هكذا امتدت الرحلة بين شاغل الزنزانة 14 والمرتبة الـ 11 بين كتاب العالم هيكل: (الصحافي يموت بترك مصادره لا بمغادرة مناصبه) من هي (نادية) التي تشكل القوة العظمى تحت سقف عائلة هيكل؟ مناطق الظلال تكشفها مشاهد انسانية في حياة كاتب عاش على برميل بارود السادات يطلب وهيكل يعتذر عن عدم كتابة (ورقتين) عن لقاء مع الخميني كيف اقنع رئيس تحرير الاهرام توفيق الحكيم بتغطية أمسية موسيقية؟ الصفحات التي ستتوالى بين يدي القارىء من هذا الكتاب هي في جوهرها مشاهد انسانية يحلق قلم صحافي رشيق ومقتدر بها ليضع أيدينا بكثير من الدقة وبغير قليل من الوضوح على مساحات النور والظل في حياة محمد حسنين هيكل, الذي يمكنك ان تصفه بأنه (جورنالجي بامتياز) ان شئت الموضوعية, أو (الصحافي الأول) ان كنت تؤثر العودة الى أجواء الخمسينيات والستينيات, ولكنك في كل الأحوال لابد وان تسلم بأنك أمام الصحافي الذي يحتل المرتبة الحادية عشرة بين أبرز كتاب العالم الصحافيين وتترجم كتبه الى 31 لغة وتنشر مقالاته بلغات لاحصر لها على امتداد العالم. والكتاب يخوض معنا وبنا أسرار حياة هيكل ليجمع العام منها فيما اختزله العنوان بـ (الحرب) والخاص فيما اختزله بـ (الحب) لكن هذه الحياة تظل عريضة وكأنها تعكس النبض المتوهج الذي لمسناه فيما كتبه هيكل عن حرب الثلاثين عاماً وهي في الوقت نفسه تملك شفافية النبض الانساني الذي يتطرق الى التفاصيل الانسانية البسيطة والحميمة والدافئة, التي لم يتردد فلاديمير نابوكوف في وصفها بأنها اختزال لصميم ما هو انساني. على هذه الصفحات سنسمع دوي طبول الحرب, وستدهمنا سحب البارود, سنرى المعارك ونحلق الى الانتصارات, ونهوى الى جحيم الهزيمة, ونمر بمطهر الاستعداد لتحرير الوطن وخوض الطريق الى الانتصار. لكننا أيضا ستصافحنا هبات الياسمين وأصوات مرتلي القرآن, وأصوات الكرات في مضارب الجولف, وصرير القلم الذي لايعرف التوقف, وسنظل دائماً مع الصحافي الذي لم يهجر مصادره فمنحته المهنة تاج الحضور وصولجان التأثير. وليس مؤلف الكتاب, عادل حمودة, بالغريب على القارىء العربي, وانما هو أحد أصحاب الاقلام الأثيرة لديه, فقبل ان يتخرج من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة كان قد دلف الى بلاط صاحبة الجلالة قبل ما يزيد على ربع قرن من الزمان ومن يومها وهو يضيف جديداً كل يوم الى رصيده بما في ذلك تجربته الرائدة في مجلة (روز اليوسف( وأيضا الحشد المميز من المؤلفات التي قدمها عبر مسيرة حياته الصحافية المتوهجة بالعطاء. بدا قرص الشمس متعبا, منهكا, خائر القوى, على وشك الانطفاء بعد يوم صيفي شاق, حار, استيقظ فيه مبكرا. كان قرص الشمس يحلم بالغطس في مياه البحر المتوسط عند الساحل الشمالي الغربي, على بعد 80 كيلو مترا من الاسكندرية. كانت كل أمنيته في تلك اللحظة ان تسري البرودة في وجهه المتفجر احمرارا وقد تحول الى برتقالة دموية ساحرة, وعندما أتيحت له ملامسة الماء, فقد مقاومته للنعاس, وراح يشق طريقه للنوم في فراش مصنوع من الاسماك الفضية اللامعة, تشاركه فيه واحدة من جنيات البحر. على مقعد ثابت, عريض, مصنوع من شرائط الخشب, على الطراز المنتشر في الحدائق العامة يحرص محمد حسنين هيكل على متابعة هذا المشهد