تحولت قضية اصرار تركيا على بناء سد ايليسو بالقرب من الحدود السورية ـ العراقية (40 ميلا) الى معركة متعددة الجوانب تهدد بنسف الاستقرار في المنطقة مع اقتراب موعد البدء بتنفيذه, اذ تقول انقرة ان المعارضة الداخلية والعربية وكذلك البريطانية الداخلية لن تغير من قناعتها بالبدء بتنفيذ المشروع في نهاية العام الجاري. ومشروع سد ايليسو هو الاول من اصل 22 مشروعا تنوي تركيا انجازها بحلول عام 2010 لاهداف اقتصادية تتعلق بانتاج الطاقة وترتبط بتطلعها الى ان تصبح (سلة الغذاء) لدول المنطقة واخرى سياسية تتعلق بالمشكلة الكردية التي تقول انقرة انها ناتجة عن تخلف منطقة جنوب شرقي البلاد واختلاف البنى وليس انكار الهوية القومية للشعب الكردي, وقد وصف هذا المشروع بـ (تطهير عرقي من نوع آخر) ذلك انه سيشرد اكثر من 20 ألف كردي من المنطقة التي سيقام فيها ايليسو وسيدمر 52 قرية و14 بلدة فضلا عن قلعة حسنكيف التاريخية التي يرجع تاريخها الى اكثر من عشرة آلاف سنة وتوصف بأنها درة الحضارة الكردية نظرا لغناها بالآثار التاريخية والثقافية حيث ما زال الاركيولوجيون ينقبون فيها. واستنادا الى هذه القيمة التاريخية والانسانية طلبت عشرات المنظمات المعنية بحقوق الانسان والبيئة والآثار وعلى رأسها منظمة اصدقاء الارض البريطانية من الحكومة التركية عدم تنفيذ المشروع المذكور كما طلبت من الحكومة البريطانية بعدم تمويله, بعد ان وقع الاختيار في عام 1997 على شركة بلفوربيتي البريطانية لتمويل المشروع بقيمة 200 مليون جنيه استرليني من اصل تكلفة المشروع البالغة 1.25 مليار جنيه. وبالرغم من معارضة العراق وسوريا وجامعة الدول العربية لمشروع سد ايليسو فإن الحكومة البريطانية تصر على تمويل ايليسو بل ان رئيس وزرائها توني بلير بذل جهودا كبيرة لاقناع وزير خارجيته روبن كوك ونائبه جون بريسكوت بتأييد المشروع مبررا ذلك بعضوية تركيا في الحلف الاطلسي وقبولها على قائمة الدول المرشحة للعضوية الاوروبية بالرغم من ان تمويل بريطانيا للمشروع يشكل انتهاكا لمعاهدة الامم المتحدة الخاصة باستخدام الانهار الدولية ويتناقض مع جميع الاتفاقيات التي تم التوصل اليها بين تركيا وسوريا سواء في عهد الانتداب او الاستقلال وكذلك العراق بخصوص المياه والتي تنص على عدم القيام باعمال بناء في اعالي النهرين دون التشاور بين الدول المذكورة, ولعل اخطر ما في سد ايليسو انه لن يؤدي الى انخفاض كمية المياه المتدفقة الى سوريا والعراق وتقليص مواردها المائية فحسب, بل الى سابقة مائية خطيرة في ملف المياه القائم بين تركيا والبلدين العربيين اذ ان تنفيذ السد يعني ترجمة الموقف التركي القائل بأن نهري الفرات ودجلة نهران تركيان ولها الحق باستثمارهما حتى النهاية والسيادة المطلقة عليهما, اي نزع الصفة الدولية بخصوص قضية المياه رغم مخالفة ذلك لجميع القوانين الدولية المتعلقة بالأنهار الدولية. وعليه يمكن تعليل سبب رفض تركيا ولسنوات طويلة الدعوات السورية والعراقية المتكررة لها باستئناف اجتماعات اللجنة الفنية الثلاثية الخاصة بالمياه والتي لم تجتمع منذ نهاية عام 1992 من اجل التوصل الى اتفاق عادل بشأن الحصة النهائية للدول الثلاث من مياه النهرين. وبالرغم من ان سوريا والعراق تحاولان في الفترة الاخيرة تنسيق مواقفهما سواء بشكل ثنائي او في اطار جامعة الدول العربية بغية خلق موقف مؤثر من مشكلة المياه مع تركيا حيث هددتا الشركة البريطانية المذكورة بمقاضاتها امام المحاكم الدولية لكونها تخالف القوانين الدولية الناظمة للمياه الدولية فإن الموقف العربي لم يبلغ حد اقناع الحكومة البريطانية بعدم تمويل ايليسو الذي يواجهه اعتراضات شديدة من مختلف الاوساط السياسية والنيابية البريطانية, حيث وصف آن كلايد رئيس لجنة التنمية الدولية الذي زار موقع السد مؤخرا المشروع بأنه (ضار بحقوق الانسان والبيئة والسلام الاقليمي كما انه يضر بدافع الضرائب البريطاني) والموقف الاخلاقي نفسه دفع عددا من النواب البريطانيين الى المطالبة بعقد جلسة لمجلس النواب لبحث مسألة تمويل الحكومة للسد المذكور وزار نائبان بريطانيان موقع السد بالرغم من تنبيه السلطات التركية لهما بعدم الزيارات, وقد ادت هذه المواقف مجتمعة بالحكومة البريطانية الى التريث في اتخاذ القرار النهائي بشأن تمويل المشروع وتحاول الحصول على ردود من الحكومة التركية بأن السد لن يلحق اضرارا بالسكان المحليين من خلال تقديم تعويضات مالية مناسبة لهم وكذلك بأنه لن يؤثر على كمية المياه المتدفقة الى سوريا والعراق, ومع ان تركيا تقول بأن مسألة معادلات خطيرة من شأنها تحويل المياه الى سلعة للبيع, شأنها شأن النفط كما يقول العديد من المسئولين الاتراك خصوصا بعد ان وقعت تركيا اتفاقية مع اسرائيل لبيع المياه الى الاخيرة, وما يزيد من قلق الدول العربية في هذا المجال محاولة اسرائيل استغلال علاقاتها المتينة مع تركيا في جعل المياه ورقة في مفاوضات التسوية, اذ ان اسرائيل وتركيا تتعاونان في مشروع غاب ـ GAP وتضع اسرائيل خبراتها المتقدمة في مجالات الري والزراعة والهندسة الوراثية في خدمة هذا المشروع بغية جعله مرتكزا اقليميا في سياسة البلدين حيال الدول العربية. ان سد ايليسو ابعد من كونه يهدد برحيل ألوف الناس عن قراهم ويدمر الآثار التاريخية والثقافية في هذه القرى الموغلة في القدم, فإنه ينذر بحرب مياه في المنطقة, وان الموقف العربي الذي توقف عند المشاورات والاكتفاء برسائل الى الجهات المعنية تطلب عدم تنفيذ المشروع او عدم تمويله لم يعد مجديا ولعل العرب باتوا اليوم بحاجة الى موقف فاعل يحفظ لهم مصالحهم سواء عبر اقناع تركيا بالحقوق العربية التاريخية في المياه والمصالح المتبادلة او بالضغط على بريطانيا بما في ذلك اتخاذ اجراءات قانونية ضدها في المحاكم الدولية المختصة بغية ثنيها عن تمويل السد فضلا عن دعم المنظمات الدولية المختلفة المطالبة بوقف سد ايليسو. كاتب سوري