عادت إلى الساحة السياسية والإعلامية المناقشات حول قيمة أو شرعية طلب محاكمة من تولوا المسئولية في بلادهم, وباسم هذه المسئولية التي منحتها إياهم السلطة ارتكبوا جرائم بشعة في حق مواطنيهم, الذين من المفترض, أو ما تفرضه المسئولية الحقيقية حمايتهم باسم تلك المسئولية, تطرح هذه القضية نفسها من جديد على اثر ما تحقق من نتائج حتى الآن, خاصة بعد أن لاحقت العدالة الأجنبية هؤلاء في بلادهم وخارج بلادهم, وأرقت ولا تزال تؤرق وجودهم أينما كانوا, لوجودهم الدائم تحت سيف المطالبة بمحاكمتهم داخل وخارج بلادهم على حد سواء. وما حدث مع دكتاتور التشيلي السابق الجنرال أوجوستو بينوتشية واحتجازه في العاصمة البريطانية لأكثر من سنة كاملة, ثم القبض في المكسيك الأسبوع الماضي على الضابط الأرجنتيني السابق (ريكاردو ميجيل كافالو) , الذي يعتبر من أكثر العسكريين الأرجنتينيين دموية خلال فترة الدكتاتورية التي حكمت البلاد في الفترة من 1976 إلى 1983 وذلك بطلب من القاضي الأسباني الشهير (بالتثار جارثون) الذي ذاعت شهرته بمطاردته ومطالبته بالقبض على الجنرال بينوتشية لمحاكمته على الجرائم التي ارتكبها بعد انقلابه الدموي عام 1973 ضد الرئيس اليساري المنتخب سلفادور الليندي, الذي مرت ذكراه السابعة والعشرون يوم الاثنين الماضي. حيث يرى البعض أن إثارة هذه القضايا في المحاكم غير الوطنية, أي محاكم دول غير محاكم وطن المطلوب محاكمته مرفوض, لأنه يعتبر تدخلا في الشئون الداخلية لتلك الدول وتعديا على شرعية قوانينها حتى لو كانت تلك القوانين لا تملك حق محاكمة هؤلاء بسبب قوانين جائرة أصدرتها السلطات لحماية من ارتكبوا تلك الجرائم مثل قانون (نقطة النهاية) , الذي عمل على إصداره الرئيس الأرجنتيني السابق (كارلوس منعم) أثناء توليه السلطة, والذي أسقط فيه كل العقوبات الصادرة بحق العسكريين المجرمين الذي عذبوا مواطنيهم إلى حد القتل, وفي عهدهم اختفى أكثر من 30 ألف مواطن دون أن يعرف أحد لهم أثرا حتى الآن, أو عملوا على سرقة أبناء المعتقلات في سجونهم وتزييف نسبهم بما يعني ذلك من جرائم تضاف إلى جرائم الخطف والتعذيب والقتل. بل يرفض هؤلاء محاكمة من ارتكبوا تلك الجرائم كنوع من (إغلاق الجراح المفتوحة) أو (مكافأة) لهؤلاء على قبولهم التخلي عن السلطة للمدنيين وعودة الديمقراطية إلى البلاد, أو حتى تحت مسمى (رفض الاستعمار القانوني) . وهناك من يؤيد إتاحة الفرصة أمام أي قانون في أي بلد لمحاكمة هؤلاء على ما ارتكبوا من جرائم ما دامت هذه القوانين تملك الحق في محاكمتهم لأسباب خاصة بتلك القوانين, مثل أن تكون الضحية منتمية إلى وطن غير وطن المجرم, باعتبار أن القاضي الأجنبي في هذه الحالة يعتبر القاضي الطبيعي الذي يملك الحق في الفصل في تلك القضية, لأن للضحية قاضيها الطبيعي الذي يدافع عنها. أو هناك أدلة دامغة تثبت ارتكاب هؤلاء المجرمين لتلك الجرائم باعتبارها جرائم تدخل في نطاق الدفاع عن (حقوق الإنسان) , وأيضا لفتح الباب أمام قيام محكمة الجرائم الدولية التي