الرومانسي الناعم للغروب الذي يشعرك أن الكون كله في حالة صلاة, وهو يتابع هذا المشهد ويندمج فيه يومياً في أيام الصيف الطويلة التي يقضيها على شاطىء بيته البعيد عن القاهرة بحوالي 250 كيلومترا, في قرية تسمى (الرواد) بناها عبدالحكيم عبدالناصر, أحد أبناء صديق عمره جمال عبدالناصر. ولا يتردد هيكل في التعبير عن انزعاجه لضيوفه المقربين لو فاته هذا المشهد لسبب أو لآخر, وهو ما حدث معي أنا شخصياً عندما رحت اطارده بأسئلة لا تتوقف, جعلته لا ينتبه ـ إلا متأخراً ـ إلى أن الغروب قد فاتنا, وأغلب الظن ان هذه مفاجأة لكل من يتصور أن الكاتب السياسي هو قلم بلا قلب, أو قلم بارد القلب, أو أنه شخص مصنوع من الصلب والالومنيوم, يثير المتاعب بدون مشاعر, ويفضل العواصف على العواطف, وهو خطأ شائع. جورنالجي بامتياز إن كثيرا من الكتاب السياسيين الكبار الذين مشوا في طريق الصحافة ذاقوا جنة الأدب قبل أن يحترقوا بجحيم السياسة والصحافة, هيكل نفسه واحد من هؤلاء, فهو يحفظ 10 آلاف بيت من الشعر العربي, ولا يتردد في استخدام بعض أبيات حافظ ابراهيم وأحمد شوقي في إجابته أو تعليقاته على بعض الاحداث أو المواقف الجارية, كما أنه يهوى سيد درويش وأم كلثوم ومحمد عبدالوهاب والتواشيح الدينية والموسيقى الكلاسكية التي تملأ مكتبه ويحركها في مكتبه بالقاهرة بالريموت كنترول, كما أنه يحرص في كثير من الأحيان على حضور مهرجان (موتسارت) السنوي هو وزوجته. وأتذكر ان الكاتب الساخر محمود السعدني كان قد دعا مجموعة من السياسيين والصحافيين, منهم الدكتور اسامة الباز (المستشار السياسي للرئيس حسني مبارك) وابراهيم نافع (رئيس تحرير الاهرام) والدكتور مصطفى الفقي (مدير مكتب الرئيس للمعلومات ثم سفير مصر في فيينا ثم مندوب مصر في الجامعة العربية) ودعاني أنا. وعلى ضوء ليلة قمرية في النادي النهري للصحفايين المطل على النيل عند الجيزة كان الحوار ساخناً, متشعباً, متداخلا حول إسرائيل والسلام وايران والسودان والخليج وشيخوخة السلطة في العالم العربي, وفي وسط هذه السخونة ـ التي عكست التناقض الواضح بين الصحافة والسياسة ـ فوجئنا بهيكل يطري على ما كتبه محمود السعدني عن مشاهير قراء القرآن في مصر, في كتابه (ألحان السماء) , ولم يتخيل محمود السعدني, على الرغم من معرفته الوثيقة بأن هيكل يتابع كل ما يجري حوله, أنه يمكن أن تستهويه سيرة مشاهير القراء, أو يمكن أن يستمع اليهم أو يعرف الفروق بينهم, وساعتها عرفت أن أول كتاب حفظه هيكل هو القرآن الكريم. وفي مناسبة أخرى عرفت أن هيكل يتابع أيضا مشاهير النجوم في الفن, إن هناك مناسبة يحرص عليها هيكل في كل رمضان, وهي قبول دعوة إفطار لها مذاق خاص عند صديق بدأت علاقته الحميمة به في السجن هو الدكتور ميلاد حنا, وفي هذه الدعوة تجد عادل إمام ولينينين الرملي وفاروق الفيشاوي, ويحاول الفنانون من جانبهم جر هيكل إلى السياسة, ويحاول هيكل من جانبه جرهم إلى الفن, وبين الشد من هنا والجذب من هناك يكون الحوار مثيرا, لكن أهم ما فيه هو أن هذا الكاتب السياسي الذي شغل الدنيا متابع لما يجري في عالم الفن, ربما بكل ما فيه من كواليس وشائعات ونميمة, وهو ما يؤكد أنه نموذج مثالي للمخبر الصحفي الذي لا يفوته أي