هل هناك شعوب نكدية واخرى مقبلة على الحياة؟ أعرف ان السؤال في غير موضعه واجابته غالباً هي النفي. فداخل الشعب الواحد بل الاسرة الواحدة احياناً من هو نكدي ومكتئب (ووجهه يقطع الخميرة من البيت), وآخر لا يكف عن الابتسام والتعليقات الساخرة والمرحة بل يمكن ان يموت من الضحك! لكن ما دفعني لاثارة هذا السؤال هو حالة الشعب اللبناني, وبعيدا عن التعميم فاعتقادي الخاص من خلال معايشة اللبنانيين وقضاء اسبوعين متنقلاً بين مدن لبنانية متعددة هو أن الشعب اللبناني هو حالة نادرة في تطبيق (فن الاقبال على الحياة والتمتع بها) . التدليل على صحة هذا الاعتقاد لا يحتاج لجهد كبير, انظروا مثلاً الى (تفنن) اللبنانيين في اختراع مسابقات ملكات الجمال, ولا يقتصر الامر على المشاركة في المسابقات الدولية مثل ملكة جمال العالم أو ملكة جمال الكون, بل ان الابداع اللبناني تجاوز هذه المشاركة الى صنع نموذجه الخاص, وهكذا لا يخلو اسبوع من انتخاب ملكة للفراولة أو الطماطم أو التفاح أو المغتربين وربما نسمع قريباً عن ملكة جمال الخيار أو الموز! أو ملكة جمال البصل والثوم والباذنجان. بل وصل الامر منذ يومين بمطعم يدعى (الجنة) الى انتخاب ملكة جمال, ولذلك فلن نستغرب اذا نظم كل شارع وربما حارة بل وكل بناية مسابقة لاختيار ملكة جماله! وبغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع (روقان البال) هذا فان هذا النشاط يعكس اقبالاً على الحياة منقطع النظير, واذا اخذنا ما مر به لبنان من حرب أهلية مدمرة, وعدوان صهيوني غير مسبوق, ووضع اقتصادي صعب, وصراعات سياسية ومناطقية ضارية, لتأكد لنا صحة هذا النموذج الفريد. طبعاً ليس كل اللبنانيين غارقين في هذه المسابقات, فجزء كبير منهم تشغله هموم الحياة ومآسيها مثل باقي البشر, وبعضهم ناضل من أجل المشاركة في (مسابقة الاستشهاد لتحرير الجنوب عبر الكاتيوشا والعمليات الفدائية) . لكن حتى هؤلاء لم يمنعوا انفسهم من الاستمتاع بمباهج الحياة ليخلقوا نموذجاً فريداً يجمع بين متعة الحياة في المساء والسعي وراء لقمة العيش ومقاومة المحتل نهاراً. شخصياً كنت متعاطفاً أكثر مع نموذج المقاومين والساعين خلف لقمة عيشهم, والسبب - ناهيك عن الموقف المبدئي ـ هو أن متابعة مسابقات ملكات الجمال وكثرة النظر الى الحسناوات هو بمثابة وضع قنبلة موقوتة في المنزل وتهيئة الاسباب الكاملة لمعركة زوجية طبعاً أنا الخاسر فيها لا محالة. عماد الدين حسين emadiraqi @ yahoo. com