بات تقليدا دائما ان تطالعنا الفضائيات العربية بأحد الخبراء في شأن من شئون الحياة يتحدث على الهواء مباشرة من احدى العواصم. هذا التقليد استقدمته الفضائيات العربية من الفضائيات الاجنبية, لان الناس تتعلم بالتقليد والمحاكاة, لكن مع فروق جوهرية في خبرة الخبير! هؤلاء الخبراء الذين يسرحون ويمرحون في المحطات الفضائية العربية يفهمون في كل شئون الدنيا من اسعار النفط الى اسعار الخضار, ومن مشكلات افغانستان الى انقراض الدب الابيض في آلاسكا, ويستطيعون ان يحللوا الشئون الداخلية الفرنسية بطريقة لا تخلو من بطولة استخباراتية, كأن يقول احد الخبراء: همس لي احد المقربين من الرئيس الفرنسي, او اطلعني مصدر كبير في قصر الاليزيه على كذا.. وكذا. ان هذا الاستخفاف بالمشاهد العربي يصل الى درجة تدعو للاشمئزاز, إذن كيف يجيد هؤلاء هذه اللعبة, وكيف يسوقونها ومن يشتريها منهم؟ ثم هل قصر الاليزيه هو دوار العمدة الذي يتسامر فيه اهل البلد ليلا؟ ام ان الرئيس الفرنسي عنده مزاج شيشة ومعسل فأخذ نفسين من شيشته ثم نفث الدخان وقال لأحد الجالسين في قهوته سرا من الاسرار فنقله الى الخبير الذي اطلعنا عليه بدوره, وجلسنا لمدة ساعة نناقش هذه الكذبة, او الافتراضية وهي قطعا من بنات أفكار الخبير الذي ذهب ذات صيف الى عاصمة اوروبية سائحا او عاملا او متشردا! فقرأ كتابين في الاقتصاد وثلاثة في السياسة وربما واحدا في الادب, وبعدها افتتح مكتبا او غرفة في شقة تجارية مع جهاز هاتف وفاكس والذي منه.. وأخذ يمارس خبرته من هناك مسوقا نفسه ضليعا في شئون المكان.. وقطعا هذا المكان لم يره سوى منذ اشهر قليلة ولكنه اصبح خبيرا فيه الى درجة انه يعرف اين يتعشى رئيس الوزراء فيذهب الى ذات المطعم ليدعوه رئيس الوزراء الى ممالحته (ليصبح بينهما خبز وملح) ثم يقول سرا من اسرار السياسة, وهي دائما اسرار خطيرة ينقلها لنا عبر الهواء مباشرة مع تعريف بنفسه انه خبير في شئون السياسة العسكرية الامريكية كونه يسكن قريبا من البنتاجون, او ربما شاهد صورة المبنى في احدى الصحف فأراد ان يصبح خبيرا, وهكذا ينقل لنا الاسرار وكأننا مصدقون ما يقول وخاصة حينما نكتشف في اليوم التالي ان توقعاته جميعها خابت بالنسبة للانتخابات الرئاسية وان اسعار النفط ارتفعت وان المحطات التي تستضيف هؤلاء الخبراء تصر على تعكير مزاجنا بصورهم كل ليلة ليقولوا لنا ان مفاوضات كامب ديفيد قد نجحت, في حين ان عرفات وباراك كليهما يتوجه الى بيته خائبا لعدم توصلهما الى شيء. هؤلاء الخبراء نبتوا كالطحالب على جسد الفضائيات العربية التي تبث اربعا وعشرين ساعة فحولوها الى محطة لبث احلامهم وليس لنقل الحقائق فحللوا وبحثوا ونكشوا فاكتشفوا ان الاعلام العربي متخلف, وهذا ما يشكل ارضية خصبة لعرض خبراتهم وزيادة دولاراتهم لذلك كثروا في الآونة الاخيرة الى درجة اصبح هناك (خبير عالمي لكل مشاهد عربي مسكين)! حسين درويش