شيء يجري في المجتمع, مهما كان بسيطا أو صغيراً. وأتذكر انه قال لي بعد أن تركت مسئولية تحرير مجلة (روز اليوسف) : (لو كانوا قد عزلوك من منصبك الصحافي فلا تجعلهم يعزلونك عن مجتمعك ومصادر أخبارك) . إن الصحافي لايموت لو ترك منصبه, ولكنه يموت لو ترك مصادره, ولهذا السبب يفضل هيكل لقب (الجورنالجي) انه الوصف الأثير له, أما تلك الاوصاف التي اعطيناها لأنفسنا أو خلعناها على بعضنا البعض من نوع ووزن (الاستاذ الكبير) و(الصحفي الكبير) فكلها كما يقول هيكل بنفسه: (فقاعات ملونة منفوخة بالهواء لا تصنع قيمة ولا تؤكد مكانة) . ويستطرد: (إن كل صحافي يجب أن يكون بالدرجة الاولى (جورنالجي) يتعامل مع الاخبار باعتبارها المادة الرئيسية لصناعته, وهو يستطيع أن يحسن العرض, ويجيد اللغة, ويزيد في التفاصيل, ويهذب, ويصقل, ولكنه وهو بفعل ذلك لا ينبغي له أن ينسى مادته الرئيسية الأولى) . لكن يبدو أن السلطة السياسية في مصر لا تصدق أن (الصحفي) أو (الجورنالجي) يمكن أن يولد بعيداً عنها, أو يمكن أن يعيش وينمو ويكبر ويزدهر لو خرج من رحمها أو رحمتها. لقد اندهش الرئيس أنور السادات عندما عرف أن الزعيم الروحي الايراني (آية الله خميني) استقبل هيكل في ديسمبر 1978 في منفاه الأخير في قرية (نوفل لو شاتو) القريبة من باريس, والتي كان يقود منها أحداث الثورة على بعد 3 آلاف كيلو متر من طهران. وعندما عاد هيكل الى القاهرة اكتشف ـ على حد روايته ـ أن السادات كان غاضبا لأني قابلت خميني في باريس فقد احرجه ان يلتقي مصري بآية الله الثائر على صديقه الشاه (محمد رضا بهلوي), وسأل واحداً من معارفنا المشتركين (المهندس سيد مرعي) عن الصفة التي قابلت بها خميني, وكان رد (معرفتنا المشتركة) على الرئيس اني قابلته بصفتي الصحافية, وكان تعليق السادات في ذلك الوقت هو قوله (هل نسي أنني أحلته على التقاعد؟ وحين بلغتني الملاحظة رجوت صاحبنا المشترك أن ينقل للرئيس (انه ربما احالني الى التقاعد من منصب ولكنه لم يحلني الى التقاعد من مهنة) ونقل إليّ انه لم يقتنع) ان ترك طبيب لمنصب مدير مستشفى ليس تركاً لمهنة الطب. بل أكثر من ذلك لاترى السلطة السياسية في مصر الصحافي اكثر من كونه موظفاً في بلاطها أو في أحد دواوينها, مفروضاً عليه تنفيذ تعليماتها وتقديم التقارير لها, لقد كان الشاه في اسوان بعد ان اقنعه الامريكيون بمغادرة طهران, وراح هو والسادات يبحثان خيارات التدخل العسكري لانقاذ عرشه, عرش الطاووس, أو على الاقل ينقذ مجوهرات التاج الايراني وهي ثروة تقدر بأرقام فلكية, وكان السؤال الذي يشغل بال الشاه والسادات هو: هل يعود خميني الى طهران؟ ما هي بالضبط نواياه؟ وكان السؤال التالي: هل يمكن معرفة هذه النوايا عن طريق هيكل الذي كان آخر من قابله؟ وقال السادات للشاه: إنه وضع تقليدي يحتم على كل مصري يقابل شخصاً له أهمية في الخارج ان يكتب تقريراً عما جرى بينهما فور عودته الى القاهرة. لم يكن هذا التقليد على ما يبدو قد وصل الى علم هيكل أو كان مستعدا للتعامل معه, لكنه فوجىء بالدكتور مصطفى خليل يتصل به من اسوان ليقول له: ان كل مصادر الاخبار هناك في المدينة الجنوبية السمراء, وأنه لا معنى ان يبقى عنده في القاهرة, واستطرد الرجل الذي وصل الى منصب رئيس الوزراء: ان مقعدين قد حجزا له ولزوجته على طائرة الرئاسة التي تسافر كل يوم من القاهرة الى اسوان وتعود مساء كل يوم من اسوان الى القاهرة, ولعلها فرصة لاعادة المياه الى مجاريها بينه وبين السادات, تلك المجاري التي انقطعت بعد أن اخرجه السادات من الاهرام في فبراير عام ,1974 وكان المطلوب من هيكل ان يكتب (ورقة أو ورقتين) عن نوايا خميني, وكان رد هيكل: (إنني لم أتعود كتابة ورقة لأحد) واعتذر عن السفر و(اضيفت نقطة سوداء في سجلي الى نقاط سوداء سبقت منذ أن جرت مفاوضات فك الاشتباك وتوترت علاقتي بسببها مع السادات) على حد قول هيكل. نادية.. القوة العظمى ربما.. كان الشيء الوحيد الذي يعوض هيكل عن مشهد الغروب الحريص عليه هو تدليله لأحفاده الذين يؤمن المصريون بأنهم (أعز الولد) وهو يقول أنه (ضعيف جدا مع أولاده واحفاده) ولم أر ضعفه مع اولاده, فقد أصبحوا رجالا مستقلين بحياتهم, لكنني رأيت ضعفه مع أحفاده, وهو يرى ان تربية الاولاد مسئولية, أما بالنسبة للاحفاد فالتعامل معهم متعة, بدون مسئولية, المسئولية يتحملها الأباء, أبناؤه. لقد أصبح هيكل جدا عندما انجب ابنه (علي) توأما هما (محمد) و(هدايت) على اسمه وعلى اسم زوجته, ثم جاء (منصور) الذي لا يكف عن اللعب, ولا يعبأ كثيراً بملاحظات جده. لكن, لو كنت مكاني, لتوقفت عند هيكل وهو يدلل حفيدته الصغرى (نادية) التي تبدو انها قادرة على الا يرد لها طلبا, كما انها قادرة على اقتحام خلوته الصيفية وهو يقرأ أو يكتب أو يناقش زواره في السياسة, ولعل هذا ما جعلني اصفها بأنها (سوبر باور) أو (القوة العظمى) في حياته الآن وقد تجاوز الخامسة والسبعين من عمره, وقد أسعده التشبيه, فأعاده على مسامع جدتها, السيدة هدايت علي تيمور. ان هيكل الذي يبدو في الصور التي تنشر له جادا, جامدا, هو إنسان ضعيف جدا أمام الاطفال, وليس عنده اروع من الجلوس لطفل ومناورته, ان الطفل هو الانسانية في لحظة براءتها الاولى قبل ان تقطف هذه البراءة خبرة الحياة وصراعاتها, وقد اكتشف هيكل العالم ثلاث مرات, مرة بنفسه, ومرة من خلال أولاده, ومرة من خلال احفاده, وهو يقول: (إنه من خلال رؤية عيون طفل يضع الانسان يده على الفوارق بين الاجيال) . وقد لمس هيكل هذه الفوارق عندما جلس توفيق الحكيم إلى ابنه (علي) يمتحنه بطريقة الفوازير سأله: (من يعبر البحر ولا يبل) ؟ فرد علي (بفورية وعفوية: (واحد راكب طائرة) قال الحكيم: (خطأ.. العجل في بطن أمه) ... بعدها سكت الحكيم متأملا ثم عاد يقول: (الله هذا حقيقي يا علي) ثم التفت الينا ليقول: (الدنيا تغيرت) . وهذه الفوارق يمكن لمسها أيضا في علاقة توفيق الحكيم نفسه بابنه اسماعيل الذي كان يهوى ويحترف الموسيقى الغربية, ان الحكيم الذي عرف عنه البخل لم يرض ان يمنح اسماعيل 11 الف جنيه لتشكيل الفرقة التي عرفت باسم (بلاك كوتس) أو (المعاطف السوداء) , وكان ذلك في بداية السبعينيات, لكن اسماعيل وجد طريقة ذكية لاقناع والده بالدفع, فكان يذهب اليه كل ليلة ليعطيه 20 جنيها ويزعم انه كسبها من عمل موسيقي مع صديق له, وتكرر الامر عدة مرات حتى قال لوالده: كما ترى فالعمل في الموسيقى يكسبني 20 جنيها في اليوم فما بالك لو عملت فرقة موسيقية كاملة, سأربح