.. ويشرح (عبقريته) النفسية.. و(خبرته) العقلية في فتح ثغرات في الضعف الانساني للتسلل منها والسيطرة خلالها على أصحابها لوضعهم تحت ضرسه وتشغيلهم في خدمة مكاسبه الحرام. كان في ضيافته سيدة شهيرة في مجال التعليم.. وأستاذة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية.. ورجل أعمال جاء مهاجرا بأمواله من أوروبا.. وفنان سينمائي شهير.. ويبدو أن الصمت كان الحل الوحيد أمامهم وهم يسمعون كل هذه المغامرات الشيطانية.. وفجأة قرر النجم السينمائي أن يكسر الصمت وقال للمضيف: (ألم يحن الوقت لتقدم لنا البيرة في هذا الحر الخانق)؟.. وكانت الاجابة مفاجأة للجميع.. لقد هب الرجل فزعا عندما سمع كلمة (بيرة) وهو يقول للنجم السينمائي: (حرام عليك.. بيرة؟.. أستغفر الله وتصور الآخرون أن الرجل يمزح.. فلم يكن من الممكن أن يصدقوا أن الرشوة والفساد حلال والبيرة حرام.. لكن الرجل لم يكن يمزح.. ولم تكن حالة التشنج العصبي التي أصابته حالة تمثيل.. كانت حالة جادة.. وحقيقية.. ولم يكن أمام النجم السينمائي بعد أن شعر بالحرج سوى أن يقول له: (لقد قصدت بيرة بدون كحول).. لكن الرجل الذي كان قبل دقائق يفخر بقاموس السيطرة على الموظف العام لم يهدأ وقال: (ولا بيرة بدون كحول.. إن فيها شبهات). ولم يجد ضيوف الرجل سوى الانسحاب من السهرة واحدا بعد الآخر.. ليس بسبب البيرة التي بدون كحول وإنما احتراما لعقولهم التي أهانها بالتناقض الواضح والحاد في أفكاره وتصرفاته.. وهو تناقض لا ينفرد به هذا الرجل وحده.. وإنما هي ظاهرة نفسية وعقلية جديدة بدأت تتسرب الينا.. ظاهرة التدين الشكلي التي لا تصل الى عمق الدين وجوهره.. ظاهرة تفسير الحلال والحرام على هوانا وحسب تصوراتنا واجتهاداتنا.. وهي تصورات مبنية على جهل.. واجتهادات مقامة على أرض رخوة.. إن الحلال بين والحرام بين.. ولا يجوز أن نشكلهما كالصلصال بالطب. إن العقل هو الميزة التي انفرد بها الانسان عن سائر مخلوقات الله.. والعقل هو أمانة الاختيار الصعب الذي رفضت الجبال والبحار والسماوات والأرض أن يحملنها.. والعقل هو الذي سخر للإنسان كل ما حوله.. وصنع تاريخه.. وحقق انجازاته.. وضاعف من رفاهيته.. فلا يجوز إهانته على هذا النحو.. لا يجوز وضعه في وعاء ضيق من الحديد كما كان يفعل الناس في الصين بوضع أقدام بناتهم في أحذية صغيرة من الحديد حتى لا تكبر.. إنها صفقة رابحة أن نبيع كل ما نملك ونشتري عقلا سليما غير مريض.. وغير ممزق بالجهل والتناقض والأفكار الخاطئة. لقد تصورت دائما أن الاجازة هي فرصة للراحة والاستجمام والاسترخاء بعيدا عن هموم الوطن.. ومتاعب الصحافة.. لكن في كل مرة كان تصوري يخيب.. فحب هذا الوطن والاهتمام به هو عشق يطاردنا مهما ذهبنا بعيدا.. وجنون الصحافة حالة مزمنة يصعب التخلص منها.. فهي مهنة لا تقبل المرض ولا الرا حة.. ولا تعترف باجازة صيف أو سفر بعيد.. ولو كان الى المريخ.