يمكنها أن تحاكم من يرتكب أي جريمة تدخل في نطاق (جرائم ضد الإنسانية) . أيا كان التأييد الذي تجده وجهة نظر عن الأخرى, أو أي من الرأيين يستحق التطبيق, فان ما حدث خلال العامين الماضيين من صراع بين وجهتي النظر يستحق التوقف عنده وتحليله للتوصل إلى إيجابيات وسلبيات مجرد (طرح هذه القضية للحوار) , على ضوء ما حدث بالنسبة للدكتاتور التشيلي السابق الجنرال بينوتشية, وبعض العسكريين الذين حكموا الأرجنتين خلال الدكتاتورية العسكرية في الفترة من 1976 و 1983. فإذا كان الجنرال بينوتشية لا يزال يرفض الاعتراف بما ارتكبه من جرائم, ولا يزال مؤيدوه يبررون ما حدث خلال انقلاب سبتمبر 1973 وما تلاه من مذابح راح ضحيتها عشرات الآلاف من الأبرياء, ولا يزال البحث جاريا عن عشرات الآلاف من المختفين منهم الذين لا يزال مصيرهم غامضا. فإن وجود الجنرال في بلاده عاريا أمام القانون, بعد أن تم رفع الحصانة البرلمانية عنه يعتبر أمرا جديرا بالاهتمام. لأنه لولا مطاردات القاضي الأسباني للجنرال, وما نتج عن تلك المطاردة من احتجازه في لندن رهن التحقيق في تلك القضية, ما كان يمكن للقضاء الوطني في التشيلي أن يطلب رفع الحصانة الأبدية التي كان يتمتع بها الجنرال السابق, بفضل دستور خاص قام بوضعه بنفسه وعلى مقاسه, ليضمن لنفسه الحماية الأبدية من أي محاولة لإجباره على الاعتراف بجرائمه التي ارتكبها خلال الفترة التي حكم فيها البلاد عنوة ورغم أنف الدستور والقانون. هذا الوضع الذي يعيشه الدكتاتور السابق رهن التحقيق والمحاكمة ما كان له أن يتحقق لولا مطالبة المحاكم الأسبانية بمحاكمته عن الجرائم التي عجزت عن محاكمته عنها المحاكم الوطنية التشيلية. أيضا ما حدث مع العسكريين الأرجنتينيين الذين عاشوا لفترة من الزمن يتمتعون بالهدوء النسبي, بسبب قانون الرئيس كارلوس منعم الذي أعفاهم من مسئولية الجرائم التي ارتكبوها, عفوا كان أبديا أيضا حسب ذلك القانون. لكن ذلك الهدوء النسبي, لأنه من المفترض أن المجرم لا يتمتع عادة بهدوء مطلق بعد ارتكابه الجريمة, بل يظل قلقا لمجرد الشك في مدى شرعية ما ارتكب من جريمة حتى لو كان مقتنعا بها في البداية, ذلك الهدوء النسبي والقناعة بالبراءة, أو الحماية من المحاكمة انتهى أيضا بمطاردات القاضي الأسباني نفسه (بلتاثار جارثون) , الذي كان وراء اعتقال الجنرال بينوتشية في لندن, بمحاكمة بعض من ارتكبوا تلك الجرائم باعتبار أن ضحاياها من الأسبان أو أن أهل الضحايا من الأرجنتينيين يطالبون بإقامة (سيف العدالة) على رقاب هؤلاء المجرمين, بعد أن فشلت جهودهم في المطالبة بمحاكمتهم في بلادهم بسبب قانون (نقطة النهاية) , الذي حاول دفن الماضي الدموي لهؤلاء, لكنه لم يفلح في إغلاق جراح أهل الضحايا. كل هذا كان وراء دفع جهات رسمية إلى الاعتراف بما كانت تنكر وقوعه من قبل, بل وطلب (العفو) من أهل الضحايا, وهو ما لم يكن متخيلا قبل عامين فقط, فقد جاء على غير توقع اعتراف (الكنيسة الكاثوليكية) بالمشاركة في الجرائم التي ارتكبها النظام العسكري في