بين 300 و400 جنيه يوميا, فاقتنع الحكيم وأقرض ابنه ما أراد, لكن اسماعيل أخذ المبلغ وقاطع والده. ويستطرد هيكل: إنه حاول أن ينهي القطيعة بين الحكيم وابنه, فاستدعى الحكيم الى مكتبه بعد ان كتب شيكاً بخمسة آلاف جنيه باسمه ووضعه على المكتب, وابلغ الحكيم انه يرغب في مرافقته لعمل تحقيق صحافي من الدرجة الاولى عن الحفلة الموسيقية التي سيحييها ابنه اسماعيل, ولما تذمر الحكيم وأعلن رفضه للمهمة قال له هيكل: خسارة, اذن سأعيد الشيك للادارة, فتساءل الحكيم: أي شيك؟ فأجابه هيكل: هذا الشيك بخمسة آلاف جنيه أعددته لك كبدل عن هذه المهمة وان لم تكن راغبا في ادائها فلا حاجة له, فتردد الحكيم وتساءل عن المهمة المطلوبة منه بالضبط؟ فقال له هيكل: تذهب وتحضر حفل اسماعيل وتصف وتكتب ما ترى وما تسمع, وبعد ان تظاهر الحكيم بأنه يفكر في الامر تساءل عن مصير الشيك, ثم تناوله وانصرف, وفي المساء حضر هيكل والحكيم حفل اسماعيل معا. قطعة الباباه الشريرة على شاطىء البحر يبدو هيكل مختلفا, فهو يرتدي الثياب القطنية المتحررة (كاجوال) , ومعها صندل خفيف, وساعة يد بلاستيكية (سواتش) وشاطىء البحر قد يكون في الساحل الشمالي, حيث مقره الصيفي, أو في الغردقة على البحر الاحمر في الشتاء, حيث يمتلك بيتا هناك يقضي فيه فترات متقطعة, أما نهاية الاسبوع التي تبدأ من بعد ظهر كل اربعاء وتمتد حتى فجر السبت فيقضيها في بيته الريفي في (برقاش) القريبة من القاهرة. وفي ظني ان هذه الصورة المختلفة التي يبدو فيها هيكل بعيدا عن مكتبه ستكون مفاجأة لكل من لا يراه الا في القاهرة, حيث يحرص على ارتداء الملابس الكاملة التي تسيطر عليها الالوان الكلاسيكية, مثل الرمادي والازرق الداكن من دون تفرقة ملموسة بين الصيف والشتاء, وهو يرتديها وهو في مكتبه عندما يكتب او يقرأ او يحاور ضيوفه, او في زياراته العائلية او عندما يدعو احدا لتناول الطعام في بيته, او عندما يستجيب لدعوات العشاء التي لا يأكل فيها, فقد حرص منذ سنوات طوال على ألا يتناول الطعام بعد ان ينتهي من وجبة الغداء, نوع من الصرامة في التعامل مع الجسم البشري, او نوع من الصيانة له, ولذلك يبدو هيكل دائما مشدودا, رشيقا, اقل من عمره, واكثر حيوية وقدرة على العمل والحياة. وقد رأيته بنفسي وهو غير قادر على مقاومة قطعة من حلوى (الباباه) في حفل استقبال وعشاء اقامه على شرف الدكتور ادوارد سعيد, المثقف والمفكر الفلسطيني الشهير واستاذ الادب المقارن بجامعة كولومبيا الامريكية الذي بدا شاحبا بتأثير اللوكيميا او سرطان الدم, كان الحفل في نادي العاصمة بجاردن سيتي, وحضره حوالي 100 شخصية لامعة في الصحافة والسياسة والدبلوماسية في مصر, وكانت من المرات النادرة التي دعا فيها هيكل احدا على العشاء خارج بيته, فالعادة ان تكون مثل هذه الدعوات في بيته المطل على نيل القاهرة, وقد كان حريصا على ان ينتقل بين ضيوفه مهتما ومجاملا, ونجح ليلتها في قهر اصناف الطعام الشهية الا قطعة الباباه (الشريرة) , فلم يستطع ان يهرب من سحرها وجاذبيتها ولونها الخمري اللامع بعسل النحل, فكان ان قطعها بالسكين وتعامل مع نصفها فقط, واغلب الظن انه شعر فيما بعد بالندم. الصرامة في موضعها على شاطىء البحر ايضا يتخلص هيكل من