(من الصعب ملاحقة ومعاقبة من يرتكب تجاوزات في منظمة يعد التجاوز فيها هو القاعدة. فأي دولار يصرف لا يصل منه سوى سنتات قليلة الى الهدف الاصلي. اما الباقي فيوضع داخل الجيوب). المنظمة المشار اليها في هذا القول هي هيئة الامم المتحدة مما يضفي عليه خطورة اضافية فوق خطورته. وبما يضاعف الخطورة اضعافا ان صاحب القول احد كبار المسئولين السابقين في المنظمة العالمية. وفي الحقيقة ان (ألان بارا) الذي استقال مؤخرا من منصبه كمسئول كبير في (مفوضية الامم المتحدة لحقوق الانسان) قال ان سبب استقالته هو اشمئزازه من انتشار الفساد الاداري داخل الامم المتحدة ومنظماتها واجهزتها المتعددة. واذا كان الفساد الاداري البيروقراطي على صعيد المنظمة خطيرا في حد ذاته بما يكفي, فإن الامر الاشد هولا هو احتمالات انعكاس هذا الفساد على الاداء السياسي للمنظمة.. خاصة فيما يتعلق بقضايا العالم الثالث. ان الفساد المالي باشكاله المتعددة على صعيد الامم المتحدة ووكالاتها ليس ظاهرة جديدة فهو قد ظل سمة ملازمة لها منذ قيام المنظمة الدولية قبل اكثر من نصف قرن. لكن يبدو ان الشبكة البيروقراطية للفساد داخل المنظمة هي من الانتشار والقوة والتضامن بحيث ان اي محاولة للتصدي لها محكوم عليها بالفشل مهما توافر لها من قوة العزيمة. ومما يذكر في هذا السياق ان النمساوي كورت فالدهايم عند توليه منصب الامين العام للامم المتحدة خلال عقد الثمانينيات كان على رأس اجندته القضاء على الفساد المالي في المنظمة. غير انه لم يتوصل الى شيء ذي بال.. فقد كان المتسترون على الفضائح والمخالفات الخطيرة من الكثرة والسطوة بحيث ان غالبية اعضاء لجنة تقصي الحقائق التي كونها فالدهايم كان حتما ان يكونوا انفسهم من المشبوهين! وهكذا طوي ملف التحقيق في الفساد ووضع على الرف لسنين طويلة. الآن بعث الامين العام الحالي كوفي عنان الامر من جديد.. وفي هذه الايام تشهد اجهزة ومكاتب الامم المتحدة ووكالاتها وفروعها نشاط لجان تحقيق حول اكثر من 350 حالة فساد. وابرز هذه الحالات ما يتصل بمهمات قوات وبعثات حفظ السلام واوضاع حقوق الانسان في مناطق مختلفة من العالم الثالث ومما جرى تسريبه في هذا الصدد على سبيل المثال مخالفات منسوبة الى بعثة الامم المتحدة للسلام في انجولا. فقد جرى صرف ما يقارب مليوني دولار على (شراء) تذاكر سفر جوي دون داع او سبب. بل دون موافقة مسبقة.. وقدمت فواتير مزورة سددت بموجبها مطالبات مالية عدة مرات. ومن الواضح ان هناك اطرافا خارج الامم المتحدة تقبض أموالا ضخمة وغير مشروعة بالتواطؤ مع كبار المسئولين في بعثات السلام مثل شركات المقاولات والامدادات العالمية. هنا نتوقف لنتساءل: اذا كانت القوات الدولية التابعة للامم المتحدة ترسل الى بلد افريقي او اسيوي مثل انجولا او تيمور الشرقية بغرض احتواء فتنة قتالية داخلية واحلال السلام كما هو معلن.. واذا كانت ترصد لهذه المهمات اعتمادات مالية بعشرات او مئات الملايين من الدولارات.. واذا كانت شبكة الفساد البيروقراطية في الامم المتحدة مستفيدة بصورة غير مشروعة من هذه الاموال ومعها شركات مقاولات وامدادات.. فما هو الضمان بأن جهود المسئولين الدوليين في هذا الصدد تمضي فعلا في اتجاه اقرار السلام وحفظه في ذلك البلد الافريقي او الاسيوي؟ بكلمات اخرى: أليس من المعقول ان نفترض بناء على المعطيات الواقعة ان المسئولين الدوليين ربما يتعمدون اطالة الامد الزمني لمهماتهم بغرض مضاعفة الكسب المادي غير المشروع؟ أليس المفترض ايضا انهم, بعيدا عن اقرار السلام, يتعمدون توسيع اطار الفتن القتالية وتغذيتها بغرض تصعيد أوارها كلما خبا حتى يواصلوا حلب بقرة حلوب اسمها (خزينة الامم المتحدة) ؟