جمد العمل بهياكل اتحاد المغرب العربي بين الاقطار المغاربية الخمسة: الجزائر والمغرب وتونس وليبيا وموريتانيا كما لم تتمكن الاقطار المعنية من تجاوز مشكلاتها التي كانت احد اسباب فشل التجربة الوحدوية, في منطقة المغرب العربي والتي كانت حلما راود الشعوب المغاربية منذ اجتماع طنجة عام 1958م. ويعد مشكل الصحراء الغربية بين المغرب وجبهة البوليزاريو احد اسباب تدهور العلاقات بين الجزائر والمغرب اذ لا يزال المغرب يتهم الجزائر بأنها تساند جبهة البوليزاريو على الرغم من اعلان الجزائر عن موافقتها على خطة الامم المتحدة لحل مشكلة الصحراء الغربية والقاضية بإجراء استفتاء شعبي يحدد مصير الشعب الصحراوي. الجزائر.. والمعضلة الامنية منذ تأسيس اتحاد المغرب العربي عام 1988 كاتحاد اقليمي جاء لحل مشكلات المنظمة الاقتصادية والسياسية واولها مشكلات الحدود, ومواجهة التحديات الامنية المقبلة من جنوب اوروبا بعد زوال الاتحاد السوفييتي السابق كان ينظر للاتحاد المغاربي على انه تكتلا ستواجه من خلاله الاقطار المغاربية مشكلاتها الداخلية, والتي تفاقمت اثر ارتفاع حجم ديون بعض الاقطار المغاربية وعدم مقدرة اقطار اخرى على حل مشكلاتها بنفسها كليبيا التي فرض عليها حصارا اقتصاديا بسبب رفضها التعامل مع الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا في قضية لوكربي ـ الا ان الاقطار المغاربية عجزت عن تجاوز خلافاتها وان كانت تمكنت من حل مشكلات حدودها التي كانت قنابل موقوتة هددت امن المنطقة كلها مثلما كان الحال عليه بين المغرب والجزائر التي اندلعت حربا مسلحة بينهما عام 1963 (حرب الرمال) او الخلاف الحدودي بين الجزائر وليبيا من جهة وتونس وليبيا من جهة اخرى. وقد سويت قضايا الحدود كلها والبعض الآخر لم يحل لاسباب تقنية مرتبطة بلجان رسم الحدود. لقد كانت لمشكلات الجزائر الداخلية منذ عام 1991 التأثير الكبير على اضعاف بنيات اتحاد المغرب العربي حيث تتمتع الجزائر بثقل استراتيجي في لعبة التوازنات الاقليمية في المغرب العربي, فهي دولة تتمتع برصيد ثوري وسياسي ودبلوماسي, وثقل اقتصادي وعسكري, وتتمتع بموقع استراتيجي فريد اعطاها مكانة دولية تحسد عليها, فمشكلاتها الامنية افرغت الاتحاد المغاربي من محتواه السياسي, كما توجهت الجزائر الى الاهتمام بمشكلاتها الداخلية اكثر من اهتمامها بالمشكلات الاقليمية وذلك لاعتقاد القيادة السياسية الجزائرية بأن التحدي الامني الداخلي يسبق التحدي الاقليمي وان كانت الجزائر طالبت الاقطار المغاربية بمساندتها في محاربة شبكات الارهاب على مستوى الحدود. ليبيا.. وقضية لوكربي كانت تعول على الاقطار المغاربية لمواجهة الحصار الاقتصادي الذي فرض عليها وطالبت الحكومات المغاربية بكسر الحصار ومساندة ليبيا سياسيا ودبلوماسيا ومساعدتها اقتصاديا.. الا ان السنوات التي اعقبت قيام الاتحاد والتي خسر فيها الاقتصاد الليبي اكثر من 30 مليار دولار وضع ليبيا في موقع حرج للغاية فهي من جهة دولة ما فتئت تنادي بالوحدة العربية من المحيط الى الخليج, واكثر من ذلك كله كانت تعتقد ان الحصار الذي فرض عليها يعد حصارا على الاقطار المغاربية كذلك من منطلق وثيقة تأسيس الاتحاد التي اشارت احدى موادها ان اي عدوان خارجي على دولة من دول الاتحاد يعد عدوانا على بقية الاقطار المغاربية الاخرى.. كما ظلت العلاقات التجارية بين ليبيا والاقطار المغاربية في حدود لم تتجاوز 3% في مقابل ذلك تطورت العلاقات التجارية بين الاقطار المغاربية الثلاث: الجزائر, وتونس, والمغرب وبين دول الاتحاد الاوروبي ووصلت الى 70% في التعاملات التجارية بين الجانبين.. فهذه الحسابات وعدم التجانس في المواقف السياسية من القضايا المغاربية كانت من بين الاسباب التي ساهمت في افشال الاتحاد المغاربي في السنوات الماضية, قبل ان تستدرك الاقطار المغاربية الوقت الضائع وتحاول اصلاح ما يمكن اصلاحه لانعاش تكاملها. معطيات عديدة ظهرت الى السطح ودفعت الحكومات المغاربية الى اتخاذ مبادرات جادة لاحياء الاتحاد المغاربي خصوصا بعد انتخاب الرئيس الجزائري (عبدالعزيز بوتفليقة) رئيسا للجزائر, وجهود الرئيس التونسي (زين العابدين بن علي) والذي كان الفضل له في انعاش وتحريك العلاقات المغاربية ـ المغاربية ظهر جليا ذلك في زيارات مبعوثي الحكومات المغاربية وتوافر النية الصادقة للعودة الى البيت المغاربي الواحد, خصوصا وان العلاقات بين الجزائر والمغرب عرفت تطورا وتحسنا ملحوظا بعد تمكن القضاء على ظاهرة الارهاب التي اثرت على دور الجزائر الاقليمي والدولي, وخصوصا ايضا بعد اقتناع المغرب بحياد الجزائر في قضية الصحراء الغربية, وتتجه النية لعقد القمة بين قادة الاتحاد خلال الاشهر القليلة المقبلة.. ولكن لماذا تهتم الاقطار المغاربية بتكاملها الوحدوي في خلال هذه الفترة؟ المغرب العربي.. والتحدي المتوسطي للحقيقة ان اقطار المغرب العربي فشلت في التعامل مع دول جنوب اوروبا ككتلة واحدة, ويرجع السبب في ان الاقطار المغاربية تفتقد لبنية اقتصادية متكاملة ومتجانسة تتعامل من خلالها مع اوروبا من مركز قوة, وقد نجحت دول جنوب اوروبا في تفكيك السياسة الاقتصادية المغاربية بتعاملها مع كل دولة مغاربية وحدها, واستندت الدول الاوروبية في ذلك على هياكل الاتحاد الاوروبي الاقتصادية والمالية, كالبنك الاوروبي للاستثمار الذي قدم قروضا وتسهيلات مالية لدول المغرب العربي, واعطى ذلك انطباعا لدى الدول المغاربية ان حل مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية (الديون, البطالبة, الهجرة..) رهينة بمدى زيادة معاملاتها الاقتصادية مع دول جنوب اوروبا. المنافسة الامريكية ـ الاوروبية اضافة الى المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها الاقطار المغاربية وعجزها عن التكيف مع التحولات الدولية, والتخوف من التغيرات والتطورات التي تحصل بالقرب من مناطقها الجغرافية التي تحصل بالقرب من مناطقها الجغرافية, كالتوسع الامريكي العسكري نحو الجنوب, وتزايد المناورات الاوروبية في اعالي البحار, فإن المنطقة تحولت الى منطقة نفوذ اوروبي اقتصادي, ويرجع ذلك الى عامل الاستعمار من جهة والقرب الجغرافي من جهة اخرى, واصبحت للمنطقة اهمية استراتيجية بالغة في لعبة التوازنات الدولية بين القوى الدولية اي بين الولايات المتحدة الامريكية ودول الاتحاد الاوروبي والتي تمثل دول جنوب اوروبا كفرنسا وايطاليا ثقلها الاستراتيجي. وتنافس الولايات المتحدة الامريكية دول جنوب اوروبا اليوم على اسواق المغرب العربي خاصة النفطية منها وتجلت المنافسة في رفض دول الاتحاد الاوروبي توسيع مهام الاسطول السادس الامريكي وحلف شمال الاطلسي نحو الجنوب, لأن ذلك يهدد مصالح دول جنوب اوروبا وامنها الاوروبي والمتوسطي, وراحت دول جنوب اوروبا لكي تحافظ على امتيازاتها وتبعد الوجود الامريكي في المنطقة ومن الاقتراب من المجال الحيوي المغاربي, راحت تعلن عن استقلاليتها الامنية في جنوب اوروبا بانشاء قوات للتدخل السريع مستقلة عن قوات حلف شمال الاطلسي, واصبحت منطقة المغرب العربي منطقة تنافس دولية عجزت اقطارها عن مواجهة التحديات الداخلية والاقليمية واصبحت التحديات هذه تهدد سيادتها وامنها, وعلى سبيل المثال وسعت الولايات المتحدة الامريكية من مجال المناورات العسكرية واصبحت تشمل المناطق الاقليمية واعالي بحار الاقطار المغاربية, ويعني ذلك في الفقه الاستراتيجي ان سياسة الردع الامريكي لا تزال توظف العامل العسكري للضغط على كيانات الدول الداخلية وازعامها على الدخول في المعسكر الامريكي. وعلى الرغم من تبرير الولايات المتحدة الامريكية سياساتها المغاربية الجديدة بأنها سياسات ترمي الى احتواء النظام الليبي وارغامه على الاستجابة للمطالب الامريكية ـ البريطانية كلها (بالرغم من ان محاكمة الليبيين لم تنته بعد) وسياسة ترمي الى مراقبة تنامي جماعات الارهاب في المغرب العربي ومراقبتها بألا تمس بمصالحها الاستراتيجية في المنطقة, الا ان الهدف من وراء كل ذلك والذي ترمي اليه الولايات المتحدة الامريكية بوصفها القوة الوحيدة المتفردة بالادارة الدولية, هو مراقبة دول جنوب اوروبا واحتوائها باتباع سياسة ردعية معها تقوم على توظيف الاسطول السادس وتغيير مهام حلف شمال الاطلسي.. وبين المنافسة الامريكية ـ الاوروبية على منطقة المغرب العربي, تقف اقطار المغرب العربي عاجزة ليس على مواجهة التحديات الخارجية فحسب, بل تقف عاجزة اليوم على مواجهة اوضاعها الداخلية. باحث جزائري