برنامجه اليومي الذي يحرص عليه بصرامة, فهو على الاقل لاينهي سهراته كما في القاهرة في الحادية عشرة مساء ليدخل فراشه قبل منتصف الليل ليقرأ قليلا قبل ان يغرق في النوم, لكنه حتى وهو في المصيف لايتردد في ممارسة رياضة الجولف يوميا, وهي رياضته المفضلة بعد التنس, وهي اول ما يفعل في صباح يومه, لقد كان يمارسها في نادي الجزيرة بالقاهرة, ثم انتقل اليها في ملاعبها الحديثة في القطامية, اما في الاسكندرية فليس امامه سوى نادي سبورتنج الذي يقطع الطريق الطويل اليه وهو يقرأ الصحف والمجلات المصرية, وغالبا ما يحمل في سيارته كتابا او يحمل صحفا عربية واجنبية لان الطريق اطول من المدة القصيرة التي تحتاجها الصحف المصرية. وفي العادة يستيقظ هيكل في الخامسة صباحا, ويمارس الجولف لمدة ساعة ونصف الساعة, وهو يعتقد ان للجولف مزايا عديدة, منها ان الانسان يبدأ يومه بين الخضرة, وهي بداية صحية في جو نقي, وبعد الجولف يعود لتناول افطاره, ليكون على مكتبه في تمام الساعة الثامنة والنصف, ولمدة ثماني ساعات من دون انقطاع, وبلا ازعاج, مستقبلا ضيوفه, او غارقا في كتاباته حتى موعد الغداء. لقد ألزم هيكل نفسه بالنظام منذ وقت بعيد, لان كل انسان على حد قوله يتحرك في زمن محدد, في يوم مساحته 24 ساعة, وامامه مهام لا حدود لها, عليه القيام بها, ولو لم يحسن استغلال هذه الرقعة من الزمن من خلال تنظيم جيد فانه لن يستطيع ان يفعل شيئا. ويذكر هيكل ان اغلب من عمل معهم او عملوا معه كانوا يشكون من النظام الذي يتبعه, وهو يعتقد ان النظام ليس مهما في الصحافة فقط, ولكن في الفن والخلق الادبي وفي اي شيء آخر والمثال الحاضر الذي لايضربه هيكل هو نجيب محفوظ الذي يمشي يومه كالساعة, ويكتب رواياته في مواعيد يومية ثابتة منتظمة, وربما لهذا السبب هو اكثر الادباء انتاجا, ولو كان النظام في الادب سنة فهو في الصحافة فرض لماذا؟ يجيب هيكل: (لانك مرتبط بلحظة معينة لابد ان تذهب فيها الجريدة الى المطبعة لتدور الماكينات. اذن فأنت مقيد بلحظة نهاية محددة كأنه توقيت معركة ينبغي ان تكون كل عملياتك مرتبة من قبل بحيث تصبح الجريدة معدة في لحظة معينة فضلا عن هذا انا واحد من الناس يعتقد ان التكريم الحقيقي للوقت هو ان تشغله بما هو مجد وما هو نافع والا لن يكون ما تفعل تضييع وقت, بل تضييع حياة, او تضييع عمر في النهاية. بجانب النظام اليومي والغذائي الصارم يحافظ هيكل على نفسه وعلى استمراره بالرياضة البدنية, وهو يقول: (انا واحد من الناس المعتقدين ان جسم الانسان هو الوعاء الذي يضم كل الحواس وكل الملكات, اذا لم تقم بجزء من الجهد البدني العضلي المتمثل في الرياضة بالدرجة الاولى فانك ستفقد شيئا ضروريا للياقة الانسانية. وهكذا بدأ هيكل مشواره مع الرياضة بالتمرينات السويدية, ثم لعب التنس وتعلم منه رد الفعل السريع والقدرة الخاطفة على اتخاذ القرار, ورد الهجوم, وبعد ان ترك موقعه في رئاسة تحرير الاهرام انتقل الى الجولف, شعر ان التنس لم يعد يناسبه (ربما لانني لم اعد احتاج سرعة رد الفعل, ربما اصبح لدي وقت اطول) . مناطق الظلال ان هذه المشاهد الانسانية البسيطة والعابرة وربما المجهولة ايضا قد تساعد في كشف مناطق الظلال في شخصية صحافي وكاتب سياسي