الأرجنتين, سواء بالمشاركة الفعلية من جانب أعضائها, أو بالسكوت عن تلك الجرائم التي كانت تقع تحت سمع وبصر كبار كهنتها باعتبارهم مسئولين أخلاقيين عن تلك الجرائم, لأنها كانت ترتكب باسم العقيدة الكاثوليكية باعتبارها عقيدة الدولة رسميا. ما كان لهذا الاعتراف الكنسي أن يأتي لولا أن تحقيقات القضاة أثبتت بما يقطع الشك بصلة رجال الكنيسة بالكثير من تلك الجرائم التي وقعت خلال الحكم العسكري في الأرجنتين. أيضا جاء (الاعتراف) من جانب الكنيسة عن تلك المشاركة التي تضاف إلى تاريخ طويل من الجرائم التي ارتكبها رجالها منذ أن وطأت أقدام كهنتها أرض العالم الجديد بعد نجاح (كولومبس) في الوصول إليها قبل خمسة قرون, لذلك كان لا بد من (طلب العفو) رسميا عن المشاركة في تلك الجرائم, وهو ما حدث الأسبوع الماضي. هذا الاعتراف من جانب الكنيسة في حد ذاته كان كافيا قبل سنوات لوقف مطاردات أهل الضحايا لمن ارتكبوا تلك الجرائم, لكن الكنيسة انتظرت أن ينسى الشعب تلك الجرائم, ولم تتوقع أن تجد نفسها مجبرة على الاعتراف بالمشاركة فيها وطلب العفو عنها, ولولا محاصرة القوانين والقضاة الأجانب للعسكريين الأرجنتينيين والتشيليين, ما كان يمكن التوصل إلى تلك الحقائق الدامغة التي دفعت الكنيسة الكاثوليكية في الأرجنتين إلى محاولة وضع (ورقة توت) على عورتها أمام تابعيها. اعتراف الكنيسة وطلبها العفو, تبعه اعتراف الجيش الأرجنتيني نفسه بما ارتكبه من جرائم, وطلب العفو أيضا من مواطنيه الذين كانوا ضحاياه خلال فترة الحكم العسكري الدموي, هذا الاعتراف ما كان يمكن لأحد أن يتخيله قبل سنوات قليلة, فقد كان الجيش لا يزال يتمتع بالقوة الكافية التي تجعل (الرؤساء المنتخبين ديمقراطيا) يحسبون حساب وجوده, ويتبعون تعليماته, وهو ما دفع رئيسا مثل كارلوس منعم إلى محاولة اتقاء شرهم بإصداره قانون العفو عن جرائمهم, دون أن يخطر في ذهنه أن يأتي يوم يعترفون فيه علنا بتلك الجرائم, بل ويطلبون من ضحاياهم العفو. لولا التلويح بمحاكمة المجرمين خارج بلادهم, ومطاردة العدالة الأجنبية لهم ما كان يمكن لأي منهم الاعتراف بما ارتكب من جرائم وطلب العفو عنها, وربما كان هذا من الإيجابيات التي يمكن احتسابها لمن يطالبون بتطبيق قوانين (محاكمة المجرمين عن الجرائم التي ترتكب في حق البشرية) في أي بلد, وأحقية أي محكمة أو قاضي في محاكمة هؤلاء حتى لو لم يكونوا (قضاته الطبيعيين) كما تحتم القوانين الوطنية في معظم دساتير العالم. لكن يظل للجانب الرافض لهذه القوانين حقه في التعبير عن رأيه, وإبداء مخاوفه, وهي مخاوف لها ما يبررها, من أن يتم استخدام تلك القوانين لفرض (استعمار قانوني) . لذلك لا بد من طرح هذه القضية على بساط البحث الجاد, حوار يشارك فيه القانونيون ورجال السياسة للتوصل إلى صيغة تضمن محاكمة كل المسئولين عن الجرائم التي يرتكبونها, وتحمي في الوقت نفسه هؤلاء المسئولين من (القوانين الاستعمارية) التي تحاول استخدام العدالة لتحقيق أهداف استعمارية خفية. كاتب مصري مقيم في أسبانيا