كبير عاش حياته على برميل بارود ساخن, لكنه على الرغم من ذلك عرف كيف يحافظ على نفسه وعلى لياقته النفسية والبدنية والعقلية, وعرف كيف ينجح ويستمر في نجاحه رغم تغير الظروف والمواقع ومصادر القوى, وعرف كيف يدير معاركه وينتصر في اغلبها, عرف قيمة الاشياء الصغيرة في صياغة وصناعة الاحداث والتحولات الكبيرة, وهي موهبة كل من يعرف كيف يظل قائما ثابتا رغم الزلازل والهزات الارضية تحت قدميه. هذه المشاهد قد تساعدنا في كشف سر رجل شغل الدنيا اكثر من نصف قرن من الزمن, وحقق شهرة عالمية في مجاله لم يصل اليها غيره في العالم العربي ممن يخدمون في بلاط الكلمة, او في بلاط الصحافة الذي اصطلح الناس على وصفه ببلاط صاحبة الجلالة, انه واحد من اشهر 11 كاتبا صحافيا على مستوى العالم, وتترجم كتبه في كثير من الاحيان الى 31 لغة مختلفة, وتنشر مقالاته بلغات متنوعة, من الانجليزية الى اليابانية, وتبث وكالات الانباء تصريحاته وتوزعها على اربعة انحاء الكرة الارضية, وفي الدراسات الاكاديمية في الجامعات المصرية والتونسية والفرنسية والامريكية العديد من رسائل الماجستير والدكتوراة عنه, واغلبها يحاول ان يجيب على السؤال الصعب: كيف استمر ناجحا متألقا في اكثر من عصر؟ كيف بقي هو وخرج من واقع الجغرافيا الى ذمة التاريخ معظم من كان معهم طوال اكثر من خمسين سنة؟ ولكن رغم تكرار السؤال على مستوى الرسائل الجامعية الا ان الاجابة عليه لم تكن شافية او وافية او كافية. وقد كان هيكل ولا يزال مثار جدل حاد وعنيف, ومثار انقسام واضح يصعب ان يلتئم او يقترب, فهناك من يرفعه الى السماء, وهناك من يراه مسئولا عن الكثير من خطايانا السياسية والصحافية.. والحقيقة ان طول الزمن كان دائما في صالحه, ان قصر الزمن لم يكن في صالح جمال عبدالناصر فمات قبل ان ينفذ خطته في تحرير الارض المصرية التي احتلت بعد هزيمة يونيو عام ,1967 ولكن بالنسبة لهيكل كان طول الزمن كفيلا بتوضيح واثبات الكثير مما كان سببا في الهجوم عليه, كما ان طول الزمن الذي اطاح بكثير من خصومه السياسيين والصحافيين منحه فرصة لان تزداد مساحات الضوء في حياته واعماله ومن ثم تراجعت مساحة الظلام والسواد. ايضا فانه كان هدفا لحملات سياسية وصحفية شرسة وشائعات كانت قادرة على تدمير غيره وصور خاطئة حاول من سعى لاختراعها ان ترتدي ثياب الحقيقة, في وقت كان هو فيه وحيدا, في العراء, لايملك قوة النيران التي تملكها الاطراف الاخرى, كذلك فانه كان طرفا في معارك من النوع الثقيل بينه وبين السلطة احيانا وبينه وبين خصومه دائما, ثم والاخطر انه وجد نفسه معرضا لضغوط وتحقيقات سياسية لمدة 44 ساعة على مدى 11 جلسة تحاسبه على افكاره وكتاباته بأثر رجعي امام المدعي العام الاشتراكي في عهد الرئيس انور السادات, ثم كان ان وجد نفسه معرضا لتجربة السجن المؤلمة لمدة 90 يوما في الزنزانة رقم 14 تحت مسئولية ورقابة من الشاويش عبدالجبار الى الشاويش عبدالتواب في حملة اعتقالات سبتمبر عام 1981 الشهير التي انتهت بحادث المنصة واغتيال السادات وتغيير نظام حكمه. السادات... صاحب الطلب المرفوض الشاه... مطاردة وحشية للمجهول الحكيم... لا للموسيقى الغربية ادوارد سعيد.. تكريم على النيل السعدني... الحان من السماء